اجعل صلاتك عليه في أول دعائك لقد أجمع العلماء على استحباب ابتداء الدعاء بالحمد لله تعالى والثناء عليه ثم بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك يختم بها لفظا. قال الإقليشي: ومهما دعوت إلهك فابدأ بالتحميد ثم ثنِّ بالصلاة على نبيك المجيد واجعل صلاتك عليه في أول دعائك وأوسطه وآخره، انشر بثنائك عليه نفائس مفاخره فبذلك تكون ذا دعاء مجاب، يرفع بينك وبينه الحجاب صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تجعلوني كقدح الراكب، قيل: وما قدح الراكب؟ قال: إن المسافر إذا فرغ من حاجته صب الماء في قدحه فإن كان له إليه حاجة توضأ منه أو شربه وإلا أهرقه، اجعلوني في أول الدعاء وأوسطه وآخره). رواه عبد بن حميد والبزار في مسنديهما وعبد الرزاق في جامعه وابن أبي عاصم في الصلاة له والتيمي في الترغيب والطبراني والبيهقي في الشعب والضياء وأبو نعيم في الحلية …. قال الهروي وتبعه ابن الأثير: أراد: لا تؤخروني في الذكر والراكب يعلق قدحه في آخر رحله ويجعله خلفه […].

قال ابن الجوزي في البستان ص: 366-367: روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تجعلوني كقدح الراكب، فإن الراكب إذا أراد أن ينطلق علق معاليقه، وملأ قدحه، فإذا كانت له حاجة في أن يتوضأ أو يشرب شرب وإلا أهرقه، فاجعلوني في وسط الدعاء وفي أوله وفي آخره). ومعنى الحديث أن يكون الإنسان أبدا لا يفتر عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أصابته شدة وصلى على محمد عرف صوته ودعاءه، فاستجيب له وكشف عنه الهم والكرب، فيجب على من هو من أهل ملة محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يغفل عن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أكثروا من الصلاة علي فإنها تهين كيد الشيطان) فأولى أن تدفع عن المصلي عليه آفات الزمان، وتحول بينه وبين عذاب النيران، وتوجب له دار الخلد والأمان وجنة النعيم والرضوان.

وأنشدوا:امدح نبي الهدى يا أيها الرجـل *** واذكـر فضـائله والدمع منهمر

وصل دهرا على المختار مجتهدا *** تحت الظلام وداجي الليل منسبل

عساك تحظى بدار لا نفـاد لهـا *** نعيـمها دائـم والظل والأكـل- وعن فضالة بن عبيدة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا دعا أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء …). وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: [إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئا فليبدأ بمدحه والثناء عليه بما هو أهله ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليسأل بعد فإنه أجدر أن ينجح أو يصيب] رواه عبد الرزاق والطبراني في الكبير من طريقه ورجاله رجال الصحيح…

وعن عبد الله ابن بسير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدعاء كله محجوب حتى يكون أوله ثناء على الله عز وجل وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو فيستجاب لدعائه) رواه النسائي وأبو القاسم ابن بشكوال من طريقه من رواية عمر بن الحمصي عنه.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل دعاء محجوب حتى يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم) أخرجه الديلمي في مسند االفردوس له. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صلاتكم عليَّ مُحررة لدعائكم. الحديث). […..] وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من دعاء إلا بينه وبين الله حجاب حتى يصلى على محمد وعلى آل محمد فإذا فعل ذلك انخرق الحجاب ودخل الدعاء وإذا لم يفعل رجع الدعاء) رواه البيهقي في الشعب وأبو القاسم التيمي وابن بشكوال وغيرهم من رواية الحارث الأعور…[القول البديع :221-222-223].

وقال أبو سليمان الداراني: من أراد أن يسأل الله حاجته فليكثر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليسأل الله حاجته، وليختم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله يقبل الصلاتين وهو أكرم من أن يدع ما بينهما.

وفي الأربعين المدنية عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن الدعاء بعد الصلاة علي لا يرد).

الصلاة على النبي متضمنة لذكر الله وشكرهإن المصلي عليه صلى الله عليه وسلم قد تضمنت صلاته عليه ذكر الله وذكر رسوله وسؤاله أن يجزيه بصلاته عليه ما هو أهله كما عرّفنا ربنا وأسماءه وصفاته وهدانا إلى طريق مرضاته، وعرّفنا ما لنا بعد الوصول إليه والقدوم عليه. فهي متضمنة لكل الإيمان بل هي متضمنة للإقرار بوجوب الرب المدعو وعلمه وسمعه وقدرته وإرادته وصفاته وكلامه، وإرسال رسوله وتصديقه في أخباره كلها وكمال محبته ولا ريب أن هذه هي أصول الإيمان، فالصلاة عليه صلى الله عليه سلم متضمنة لعلم العبد ذلك، وتصديقه به ومحبته له، فكانت من أفضل الأعمال.[جلاء الأفهام:269-270].

الدعاء نوعان:

– أحدهما: سؤاله حوائجه ومهماته وما ينوبه في الليل والنهار، فهذا دعاء وسؤال وإيثار لمحبوب العبد ومطلوبه.

– والثاني: سؤاله أن يثني على خليله وحبيبه ويزيد في تشريفه وتكريمه وإثارة ذكره، ورفعه. ولا ريب أن الله تعالى يحب ذلك ورسوله يحبه، فالمصلي عليه صلى الله وسلم عليه قد صرف سؤاله ورغبته وطلبه إلى محاب الله ورسوله. وآثر ذلك على طلبه حوائجَه ومحابَّه هو، بل كان هذا المطلوب من أحب الأمور إليه وآثرها عنده، فقد آثر ما يحبه الله ورسوله، فقد آثر الله ومحابَّه على ما سواه والجزاء من جنس العمل. واعتبر بما تجد الناس يعتمدونه عند ملوكهم ورؤسائهم إذا أرادوا التقرب والمنزلة عندهم، فإنهم يسألون المطاع أن ينعم على من يعلمونه أحب رعيته إليه. وكلما سألوه أن يزيد في حبائه وإكرامه وتشريفه علت منزلتهم عنده وازداد قربهم منه وحظوا بهم لديه لأنهم يعلمون منه إرادة الإنعام والتشريف والتكريم لمحبوبه، فأحبهم إليه أشدهم له سؤالا ورغبة أن يتم عليه إنعامه وإحسانه، هذا أمر مشاهد بالحس، ولا تكون منزلة هؤلاء ومنزلة من سأل المطاع حوائجه هو وفارغ من سؤاله تشريف محبوبه والإنعام عليه واحدة، فكيف بأعظم محبوب وأجله وأحقه بمحبة ربه له؟ ولو لم يكن من فوائد الصلاة عليه إلا هذا المطلوب لكفى المؤمن به شرفا.

وهاهنا نكتة حسنة لمن علم أمته دينه وما جاءهم به، ودعاهم إليه وحضهم عليه وصبر على ذلك، وهي أن النبي صلى الله عليه وسلم له من الأجر الزائد على أجر عمله مثل أجور من اتبعه. فالداعي إلى سنته ودينه، والمعلم الخير للأمة إذا قصد توفير هذا الحظ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وصرفه إليه، وكان مقصودَه بدعاء الخلق إلى التقرب إليه، بإرشاد عباده، توفيرُ أجور المطيعين له على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع توفيتهم أجورهم كاملة كان له الأجر في دعوته وتعليمه بحسب هذه النية، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. [جلاء الأفهام : 2270-271 ].

الصلاة على النبي سبب لرؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام ذكر الشيخ ماء العينين في فاتق الرتق رواية أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: (من قال: اللهم صل على روح محمد في الأرواح وعلى جسده في الأجساد وعلى قبره في القبور، رآني في منامه ومن رآني في منامه رآني يوم القيامة ومن رآني يوم القيامة شفعت له، ومن شفعت له شرب من حوضي وحرم الله جسده على النار).

قال الإمام الحافظ شمس الدين محمد السخاوي الشافعي: وعن محمد بن سعيد بن مطرق وكان من الأخيار الصالحين قال: كنت جعلت على نفسي كل ليلة عند النوم إذا آويت إلى مضجعي عددا معلوما أصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، فإني في بعض الليالي قد أكملت العدد فأخذتني عيناي وكنت ساكنا في غرفة وإذا أنا بالنبي صلى الله عليه وسلم قد دخل علي من باب الغرفة فأصاب الغرفة به نور ثم نهض نحوي وقال هات هذا الفم الذي تكثر به الصلاة علي أقبله فكنت أستحي أن أقبله من فيه فاستدرت بوجهي فقبل خدي فانتبهت فزعا من فوري وانتبهت صاحبتي التي بجنبي فإذا بالبيت يفوح مسكا من رائحته صلى الله عليه وسلم وبقيت رائحة المسك من قبلته في خدي نحو ثمانية أيام، تجد زوجتي كل يوم الرائحة في خدي. رواه ابن بشكوال.

أنها سبب لرؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة لمن أكثر الصلاة عليه قال سيدي العربي السائح في بغية المستفيد ص:210-211: … وحكى أيضا،أعني الشيخ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في كتابه الذي ترجمه بتنوير الحلك في إمكان رؤية النبي والملك، القول بإمكان رؤيته صلى الله عليه وسلم يقظة. كذلك عن الشيخ أبي بكر ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى في كتابه قانون التأويل. وذكر في الجيش الكبير أن اللقاني رحمه الله حكى اتفاق الحفاظ على جواز رؤيته صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام(…) وقال يعني السيوطي رحمه الله: ولا يمتنع رؤية ذاته الشريفة بجسده وروحه، وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء أحياء ردت إليهم أرواحهم بعد ما قبضوا، وأذن لهم في الخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي، وقد ألف البيهقي جزءا في حياة الأنبياء، وقد ألفنا فيها جزءا لطيفا “اه”. ثم قال: فحصل من مجموع هذه النقول والأحاديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم حي بجسده وروحه، وأنه يتصرف ويسير في أقطار الأرض وفي الملكوت، وهو بهيئته التي كان عليها قبل وفاته لم يتبدل منه شيء، وأنه مغيب كما غيبت الملائكة مع كونهم أحياء بأجسادهم فإذا أراد الله رفع الحجاب عمن أراد كرامته رآه على هيئته التي هو عليها لا مانع من ذلك ولا داعي إلى التخصيص برؤية المثال “اه” .(…) وذكر(يعني الإمام السيوطي) في الجيش الكبير أن شيخ مشايخ المالكية أبا الحسن سيدي عليا الأجهوري رحمه الله تعالى نقل هذا التحصيل بلفظه في نوازله فهو قائل به. وقال الإمام الساحلي في بغية السالك بعدما ذكر طبقات الناس في انطباع صورته الشريفة صلى الله عليه وسلم في نفوسهم: ووراء هذا ما هو أعلى درجة منه، وهو أن يراه بعين رأسه عيانا في عالم الحس ولا ننكر هذا، فقد يكرم الله من يشاء من عباده بإقامة صورته الكريمة له يشاهدها، وهذا من جائز الكرامات التي يتحف الله بها أولياءه “اه”: نقله في الجيش، ونقل إثره كلام صاحب روضة النسرين في طبقات من انطبعت صورته الكريمة صلى الله عليه سلم في نفوسهم، ونص ما نقله منه:ومكـثر الصـلاة فيه يشـرق *** في قلـبه نـور لها يحـقــق

والـناس في ذاك لهم مـراتب *** بقدر ما تصـفو لهم مشــارب

لها بـذهن بعضـهم تصـور *** بعـد تأمـل وفـكر يكــثــر

يـراه في المنـام بلا كمـال *** وذو تصـور لدى اعـتـــزال

أحـيان ذكره يفوق من سلف *** وكامـل الرؤيا قـد اتـصــف

ومن إذا يسـد عينا أبصـرا *** نـوما وضـده سـما من غبـرا

فمن بعـيـني رأسـه يـراه *** في عـالـم الحـس لما عــراهوقال صاحب روضة النسرين في شرحه لهذا البيت: والذي يظهر لي أن بعض الأولياء يرى في اليقظة روحه متشكلة بصورته الشريفة، وأهل المقام الأعلى يرون حقيقة ذاته الشريفة كأنه معه في حياته صلى الله عليه وسلم “اه”. وقال يعني صاحب الروضة المذكورة في محل آخر من شرحه : هذا، ومن فوائد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أنها تقرب العبد منه صلى الله عليه وسلم حتى يلتقي معه يقظة وبذلك يأمن من السلب، وقبل التقاء الولي معه يقظة يكون على خوف من السلب، نعوذ بالله “اه”.

ومن أراد التوضيح أكثر فليرجع لبغية المستفيد ص:212-213-214-215-216..