اختار السيد ادريس بنزكري رئيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان المؤتمر العالمي الثالث لمناهضة عقوبة الإعدام ليعلن من باريس نقلا عن الملك قرار المغرب إلغاء عقوبة الإعدام من القانون الجنائي في شهر أبريل.

فرح بعضهم واستبشر، واجتهد آخرون في الدعاية والتأويل فأدرجها ضمن خانة تفعيل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وربطه بعضهم كعادته بالخطوات الإصلاحية الحداثية للعهد الجديد، ووجده البعض الآخر فرصة ليعلن حنينه إلى ريادة للمغرب على المستوى العربي والإسلامي. وتساءل بعض آخر عن علاقة هذا القرار الذي لم يرسم بعد بالشريعة الإسلامية، وموقف العلماء والحركات الإسلامية منه، وصمتت المؤسسات الدينية الرسمية كعادتها.

لماذا اختار المغرب هذا التوقيت لإعلان القرار؟ لماذا لم يعلنه بصفة رسمية؟ هل مرد ذلك إلى تخوف من ردة فعل تذكرنا بما حدث أثناء إعداد الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية؟ ما هي القيمة الحقيقية لهذا القرار؟ وما هو موقعه ضمن أولويات احترام حقوق الإنسان؟ وما علاقته بالشريعة الإسلامية؟

عقوبة الإعدام في القانون الجنائي المغربي

بالرجوع إلى القانون الجنائي المغربي نجد أنه ينص على عقوبة الإعدام في جرائم عديدة يمكن تصنيفها إلى خمسة:

أولا: جرائم ترتبط بالاعتداء على حياة الأسرة المالكة:

فالاعتداء على حياة الملك أو شخصه يعاقب عليه بالإعدام(ف 163) والاعتداء على حياة ولي العهد يعاقب عليه بالإعدام (ف 165) والاعتداء على حياة أحد أعضاء الأسرة المالكة يعاقب عليه بالإعدام (ف167).

ثانيا: جرائم ترتبط بأمن الدولة وسلامتها ( الخيانة- التجسس…):

فالفصل 181 ينص على ” يؤاخذ بجناية الخيانة، ويعاقب بالإعدام، كل مغربي ارتكب، في وقت السلم أو في وقت الحرب، أحد الأفعال الآتية:

1 – حمل السلاح ضد المغرب.

2 – باشر اتصالات مع سلطة أجنبية بقصد حملها على القيام بعدوان ضد المغرب أو زودها بالوسائل اللازمة لذلك،إما بتسهيل دخول القوات الأجنبية إلى المغرب، وإما بزعزعة إخلاص القوات البرية أو البحرية أو الجوية وإما بأية وسيلة أخرى.

3 – سلم إلى سلطة أجنبية أو إلى عملائها إما قوات مغربية وإما أراضى أو مدنا أو حصونا أو منشآت أو مراكز أو مخازن أو مستودعات حربية أو عتادا أو ذخائر أو سفنا حربية أو منشآت أو آلات للملاحة الجوية، مملوكة للدولة المغربية.

4 – سلم إلى سلطة أجنبية أو إلى عملائها، بأي شكل كان وبأية وسيلة كانت، سرا من أسرار الدفاع الوطني أو تمكن بأية وسيلة كانت، من الحصول على سر من هذا النوع، بقصد تسليمه إلى سلطة أجنبية أو إلى عملائها.

5 – أتلف أو أفسد عمدا سفنا أو آلات للملاحة الجوية أو أدوات أو مؤنا أو بنايات أو تجهيزات قابلة لأن تستعمل للدفاع الوطني، أو احدث عمدا في هذه الأشياء تغييرا من شأنه أن يمنعها من العمل أو يسبب حادثة، سواء كان ذلك التغيير قبل تمام صنعها أو بعده. ”

والفصل 182 ينص على ” يؤاخذ بجناية الخيانة، ويعاقب بالإعدام، كل مغربي ارتكب في وقت الحرب، أحد الأفعال الآتية:

1 – حرض العسكريين أو جنود البحرية على الانضمام إلى خدمة سلطة أجنبية أو سهل لهم وسائل ذلك أو قام بعملية التجنيد لحساب سلطة هي في حالة حرب مع المغرب.

2 – باشر اتصالات مع سلطة أجنبية أو مع عملائها، وذلك بقصد مساعدتها في خططها ضد المغرب.

3 – ساهم عمدا في مشروع لإضعاف معنوية الجيش أو الأمة، الغرض منه الإضرار بالدفاع الوطني.

ويعد العسكريون وجنود البحرية من الأجانب العاملين في خدمة المغرب مماثلين للمغاربة فيما يتعلق بتطبيق هذا الفصل والفصل 181″.

والفصل 185 ينص على ” يعد مرتكبا لجناية التجسس ويعاقب بالإعدام كل أجنبي ارتكب أحد الأفعال المبينة في الفصل 181 فقرة 2 و3 و4 و5 والفصل 182″.

وجاء في الفصل 186 “التحريض على ارتكاب إحدى الجنايات المنصوص عليها في الفصول 181 إلى 185، وكذلك عرض ارتكابها، يعاقب بعقاب الجناية نفسها.” والفصل 190 ينص على “يرتكب جناية المس بسلامة الدولة الخارجية كل مغربي أو أجنبي أقدم، بأية وسيلة كانت، على إلحاق الضرر بوحدة التراب المغربي.

فإذا ارتكبت هذه الجريمة وقت الحرب، فإن العقوبة هي الإعدام” .

والفقرة 1 من الفصل 201 تنص على “يؤاخذ بجناية المس بسلامة الدولة الداخلية، ويعاقب بالإعدام من ارتكب اعتداء الغرض منه إما إثارة حرب أهلية بتسليح فريق من السكان أو دفعهم إلى التسلح ضد فريق آخر وإما بإحداث التخريب والتقتيل والنهب في دوار أو منطقة أو أكثر” .

والفصل 202 ينص على” يؤاخذ بجناية المس بسلامة الدولة الداخلية، ويعاقب بالإعدام:

1 – من تولى أو باشر بغير حق ولا مبرر مشروع رئاسة إحدى وحدات الجيش أو سفينة حربية أو أكثر أو طائرة عسكرية أو أكثر أو مكان محصن أو مركز عسكري أو ميناء أو مدينة.

2 – من احتفظ برئاسة عسكرية، أيا كانت، ضد أوامر الحكومة.

3 – كل قائد عسكري استبقى قواته متجمعة بعد صدور أمر بتسريحها أو تفريقها.

4 – من قام بدون أمر أو إذن من السلطة الشرعية بتأليف فرق مسلحة أو أمر بتأليفها أو قام باستخدام أو تجنيد جنود أو أمر بذلك أو أمدهم أو زودهم بأسلحة أو ذخائر”.

والفصل 203 ينص على ” يؤاخذ بجناية المس بالسلامة الداخلية للدولة، ويعاقب بالإعدام كل من ترأس عصابة مسلحة أو تولى فيها وظيفة أو قيادة ما، وذلك إما بقصد الاستيلاء على أموال عامة، وإما بقصد اكتساح عقارات أو أملاك أو ساحات أو مدن أو حصون أو مراكز أو مخازن أو مستودعات أو موانئ أو سفن أو مراكب، مملوكة للدولة، وإما بقصد نهب أو اقتسام الممتلكات العامة سواء كانت قومية أو مملوكة لفئة من المواطنين وإما بقصد الهجوم على القوات العمومية العاملة ضد مرتكبي تلك الجنايات أو مقاومتها.

وتطبق نفس العقوبة على من تولى تسيير العصابة الثائرة أو تأليفها أو أمر بتأليفها، أو قام بتنظيمها أو أمر بتنظيمها، أو زودها أو أمدها عمدا وعن علم بأسلحة أو ذخيرة أو أدوات الجناية أو بعث لها بإمدادات من المؤن أو قدم مساعدة بأي وسيلة أخرى إلى مسيري العصابة أو قوادها”.

ثالثا: جرائم يرتكبها الموظفون ضد النظام العام:

حيث ينص الفصل 235 على “في الحالة التي تكون فيها الإجراءات المتفق عليها بين سلطات مدنية وهيئات عسكرية أو رؤسائها قد قصد منها أو نتج عنها مساس بالأمن الداخلي للدولة، فإن المحرضين يعاقبون بالإعدام، أما غيرهم من الجناة فيعاقبون بالسجن المؤبد”.

رابعا: جرائم مرتبطة بالإرهاب:

حيث نص الفصل 3-218 على “يعتبر أيضا فعلا إرهابيا، بالمفهوم الوارد في الفقرة الأولى من الفصل 1-218 أعلاه، إدخال أو وضع مادة تعرض صحة الإنسان أو الحيوان أو المجال البيئي للخطر، في الهواء أو في الأرض أو الماء، بما في ذلك المياه الإقليمية.

– يعاقب عن الأفعال المنصوص عليها في الفقرة الأولى أعلاه بالسجن من 10 إلى 20 سنة.

– تكون العقوبة هي السجن المؤبد إذا ترتب عن الفعل فقد عضو أو بتره أو الحرمان من منفعته أو عمى أو عور أو أي عاهة دائمة أخرى لشخص أو أكثر.

– تكون العقوبة هي الإعدام إذا ترتب عن الفعل موت شخص أو أكثر.”

ونص الفصل 7-218 على “يرفع الحد الأقصى للعقوبة عن الجرائم المنصوص عليها في الفصل 1 ـ 218 أعلاه، إذا كان الفعل المرتكب يكون جريمة إرهابية كما يلي:

– الإعدام إذا كانت العقوبة المقررة للفعل هي السجن المؤبد “

خامسا: جرائم مرتبطة بالقتل العمد والتسميم والعنف:

فقد نص القانون على أن القتل العمد حكمه الإعدام في الحالات التالية:

– إذا سبقته أو صحبته أو أعقبته جناية أخرى أو تم ارتكابه لإعداد أو تسهيل أو إتمام تنفيذ جناية أخرى، أو تم ارتكابه لتسهيل فرار مرتكبي الجريمة أو مشاركيهم أو لتخليصهم من العقاب ( ف 392).

– إذا كان مع سبق الإصرار أو الترصد (ف393).

– إذا استهدف القتل أحد الأصول ( ف 396).

– إذا تم استعمال التعذيب أو تم ارتكاب عمل وحشي لتنفيذ فعل يعد جناية ( ف399).

– في حالة جريمة التسميم ( ف398).

علاقة الإعدام في التشريع المغربي بالشريعة الإسلامية

باستقراء لما سبق، وقد حرصنا على التفصيل فيها عمدا، يتضح أن جرائم عديدة يعاقب عليها بالإعدام لا علاقة لها بالإسلام، والاستثناء الوحيد الذي قد يثير غبشا حوله هو جرائم القتل العمد، وحتى هذه لا تستند إلى رأي الشريعة الإسلامية. فبالرجوع إلى ما نص عليه الفقهاء في الباب يتضح أن فلسفة التشريع المغربي في هذا المجال بعيدة كل البعد عن روح التشريع الإسلامي.

فالله تعالى قال: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم. ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} [البقرة: 178- 179]. والقصاص كان معروفًا في الأديان السابقة، فالله سبحانه وتعالى يقول متحدثًا عن التوراة:{وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} [المائدة:45]. وفرَّق الفقهاء بين أنواع من القتل منها:

1- القتل العمد وقصاصه أن يُقتل جزاءً لما فعل، لقوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا} [النساء: 93]. ولا يقتل القاتل إلا بعد أن يؤخذ رأى أهل القتيل فيه، فإن طلبوا قتله قتل وكان القتل كفارة له، وإن عفوا عنه عفي عنه. وأخذت منه الدية، وعليه الكفارة وهى عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد فعليه صوم شهرين متتابعين. لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلي الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثي بالأنثي فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} [البقرة: 178].

2- القتل شبه العمد: على القاتل الذى قتل خطأ الدية، وعليه كذلك الكفارة، وهى عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، لقوله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطئًا ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلي أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليمًا حكيمًا} [النساء: 92].

وقد حددت الشريعة الإسلامية عقوبة الإعدام على سبيل الحصر في جرائم الحدود والقصاص، فالعقوبة الأصلية لجريمة القتل العمد هي القصاص أي قتل القاتل، إذا ما توافرت أركان الجريمة في حقه، أما إذا عفا أولياء القتيل، فتجب عليه الدية والكفارة. ومع ذلك فقد أحاطت الشريعة الإسلامية تطبيق هذه العقوبة بسياج من الضمانات والكثير من الشروط، بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك فوضعت لها العديد من الموانع التي تحول دون تطبيقها، ومن أهم هذه الموانع أن يكون القتيل جزءاً من القاتل كالوالد إذا قتل ابنه أو ابنته، ففي هذه الحالة يمنع القصاص والعكس صحيح أي أنه يقتص من الابن أو البنت إذا قتل أباهما أو أمهما، ومن الحالات الأخرى في هذا المجال، حيث يمنع القصاص، حالة ما يسمى تعدد أولياء في قصاص مشترك، فإذا عفا أحد من هؤلاء الأولياء سقط القصاص عن القاتل، إذ أن القصاص لا يتجزأ فلا إمكان لتصور استيفاء بعضه دون بعض، ومن ثم ينقلب نصيب الآخرين مالاً فيأخذون حصتهم من الدية.

بهذا يتضح أن قرار إلغاء عقوبة الإعدام من القانون الجنائي المغربي لا علاقة له بالشريعة الإسلامية، وتحميل للإسلام شيئا لا يطيقه لأنه بغض النظر عن قضايا جوهرية غير متوفرة وهي وحدها كافية لنقول لا قياس مع وجود الفارق فإن الفقهاء جعلوا القصاص في يد أهل القتيل ولهم حق تنفيذه أو العفو وقبول الدية، وهذا ما لا يضمنه القانون المغربي. بل إن الله أوصاهم أن لا يسرفوا في القتل قصاصا في قوله تعالى ” ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل” ( الإسراء 33) فلولي القتيل سلطان واختيار أن يقتل القاتل أو يأخذ منه الدية ولكنه أوصاه أن لا يقتل ويعفو لأن العفو أقرب للتقوى.

إلغاء عقوبة الإعدام: الخلفيات والأولويات

يتجه نضال المناهضين لعقوبة الإعدام إلى ثلاث واجهات بتدرج:

1- إلغاء عقوبة الإعدام من القانون.

2- عدم إصدار أحكام الإعدام.

3- عدم تنفيذ الأحكام في حالة صدورها.

والمغرب لم ينفذ حكم الإعدام منذ 1993 حيث كان آخر من نفذ فيه هو الضابط محمد تابث، ولا يتجاوز عدد المحكومين بهذه العقوبة 120، وطيلة الفترة بين 1956 و 1993 لم ينفذ الحكم إلا في 41 منها.

لذلك فإن الذين هللوا لهذه الخطوة واستبشروا بها ووضعوها ضمن سياق تنفيذ توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة واهمون، ولعلهم حملوا هذا القرار ما لا يحتمل، فلو كان الأمر يرتبط بتفعيل تلك التوصيات لكان الأولى تفعيل توصيات أخرى تكتسي أولوية وأهمية وهي توصيات تأسيسية من قبيل الإصلاحات الدستورية والحكامة الأمنية والمساءلة ….

وحتى أولئك الذين ربطوها بحماية الحق في الحياة تناسوا أن أحكام الإعدام لم تنفذ في المغرب منذ 14 سنة، وخلال هذه المدة أزهقت أرواح مواطنين تحت التعذيب في مخافر الشرطة وفقدت جثت في غياهب المعتقلات السرية. وهذا ما يكتسي أولوية، ولو كان حماة العهد الجديد جادون في دعاويهم لعلموا أن بداية احترام الحق في الحياة تبدأ من مخافر الشرطة.

وختاما

يتعجب المرء وهو يرى جهودا تبذل وفق سلم أولويات مقلوب، ويتعجب أكثر حين يرى تضخم النقاش حول قضايا معينة، ويزداد تعجبا حين يرى حرص البعض على إلباس قضايا لبوسا ليس لها.

ويتساءل من وراء ذلك؟ ومن المستفيد منه؟

أولى الأولويات في مجال حقوق الإنسان هي ضمان حرية الرأي والتعبير والتنظيم ومنع الاعتقال على أساس الرأي.

أولى الأولويات استقلال القضاء ونزاهته ضمانا لمحاكمة عادلة.

ما لم يتحقق هذا وذاك فإن مبادرات السلطة لا تعدو أن تكون تزيينا للواجهة، وهذا لن يدوم وحتى إن دام فلا ينفع. “فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض” صدق الله العظيم.