قال تعالى في كتابه العزيز: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ(58))[الأعراف].

متى استقام الطريق في بدايته، وانكشفت خطى السير القويم في مقدمته، مؤسَّسة مبنية واضحة، كان النصر وكان التمكين.

النصر الأكبر والفوز العظيم أن تجد الأجيال القادمة من الأمة المعينَ صافيا، أن تشربه وتَرِدَهُ طاهرا عذبا سَلِسا، ليستبين لها الطريق وتعرف الحق سبحانه وتعبده بصدق ويقين، فتَحْسُن منها العبادة والطاعة، وتتقوى منها الهمم، ويصدق منها الطلب، فإذا المؤمن العاكف المتقرب الساعي في أرض ربه تظهر ثمرات سلوكه في مجتمعه، تظهر جلية في كل مناحي الحياة، إذ المؤمن متفاعل مع كل حقائق الكون ونواميسه، فيجتبي منها لدنياه وآخرته.

ومتى أمسك المؤمن بزمام آخرته، وصفت لها سريرته، انشرحت نفسه لعمل الدنيا وأرزاقها وعلومها واقتصادها وسياستها جلبا للنفع ودفعا للضرر عن نفسه و عن الخلائق، إذ أعمال الدنيا موصلة متصلة بعمل الآخرة.كل الموارد غـيــر النيل آسنة *** وكل سوى البلقـاء فيـحـاءأورد الطبراني في معجمه الأوسط في خبر إسلام الصحابي الجليل عدي بن حاتم الطائي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يا عدي يوشك أن ترى الظعينة (المرأة) تخرج من الحيرة (بلدة بالعراق) حتى تأتي البيت بغير جوار ويوشك أن تُفتح علينا كنوز كسرى (ملك الفرس) قال قلت كسرى بن هرمز قال كسرى بن هرمز ويوشك أن يُخرج الرجل الصدقة من ماله ولا يجد من يقبلها منه”[المعجم الأوسط2/360]، اندهاش و استغراب من الصحابي الجليل الذي كان تابعا لنِحْلَة ودين الأسياد من الروم والفرس و هو يسمع كلام نبي الحق، وعاش الصحابي الجليل بعد رسول الله تعالى ليرى الموعود النبوي الرباني يتحقق رأي العين وعايشه وحكاه لمن بعده [ابن كثير2/350،صحيح البخاري3/1316]، رأى كنوز كسرى و كنوز الروم بين يدي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وقد حازوها وملكوها، وحازوا قبلها قلوب الشعوب التي فتحوا بلادها، لما حازت قلوبهم محبة الله والرغبة إليه.

ثم انظر إلى قوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ(5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ (6)) [القصص]، الإمامة اجتماع العباد حول القلب الرشيد الدال على المنعم،والوراثة حسن تسيير وتدبير وحفظ، والتمكين دوام واستمرار لهذه الوراثة والمَنُّ كل ذلك وفوقه.

إذا لاحت بارقة القرب والوصل والعدل والصفاء في قلوب أبناء المجتمع الإسلامي بأسره، وتمكنت وترسخت وصارت لازمة لكل مسلم، ظهرت نتائج ذلك الصفاء في الواقع تمكينا و”ازدهارا” و”تنمية”، وأفاضت على المجتمعات الأخرى مكسب الأخلاق مع مكسب الأرزاق.

قال تعالى: (أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ(6) وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ (3))[هود]

“غاية” لم تُدرك!زعم رواد “التربية الحديثة” ومروجو “التنمية العصرية” المستقاتان من الثقافة الغربية اللحوق بالركب وإدراك المعالي وتحصيل الغاية من الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتقنياتية إلى غير ذلك من مجالات الحياة المعيشة، وحملوا إلى الأمة لتحقيق ذلك كل ثقافات الغرب وقوانينه إلا ما كان من علوم نافعة مربحة، واستهجنوا دين الله تعالى ورَكَنُوا به في زوايا تكفين الموتى وتعزية ذويهم، ونسبوا إليه كل عجز ونقص وتخلف وهم في ذلك للغرب شيع وله تلاميذُ و تبع.

صُرفت خيرات الأمة وأموالها ومدخراتها من أجل إدراك “المقصود” من “خيرات” العالم الغربي، وصرفت جهود الأمة وجهود أبنائها لنيل ذلك وما استقام لها من ذلك إلا ثقافة “التراث” وهوس المادية المتغطرسة، وانحلت مع ذلك من الأمة الأواصر والروابط وضاعت الأخلاق وتسيب المجتمع واستحوذ الجهل وعمت البلوى واستفرد أهل الأهواء وضاعت الذمم وتشتت الأرزاق وعم الفقر، وفوق هذا وأكبر منه والذي منه الغضاضة والغصة ضياع أبناء الأمة لما أن ضاع منهم الإيمان بالله وصدق طلبه سبحانه ومعرفته، ومعرفة مقصد ابتعاث الأمة، فانمحى منهم صدق العمل وصدق الطلب، واختلفت عليهم الوجهة والمقصد، وانحسر منهم الفهم وكل منهم الجهد وخار منهم العزم.

انتهى تحليل مثقفي ذراري المسلمين فيما يصيبهم من انتكاسة “الغاية” المرجوة التابعة الساعية في أذيال العالم المستكبر إلى الجهل الخرافي الديني الذي يعيشه العالم الإسلامي وما جلبه عليه من تحجر اتجاه كل جديد، وغاب عن المثقفين المؤدلجين أن الحكمة في المنظور الإسلامي مسعىً أنى كان أصلها ومنبعها، وما انتبهوا إلى أن البناء على غير أساس طامة تصيب المقلد وتطمس بصيرته ولا تبلغ به الغاية مهما كان النقل وكان التلمس ومهما كانت حنكته وإخلاصه، لأنه يُنبث في أرضٍ غير الأرض وموطن غير الأصل.

ليس من الغريب أن تحاول دول الاستغراب تصدير ثقافتها إلى الشعوب المستضعفة، وليس من السفاهة التوصل إلى ثقافات الشعوب الأخرى ومعرفتها ودراستها والاستفادة منها، لكن تمام العقل وكمال الفهم يستدعي من الناظر المتأمل أن يكون له أصل وأساس منه ينطلق وعنه يصدر وبه يقارن وعلى ضوئه ينتقد، أما إن انمحى هذا من فهم الناظر وعقله طُمس فهمه وقل إدراكه وانبهرت مخيلته بهجين ثقافة الغالب وصعب عليه التمييز بين ما تحتاجه الغاية الطارئة لزمانه وما هو كمالي لا تنصرف إليه هموم المستضعف وتبتغيه وبين ماهو اتقائي يفسد أكثر مما يصلح، فبما هم المثقفون قد سلبت منهم الفطرة الأصلية وانطمس منهم الحس غابت عنهم الغاية ولم تدرك، على أن من مثقفينا من يدرك هذا وأكثر منه ولا تزال فيهم “حمية” الانتماء لدين الله تعالى الذي به العصمة وإليه الغاية والمنتهى.فهذه الغاية القصوى لنا ابداً *** واللَه في كل حال حسبنا وكفىقال تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ(10)) [فاطر].