استغفار النبي صلى الله عليه وسلمعن الأغر المزني وكانت له صحبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) أخرجه مسلم (2702)، وأبو داود (1515)، وأحمد (2/211،460)، والنسائي في الكبرى (10276)، والطبراني (1/302).

ليغان: قيل: أراد ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه البشر، لأن قلبه أبداً كان مشغولا بالله تبارك وتعالى، فإن عرض له وقتاً ما عارض بشري يشغله من أمور الأمة والملة ومصالحهما عَد ذلك ذنباً وتقصيراً فيفزع إلى الاستغفار.

قال الشوكاني: [قوله: ليغان] بالغين المعجمة مبنيا للمجهول. والغين: هو الغيم الذي يكون في السماء، كما قال أبو عبيد وغيره عن أئمة اللغة، والمراد هنا ما يغشى القلب ويغطيه، قيل والمراد به هنا ما يعرض من غفلات القلوب عن مداومة الذكر، وقيل هو غشاء رقيق دون الغيم، والغيم فوقه، والران المذكور في قوله تعالى “كلا بل ران على قلوبهم” هو فوق الغين لأنه الطبع والتغطية. والحاصل أن المراد هنا ما يعرض من الغفلة والسهو الذي لا يخلو منه البشر، وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه (إنما أن بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني) وإنما استغفر منه صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن ذنباً، لعلو مرتبته وارتفاع منزلته حتى كأنه لا ينبغي له أن يغفل عن ذكر الله سبحانه وتعالى في وقت من الأوقات.

قلت: قال ابن عجيبة في إيقاظ الهمم في شرح الحكم، ص: 461: حكي عن الشيخ الحسن الشاذلي رضي الله عنه أنه كان يستشكل قوله عليه الصلاة والسلام: (إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم سبعين مرة). وفي رواية أخرى: (مائة مرة). حتى رأى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا مبارك غيْنُ أنوار، لا غين أغيار، ففهم حينئذ أن الغين هو التغطية، إنما هي أنوار الشهود، أو هي تتفاوت بالقوة والضعف باعتبار الكشف، فكلما كشف له عن مقام رأى ذلك المقام نقصاً باعتبار ما بعده، ورآه حجاباً وتغطية لما فوقه، وهكذا، وعظمته تعالى لا نهاية لها، ولذلك قال له: “وقل رب زدني علما”.

المراد بالمائة التكثير لا التحديدوفي خزينة الأسرار ص:97: وقال ابن مالك المراد بمائة مرة التكثير لا التحديد ودخل في الناس الذكور والإناث، ومنه يُعلم أن ورد الاستغفار والتوبة لا يسقطان أبداً وهما واجبان على الفور لما في التأخير من الإصرار على المُحَرّم وهُوَ يُصَيِّرُ الصغيرة كبيرة كما قال صلى الله عليه وسلم: “ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة”. وأخرج الديلمي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع الإصرار”.

الاستغفار الكثيرلقد كان جماعة من السلف رحمهم الله لا يفترون عن الاستغفار قال أبو هريرة رضي الله عنه: إني أستغفر الله وأتوب إليه كل يوم ألف مرة وذلك على قدر ديني وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: طوبى لمن وجد في صحيفته استغفاراً كثيراً، بل لقد كان الصحابة يعدون لنبينا صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد مائة مرة يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم.

“وروى مكحول عن أبي هريرة قال: ما رأيت أكثر استغفاراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال مكحول: ما رأيت أكثرَ استغفاراً من أبي هريرة، وكان مكحول كثير الاستغفار” الجامع لأحكام القرآن 4/210.

قال الإمام الشعراني في كتابه البحر المورود في المواثيق والعهود: أخذت علينا العهود أن نكثر من الاستغفار ليلاً ونهاراً سواءاً وقع منا في ذلك النهار معصية أو لم تقع، وأكمل عدد في الاستغفار: ألف مرة صباحاً وألف مرة مساءاً.

الصلاة تغفر الذنب[عن أنس  رضي الله عنه- قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبت حداً، فأقمه علي. قال: ولم يسأله عنه، فحضرت الصلاة، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة؛ قام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله، إني أصبت حداً، فأقم فيّ كتاب الله. قال: أليس قد صليت معنا؟ قال: نعم. قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك. أو قال: حدّك.(متفق عليه)].

وعن علي رضي الله عنه قال: كنت رجلا إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني به الله ما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابه استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وقال: وحدثني أبو بكر رضي الله عنه وصدق أبو بكر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين ثم يستغفر الله إلا غفر له، ثم قرأ هذه الآية: “والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم..” إلى آخر الآية 135 آل عمران. رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه، وليس عند بعضهم ذكر الركعتين، قال الترمذي حديث حسن غريب، وذكر أن بعضهم وقفه.

قال علقمة والأسود قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: في كتاب الله عز وجل آيتان ما أذنب عبد ذنبا فقرأهما واستغفر الله عز وجل إلا غفر الله تعالى له: “والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون” آل عمران: 135. وقوله عز وجل: “ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما” النساء: 109..

العمل على المغفرة[قال بعضهم لرجل: هل أذنبت ذنباً؟ قال: نعم. قال: فعلمت أن الله كتبه عليك؟ قال: نعم. قال: فاعمل حتى تعلم أن الله قد محاه. [جامع العلوم والحِكَم، لابن رجب الحنبليّ: 2/185].

الخوف من الله مغفرة [عن أبي هريرة  رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسرف رجل على نفسه، فلما حضره الموت، أوصى بنيه إذا مات فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه، ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين. فلما مات، فعلوا ما أمرهم. فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له: لِم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب، وأنت تعلم.

فغفر له.(متفق عليه).]

بين ذل المعصية وعز التوبة [روي عن أبي جعفر السائح، قال: كان حبيب أبو محمد تاجرا يُكري الدراهم، فمر ذات يوم؛ فإذا هو بصبيان يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الربا. فنكس رأسه، وقال: يا رب، أفشيت سري إلى الصبيان. فرجع، فجمع ماله كله، وقال: يا رب إني أسير، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال، فأعتقني. فلما أصبح، تصدق بالمال كله، وأخذ في العبادة. ثم مر ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأوه؛ قال بعضهم لبعض: اسكتوا، فقد جاء حبيب العابد. فبكى، وقال: يا رب أنت تذم مرة، وتحمد مرة، وكله من عندك. (جامع العلوم والحِكَم، لابن رجب الحنبليّ: 2/157-158)].