الطفولة مرحلة عمرية لها خصائصها ومتطلباتها وأهميتها، “وتأتي أهمية الطفولة من كونها مرحلة تشكل في مجملها ميدانا يساعد المربين والعلماء والموجهين على زرع ما يرون من توجيهات وأفكار وأخلاق دون أن تعترض مقاومة أو عناء يذكر”(1).

وتشغل “الطفولة” حيزا كبيرا في كتابات الرافعي ولاسيما في مصنفه “وحي القلم” حتى شكلت ظاهرة بارزة تنم عن هاجس ظل يلح على يراع هذا الأديب فجسده ألوانا ببيان شتى، ووشاه ببيانه المصفى، وليس غريبا على قلم مثل قلم الرافعي أن يتنزل وحيه، ويفيض خاطره ببيان رائع عن الطفل والطفولة، في أحوالها وتقلباتها موجها الأنظار إلى شريحة من شرائح المجتمع يستجلي من خلالها فلسفة الحياة، ومعنى الإنسانية، ويكشف سوءات واقع يمتهن معاني الطفولة، ويحطم قيم الحياة، باعتدائه على براءتها، وتشويهه لجمالها، مجتمع تسربت إليه أمراض العصر، تخلخل بنيانه، فطفق يعبث بجمال الأشياء ويحرف ويزيف حقائقها، ويزيغ عن كثير من تعاليم دينه التي تستهدف بناء حياة قويمة أساسها الحب، والطهر، والنقاء.

لقد وعى الرافعي مدى الانحراف والتشوه الذي أصاب بنية الحياة الاجتماعية، ومن ذلك ما يخص “الطفولة” ومعاناة الأطفال في ظل الواقع الجديد الذي أفرز علاقات اجتماعية جديدة عكست نفسها سلبا على واقع الأطفال، ولما كان الرافعي “أديب الأمة العربية المسلمة المعبر بلسانها الناطق عن ذات نفسها”(2) فقد أخذ يتلمس قضاياها ومنها قضية الطفولة  ببلسم بيانه ويعرضها في مقالاته- سابرا أغوارها ومقدما وجهة نظره المستقيمة المنبثقة من نظرة الإسلام للكون والحياة والإنسان.

وينهض هذا البحث بمهمة تتبع تلك المقولات والشذرات المبثوثة في مقالات كتاب وحي القلم بأجزائه الثلاثة طمعا في جمع أشتات رؤية الرافعي للطفولة، وتجليات تلك الرؤية في أنساق مقالاته، ومعالجته لجوانب القضية، متناولا ذلك بالوصف والتحليل إسهاما في رفد الدراسات الأدبية المعاصرة -المتخصصة في أدب الطفولة والمشتغلة على قضية الطفل- بهذه الدراسات، التي تكشف حفاوة الأدب الإسلامي بـ”الطفولة” شأنها شأن موضوعات الحياة الأخرى، فضلا عن أهمية الموضوع على مستوى الساحة العالمية، فطالما تخصصت جمعيات ومراكز وهيئات ومنظمات بالطفولة وحقوق الطفل.

ويتكفل هذا البحث بإبراز جهد أديب إسلامي في عرض القضية بأسلوب أدبي رفيع، وتحقيق حضور لائق من خلال مقالاته المتعددة، ومدى إسهام الفن الأدبي في تناول الواقع الاجتماعي وتقديم الرؤية الإسلامية المتميزة في مضمار الرؤى المعاصرة.

فالعودة إلى الطفولة ليست هروبا من الواقع ولكنها تقديم صيغة جديدة للسلام والبراءة في عالم استوحش فيه الإنسان، عودة إلى النبع بحثا عن الجمال في عالم تشوهت ملامحه واستطالت نقائصه.

ويستنطق الرافعي الأطفال قائلا: “أيها الناس انطلقوا في الدنيا انطلاق الأطفال يوجدون حقيقتهم البريئة الضاحكة لا كما تصنعون إذ تنطلقون انطلاق الوحش يوجد حقيقته المفترسة”.

فالطفولة هنا تصرخ في وجه الإنسانية الطائشة المتوحشة اخلعي “أرسائك ولو يوما”، وتعترض على اغتيال براءة الحياة، ويخلص الرافعي ليجعل الطفولة مجمعا لكل مظهر من مظاهر “جمال الحياة.

“أيتها الرياض المنورة بأزهارها، أيتها الطيور المغردة بألحانها، أيتها الأشجار المصفقة بأغصانها، أيتها النجوم المتلألئة بالنور الدائم، أنت شتى، ولكنك جميعا في هؤلاء الأطفال يوم العيد..”(3).

إننا لن ندرك روعة الجمال في الطبيعة إلا إذا كانت النفس قريبة من طفولتها ومرح الطفولة ولعبها وهذيانها(4).

وهنا نلحظ كيف اتسع مفهوم الطفولة لدى الرافعي ليصبح الحياة الجميلة فهي السرور والقناعة والحب والجمال والبراءة والبساطة، والطمأنينة والحرية والسلام..

مقابل: المعاني الضدية التي تقتضيها دلالة المخالفة، وتنطلي على المجتمع المعاصر، إن البحث عن الطفولة وإثبات قيمها ومعانيها يمثل محاولة نفي للواقع المتشكل ولو من ناحية نظرية، واعتماد الكاتب على توليد هذه المواصفات أو القيم يمثل إصرارا على تحقيق حضور أكبر للقيم الإيجابية لترسيخها في طفولة اليوم التي هي بالضرورة ملامح الغد.

مفهوم الطفولةيعمد الرافعي إلى فلسفة الأشياء والبحث عن جواهرها فهو لا يرى الطفولة مرحلة عمرية ممتدة من سن إلى آخر، ولكن الطفولة معنى من المعاني بل كل المعاني الجميلة مجسدة في الأطفال، بهم ومن خلالهم يستقرئ الجمال في الأشياء ويرصد ملامحه.

فالعيد بالأطفال  مثلا- هو “يوم الخروج من الزمن إلى زمن وحده لا يستمر أكثر من يوم” لكن هذا اليوم له معان أخر في وجوه الأطفال.

“خرجت أجتلي العيد في مظهره الحقيقي على هؤلاء الأطفال السعداء، على هذه الوجوه النضرة التي كبرت فيها ابتسامات الرضاع فصارت للزمن ضحكات”(5).

“هؤلاء الأطفال السعداء الذين لا يعرفون قياسا للزمن إلا بالسرور”(6).

الأطفال في نظر الرافعي هم “السحرة الصغار الذين يخرجون لأنفسهم معنى الكنز الثمين من قرشين”.

يسحرون العيد فإذا هو يوم صغير مثلهم جاء يدعوهم إلى اللعب.

يبنون كل شيء على أحد المعنيين الثابتين في نفس الطفل، الحب الخالص، واللهو الخالص، يبتعدون بطبيعتهم عن أكاذيب الحياة فيكون هذا بعينه هو قربهم من حقيقتها السعيدة”، هم السهولة قبل أن تتعقد، يفتشون الأقدار من ظاهرها، ولا يستبطنون كيلا يتألموا بلا طائل، يأخذون من الأشياء لأنفسهم فيفرحون بها ولا يأخذون من أنفسهم للأشياء كيلا يوجدوا لها الهم، قانعون يكتفون بالتمرة ولا يحاولون اقتلاع الشجرة التي تحملها.

يعرفون كنه الحقيقة وهي أن العبرة بروح النعمة لا بمقدارها.

يجدون من الفرح في تغيير ثوب للجسم أكثر مما يجده القائد الفاتح في تغيير صوب للمملكة، حكماء .. يشبه كل منهم آدم أول مجيئه إلى الدنيا حين لم تكن في الأرض خليقة ثالثة معقدة من صنع الإنسان المتحضر.

شعرهم البديع: أن الجمال والحب ليس في شيء إلا في تجميل النفس وإظهارها عاشقة للفرح، حكمتهم العليا أن الفكر السياسي هو جعل السرور فكرا وإظهاره في العمل.

فلاسفة تقوم فلسفتهم على قاعدة عملية هي أن الأشياء الكثيرة لا تكثر في النفس المطمئنة.

يوجدون حقيقتهم البريئة الضاحكة، أحرار .. حرية نشاط الكون كالفوضى ولكنه في أدق النواميس”(7).

مكانة الأطفال في نفوس الآباءالذرية الصالحة نعمة، وقرة عين ولذا كانت دعوة عباد الرحمن “ربنا هبنا لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما”(8).

ويستلهم الرافعي هذا المعنى ومعاني أخرى للذرية حين يقول “رأيت الناس قد أنعم الله عليهم أن يكونوا أباء فنسأ بالولد في آثارهم، ومد بالنسل في وجودهم، وزاد منه في أرواحهم أرواحا، وضم إلى قلوبهم قلوبا وملأ أعينهم من ذلك بما تقر به قرة عين كانت لم تجد ثم وجدت، فهم بهؤلاء يملكون القوة التي ترجعهم أطفالا مثلهم في كل ما يسرهم، فيكبر الفرح في أنفسهم وإن كان في ذات نفسه ضئيلا صغيرا، ويعظم الأصل في أشيائهم وإن كان هو من شيء صغير لا يؤبه له، وتلك حقيقة من حقائق السعادة لا أسمى ولا أعظم منها إلا الحقيقة الأخرى وهي القوى التي تحول بها الكون في قلب الوالدين إلى كنز من الحب والرحمة، وجمال العاطفة بسحر من ابتسامة طفل أو طفلة، أو بكلمة منهما أو حركة على حين لا يتحول مثل ذلك ولا قريبا منه بمال الدنيا ولا يملك الدنيا(9).

“وكم تتحمل الأم الجنين صابرة راضية فرحة بآلامها وتغذوه وتقاسمه حياة نفسها”(10).

إنهم  أي الأطفال- امتداد لوالديهم، وزينة حياتهم بل إن ابتسامة أو كلمة لا توازيها كنوز الدنيا، وفوق ذلك يكون مولد الطفل في نظر والده مولدا جديدا له، يقول الرافعي على لسان أب: “قال المسكين ثم أعادتني قدماي إلى البيت لأرى طفلتي وما كنت رأيتها ولقد كانت ولادتها أول الحياة لها وأول الحياة لي…”(11).

فكم ظل ينتظر مجيئها مشدود الأعصاب حين أخذ المخاض يعتصر زوجته وكانت أمنيته “أن تلد لي الحياة والحب معا .. وتأتي لقلبي بمثل طفولتي الأولى..”(12).

وأحيانا يقوم الطفل بدور آخر فلا يكون امتدادا لحياة والده فحسب بل يكون إنقاذا لوالده من خسارة فادحة قد تحل به، ويستلهم الرافعي قصة من التاريخ الإسلامي يتوسل بها في طرح موضوعه، ويبني عليها نصه، وينسج على هيكلها خيوط بيانه، وهي قصة مالك بن دينار وقد وسمها بـ”بنته الصغيرة” وجعلها في جزأين ولما كانت البنت “الطفلة” هي الأضعف فقد كانت الحكمة من قيامها بهذا الدور أدل وأولى انتصارا لضعفها، لقد قامت الطفلة فاطمة بإنقاذ حياة أبيها وتحويل مجرى حياته من ظلمات أقصى الفجور والغي إلى أنوار الهداية والاستقامة.

“كانت البنية بدء حياة في بيتي وبدء حياة في نفسي، فلما دبت على الأرض ازددت لها حبا، ألفتني وألفتها، فرزقت روحي منها أطهر صداقة في صديق، تتجدد للقلب كل يوم بل كل ساعة، ولا تكون إلا لمحض سرور القلب دون مطامعه فتملك بالحياة نفسها لا بأشياء الحياة فلا تزيد الأشياء في المحبة ولا تنقص منها”.

وقد كانت بحبه لها سببا في تركه للخمرة “جهدت أن أترك الخمر فلم يأت لي ولم أستطعه إذ كنت منهمكا على شربها، ولكن حب ابنتي وضع في الخمر إثمها الذي وضعته قيها الشريعة فكرهتها كرها شديدا”. وبعد أن توفيت ابنته كانت رؤياه الشهيرة التي وقفت ابنته فاطمة درعا في وجه التنين الذي أراد هلاكه “فإذا ابنتي التي ماتت قد أشرفت علي، فلما رأت ما أنا فيه صاحت ثم بكت، ثم وثبت كرمية السهم، فجاءت بين يدي ومدت إليّ شمالها فتعلقت بها ومدت يمينها إلى التنين فولى هاربا، وأجلستني وأنا الكميت من الخوف والفزع وقعدت في حجري كما كانت تصنع في الحياة وضربت بيدها إلى لحيتي وقالت يا أبت .. “ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله…”(13).

وتخبره عن تفاصيل الرؤيا “يا أبتاه ذلك عملك الصالح أنت أضعفته فضعف حتى لم يكن له طاقة أن يغيثك، من عملك السيئ ولو لم أكن لك هنا ولو لم تكن اتبعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن فرح بناته المسكينات الضعيفات  لما كانت لك هنا شمال تتعلق بها ويمين تطرد عنك”، وقد عالج في هذه المقالة “ابنته الصغيرة” واجب الوالدين نحو البنت وضرورة تربيتها تربية مشتملة “تربية عقلية، تربية إحسان، تربية جسمها تربية إحسان وإلطاف، وتربية روحها تربية إكرام وإحسان وإلطاف… ويقول: “البنت هي أم ودار ليس ينبغي أن ينظر الأب إلى بنته الأعلى أنها بنته أم أولادها ثم أم أحفاده فهي بذلك أكبر من نفسها وحقها عليه أكبر من الحق، فيه حرمتها، وحرمة الإنسانية معا ..(14).

الأطفال الفقراءيلتفت الرافعي إلى الأطفال الفقراء نظرة تنتصر لهم من واقعهم بعد أن يعمد إلى تجسيد مأساتهم بأسلوب كله استعطاف، فيقول على لسان أحدهم  وهو يخاطب أخاه: “انظر هاهم أولاء يرى عليهم أثر الغنى وتعرف فيهم روح النعمة، وقد شبعوا .. إنهم يلبسون لحما على عظامهم أما نحن فنلبس على عظامنا جلدا كجلد الحذاء .. إنهم أولاد أهليهم، أما نحن فأولاد الأرض، هم أطفال ونحن حطب إنساني يابس يعيشون في الحياة ثم يموتون، أما نحن فعيشنا هو سكرات الموت إلى أن نموت، لهم عيش وموت ولنا الموت مكرورا … هؤلاء الأطفال يتضورون شهوة كلما أكلوا ليعودوا فيأكلون، ونحن نتضور جوعا ولا نأكل لنعود فنجوع ولا نأكل، وهم بين سمع أهليهم وبصرهم ما من أنة إلا وقعت في قلب، وما من كلمة إلا وجدت إجابة، ونحن بين سمع الشوارع وبصرها، أنين ضائع، ودموع غير مرحومة”(15).

ولم يكتف بمجرد تصوير هذه النوازع النفسية التي تعتلج في نفس طفل يتيم تصويرا واصفا، بل يحاول أن يلامس نفسياتهم مدعما معنوياتهم بتشبيههم بأبطال الحرب: “أنتم أيها الفقراء حسبكم البطولة فليس غنى بطل الحرب في المال والنعيم ولكن بالجراح والمشقات في جسمه وتاريخه”(16).

ويؤكد أن الفقير لا ينهزم في معركة الحوادث، وأن الأغنياء سبب هزائم الشرق…، ويدعو على لسان طفل فقير إلى أن يكون الحكام من صالحي الفقراء ليحكموا بقوانين الفقر والرحمة لا بقانون الغنى أو القسوة(17)، أما أولاد الأغنياء فيجب أن يباشروا الصناعة والتجارة ليجدوا عملا شريفا يصيبون منه رزقهم بأيديهم لا بأيدي آبائهم، “لأن اختلال العدل أو ما سماه الرافعي “العمى الاجتماعي” سبب بقاء تلك الفجوة بين حياة الفقراء وحياة الأغنياء، ولولا العمى الاجتماعي لما كان فرق بين ابن أمير متبطل في أملاك أبيه من القصور والضياع، وابن فقير متبطل في أملاك المجلس البلدي من الأزقة والشوارع.

وكان مجمل هذه المقالة انتصارا لحقوق الطفولة الفقيرة في وجه الغنى المفرط الذي ينبئ عن اختلال المعادلة الاجتماعية.

وفي هذه المقالة يجسد الرافعي مفارقة عجيبة حين يرسم مشهدا لطفلين فقيرين يتضوران جوعا وهما متوسدان عتبة البنك “يا عجبا بطنان جائعان في أطمار بالية يبيتان على الطوى والهم ثم لا يكون وسادهما إلا عتبة البنك، ترى من لعن البن بهذه اللعنة الحية”؟.

وتصل المأساة إلى قمة التأزم حينما يحاور الفقير أحمد أخته أمينة:

– آه لو صرت مديرا! أتدرين ماذا أصنع؟

– ماذا تصنع يا أحمد؟

– أعمد إلى الأغنياء فأردهم بالقوة إلى الإنسانية وأحملهم عليها حملا، أصلح فيهم صفاتهم التي أفسدها الترف واللين والنعمة، ثم أصلح ما أخل به الفقر من صفات الإنسانية بالفقراء أحملهم على ذلك حملا” .. “القانون الآن كلمة حقي، ونحن نريد أن يكون: “حقي وواجبي، وما أهلك الفقراء بالأغنياء ولا الأغنياء بالفقراء ولا المحكومين بالحكام إلا قانون الكلمة الواحدة.. “..أنا أحمد المدير .. أنا عمل اجتماعي منظم يحكم أعمال الناس بالعدل أنا خلق ثابت يوجه أخلاقهم بالقوة، أنا الحياة الأم مع الحياة الأطفال الأخوة في هذا البيت الذي يسمى الوطن، أنا الرحمة عندي الجنة، ولكن عندي جهنم أيضا ما دام في الناس من يعصي، أنا بكل ذلك لست أحمد، لكني الإصلاح”(18).

لقد لجأ الرافعي إلى تصوير الطفولة المشردة مجسدة في الطفلين (أحمد وأمينة) اللذين ناما على عتبة البنك يفترشان الرخام البارد، ويلتحفان جوار رخاميا في برده وصلابته على جسميهما، ويتساءل: “أهما طفلان أم كلاهما تمثال للإنسانية التي شقيت بالسعداء…”.

الأطفال أيتاما …إن مأساة “اليتيم” زاوية من زوايا نظرة الرافعي إلى الطفولة وتناولها في كتاباته، ولا شك في أن اليتيم ومأساة الأطفال يموت والديهم يمثل مادة خصبة لقلم الأديب ناهيك عن أهمية هذه القضية في مضمار البناء الاجتماعي، والرافعي إذ يصور هذه المأساة بريشته الصانعة يرسم لوحة “موت أم” يبين أثر موت الأم في نفوس أبنائها، ومقدار العواطف المنطلقة عند رؤية أطفال خمسة “أكبرهم كأنه ثمانية أرطال لا ثمانية أعوام، جاء إلينا كما يجيء الفزع لقلوب مطمئنة، إذ كان في عينيه الباكيتين معنى فقد الأم طغت عليها الدموع فتناول منديله ومسحها بيده الصغيرة، ولكن روحه اليتيمة تأبى إلا أن ترسم بهذه الدموع على وجهه معاني يتمها .. جلس مستسلما تترجم هيئته معاني هذه الكلمة “رفقا بي” ثم تطير من عينيه نظرات في الهواء كأنما يحس أن أمه حوله في الجور ولكنه لا يراها”(19).

ويصور الرافعي مشاهد هذا الطفل اليتيم بصور شتى “يتململ في مجلسه فينعطف جسمه كله بهذه الكلمة “يا أمي”، ويستبطن أعماقه النفسية “أحس ولا ريب أنه قد ضاع في الوجود لأن الوجود كأنه أم “لمس خشونة الدنيا منذ ساعة”، شعر بالذل ينساب في قلبه الصغير، لبسته المسكنة لأنه صار وحده في المكان كما هو وحده في الزمان..

ثم يخاطبه: “انتهت أيها الطفل المسكين أيامك من آلام .. بدأت أيها الطفل المسكين أيامك من الزمن، يا إلهي، أي صغير على الأرض يجد كفايته من الروح إلا في الأم”(20).

ويرسم الرافعي صورة أخرى من صور اليتيم في مقالته “قصة أب” إمعانا منه في تشخيص المشهد وبيان أبعاده كافة، فيتحدث عن طفلة ولدت وفارقت أمها الحياة بعد ولادتها “إنها طفلة ولدت وكأنما أخرجت من تحت الردم، إذا ولدت تحت ماض من الحياة منهدم، وهل فرق بين هذا وبين أن تكون ولدتها أمها في الصحراء “فالمسكينة على الحالين منقطعة أول ما انقطعت من حنان الأم ورحمها، طفلة ولدت صارخة، لا صرخة الحياة ولكن صرخة النوح والندب على أمها، صرخة حزينة معناه: ضعوني مع أمي في القبر” صرخة ترتعد كأن المسكينة شعرت أن الدنيا خالية من الصدر الذي يدفئها، صرخة تتردد في ضراعة كأنه جملة مركبة من هذه الكلمات “يا رب ارحمني من حياة بلا أم”(21).

وينتصر الكاتب للطفولة مجسدة في هذه الطفلة المسكينة إذ يتعهدها أبوها بالرعاية ويحوطها بالحنان والعطف تعويضا لها على فقدان الأم.

“إذا صبر الناس على الحياة فمن أجلك يا مسكينة، من أجل ضعفك وانقطاعك.. سأعاني الصبر لك، وأعاني الصبر لي، وأعاني الصبر عن أمك، سأصبر عن الصبر نفسه”(22).

الأطفال اللقطاء..تناول الرافعي في مقالته عربة اللقطاء مأساة الأطفال اللقطاء محاولا رسم ملامح هذه المأساة في مشهد درامي حزين: مستخدما مشهدا ضديا هو مشهد أطفال صغار مع أمهاتهم وذويهم إمعانا منه في تشخيص الموقف، وقد كان عنوان المقالة دالا مناسبا حيث يوحي بأن عالم هؤلاء اللقطاء قد اختزل ليصبح مجرد “عربة” تشكل ميدان حياتهم، عربة مسورة بألواح من الخشب كجوانب النعش تمسك من فيها من الصغار أن يتدحرجوا منها إذا هي تدرج وتقلقل”(23).

“أولئك ثلاثون صغيرا من كل سطح لقيط ومنبوذ، وقد انكمشوا وتضاغطوا إذ لا يمكن أن تمط العربة فتسعهم ولكن يمكن أن يكبسوا ويتداخلوا حتى يشغل الثلاثة أو الأربعة منهم جزأين ومن منهم إذا تألم سيذهب فيشكو لأبيه..؟

يشعرك اجتماعهم أنهم صيد في شبكة لا أطفال في عربة، ويدلك منظرهم البائس الذليل أنهم ليسوا أولاد أمهات وآباء ولكنهم وساوس آباء وأمهات.

لقد كثف الرافعي مشهد الحزن والحسرة حينما رسم مشهد نزولهم من العربة، وصور امرأتين تقومان على اللقطاء “وكلتاهما تزوير للأم على هؤلاء الأطفال المساكين” فضلا عن الحوار الذي دار بين الحصانين اللذين يجران العربة أحدهما الكميت والآخر الأدهم”.

الأول: كان يجر عربة الكلاب التي يقتلها الشرطة، والثاني كان يجر القمامة والأقذار، ويحس الأول بثقل الأطفال اللقطاء حتى يخيل إليه أن ظل كل طفل منهم يثقل وحده عربة والثاني: يشعر بأن الريح الخبيثة أشد من ريح القمامة إذ أصبحت في الزمن نفسه حينما قرن بهؤلاء وعربتهم.

أما حوذي العربة فإنه يشكو من هذه المهنة إذ يرى أن كل واحد من هؤلاء إن هو إلا جريمة تثبت امتداد الإثم والشر في الدنيا … ويستطرد الرافعي في المقارنة بين هؤلاء اللقطاء وبين غيرهم من الأطفال  على لسان حوذي العربة وأحد أصدقائه.

وتبلغ المأساة ذروتها حينما أخذت المرأتان المصاحبتان لجماعة اللقطاء تتناجيان بشأنهم.

قالت الكبرى: يا حسرتا على هؤلاء الصغار المساكين، إن حياة الأطفال فيما فوق مادة الحياة أي سرورهم وأفراحهم، وحياة هؤلاء البائسين هو دون مادة الحياة أي في وجودهم فقط، وكبر الأطفال يكون منه إدخالهم في نظام الدنيا، وكبر هؤلاء إخراجهم إلى الملجإ، وهو كل النظام في دنياهم، ليس بعده إلا التشريد والفقر وابتداء القصة المخزية.

قالت الصغرى: ولم لا يفرحون كأولاد الناس؟ أليست الطبيعة لهم جميعا، وهل تجمع الشمس أشعتها على هؤلاء لتضاعفها لأولئك..

– هؤلاء اللقطاء في حياة عامة قد نزعت منها الأم والأب والدار ..

– هم أطفال غير أنهم طردوا من حقوق الطفولة، كما طردوا من حقوق الأهل، وحسبك شقاء الطفل الذي لم يعرف من حنان أمه إلا أنها لم تقتله، ولا من شفقتها إلا أنها طرحته في الطريق.

– ألا لعنة الله والملائكة والناس أجمعين على أولئك الرجال الأنذال الطغام الذين أولدوا النساء هؤلاء المنبوذين .. عجبا إن سيئات اللصوص والقتلة كله تيبس وتتلاشى، ولكن سيئات العشاق تعيش وتكبر”.

ولم يتوقف الرافعي عند عملية استنطاق هاتين المرأتين، والمرأة بحكم تكوينها قادرة على التعبير عن هذا الموقف بعاطفتها الجياشة تعبيرا مؤثرا، لكن الرافعي يقدم مؤثرا آخرا يبسط من خلاله القضية وتمثل ذلك بالتقاط صورة لطفل صغير بمعية أمه يلعب ويمرح، وطفل لقيط ليجري بينهما الحوار الآتي:

“فنظر الطفل إلى اللقيط وأومأ إلى جماعته ثم قال له: أأنتم جميعا أولاد هاتين المرأتين أم أحدهما.

– هما المراقبتان، وأنت أفليست هذه معك مراقبة؟

– وما معنى مراقبة! هذه ماما!!

– فما معنى ماما؟ هذه مراقبة!!

– كلكم من دار واحدة.

– نحن في الملجأ ومتى كبرنا أخذونا إلى دورنا.

وانقطع الحوار بصوت من المراقبة:

تعال يا رقم عشرة .. فلوى اللقيط المسكين وجهه وانصاع وأدبر”.

ويختم المشهد “ومشى الأطفال بوجوه يتيمة يقرأ من يقرأ فيها أنها مستسلمة مسكينة معترفة أن لا حول لها في شيء من هذا العالم إلا هذا الإحسان البخس القليل.

ونلحظ أن الرافعي يقلب الموضوع من جوانبه كافة، يستقصي الظاهر ويرصد تجلياتها وأسبابها منوعا في عرضها، مستثمرا كل التقنيات التي تسهم في جلاء الموضوع، فتارة يصف وأخرى يحاور وثالثة يتوسل بشخصية أو بشخصيات ورابعة يستنطق الحيوان.

ولا ينسى أن يشير إلى تعاليم الإسلام وآدابه التي تضمن سلامة المجتمع وتحقق طهارته، “لأيهما يجب التمحيص للصاعقة أم للمكان الذي يخشى أن تنقض عليه، لقد أجابت الشريعة الإسلامية: حصنوا المكان ولكن المدنية أجابت حصنوا الصاعقة(24).

أبناء الذواتلم تغب عن قلم الرافعي تلك الشريحة من الأطفال الذين لا ينعمون بطفولتهم ولا يمارسون حياتهم الطبيعية نتيجة نمط الحياة الذي تفرضه ظروف آبائهم، وقد عالج الرافعي هذه الظاهرة الاجتماعية … ظاهرة أبناء الذوات أو الأغنياء من خلال قصة الطفل “عصمت”؛ إذ كان طفلا مترفا يكاد ينعصر لينا وتراه يرف رفيفا مما نشأ في ظلال العز، بيد أنه تمرد على هذه القيود حين انساق وراء خياله، وهرب على وجهه من تلك الصورة التي يمشي فيها الجندي وراء ابن المدير.

ولاشك في أن تمرد عصمت وهو ابن المدير على وضعه الاجتماعي يعد بحثا عن طفولته الغائبة، الطفولة التي طوتها طقوس الإدارة وكبلتها مواصفات علو المنزلة إذ أصبحت مكانة الشخصيات فوق المعاني..

إن هناك طفولتين: الطفولة المزيفة التي يحياها عصمت، والطفولة الحقيقية التي ينبغي أن يعيشها كما يعيش الأطفال الآخرون، وكان قرار عصمت استجابة لنداء الفطرة وانسياقا وراء انسجام الأشياء، وقد أخذت نفسه تهتز وترف بإحساسها، كالورقة الخضراء عليها طل الندى، وأخذ قلبه يتفتح في شعاع الكلام كالزهرة في الشمس، وسكر بما يسكر الأطفال حين تقدم لهم الطبيعة مكان اللهو معدا مهيئا(25)، ودبت روح الأرض دبيبها في عصمت، وأوحت إلى قلبه بأسرارها فأدرك من شعوره أن هؤلاء الأغمار الأغبياء من أولاد الفقراء والمساكين هم السعداء بطفولتهم، وأنه وأمثاله هم الفقراء والمساكين في الطفولة، وأن ذلك الجندي الذي يمشي وراءه لتعظيمه إنما هو سجن.

ويرى الرافعي أن أبناء المسؤولين والأغنياء أعجز عن التعامل مع نظرائهم من الأطفال، إذ إن عصمت لم يستسغ أن يكون مهزوما في اللعب مما حدا بهم أن يمرغوه في التراب، لولا أن أحدهم جاء وفرقهم، طفل في العاشرة تبين عصمت منه القوة والمتانة معللا ذلك لما سأله عصمت من أين لك هذه القوة؟ فأجاب إني أعمل بيدي..!

أنت طفل المدرسة كأنك طفل من ورق، وكراسات من لحم، وكأن عظامك من طباشير، لا تبك يا ابن المدير، تعلم أن تكون جلدا…

وكما انتصر الرافعي للطفولة المضطهدة بتمرد عصمت انتصر للطفولة الفقيرة قائلا: أنتم الفقراء حسبكم البطولة، فليس غنى بطل الحرب بالمال والنعيم ولكن بالجراح والمشقات في جسمه وتاريخه(26).

خاتمةمن خلال هذه الطيافة العجلى تبين كيف استأثر موضوع الطفولة باهتمام الرافعي فكان هاجسا ملازما يحفز قلمه للكتابة عن الطفل، وأهمية تربيته، موجها عدسته لالتقاط صورها من عالم الطفولة، مجسدا آلامها ومصورا عذاباتها ومدى الانحراف الذي حاق بعالم الطفولة عن مساره الطبيعي، فقدم مشاهده لمآسي الطفل اليتيم، والطفل الفقير، واللقطاء، وأغنياء من أبناء الذوات.

ويستخدم في ذلك: القصة مستعملا إياها من التراث، أو صائغا إياها من مفردات الواقع، يتوسل بالوصف، ويوظف الحوار ويرسم المشهد، وهو في كل ذلك يكتب بخيال مجنح ومفردات بيانية فيه من الطراوة ما لا يقدر عليه غيره.

———————-

(1) مجلة الأدب الإسلامي، ناول عبد الهادي، مج10، ع40، ص104.

(2) وحي القلم (المقدمة)، محمد سعيد العريان، ص12.

(3) وحي القلم 1/32-33.

(4) نفسه، ج1، 41.

(5) نفسه، ج1، 29.

(6) نفسه، ج1، 30.

(7) نفسه، ج1، 32.

(8) سورة الفرقان، آية 74.

(9) وحي القلم، ج2، 156.

(10) نفسه، ج2، 158.

(11) نفسه، ج2، 160-161.

(12) نفسه، ج2، 157.

(13) نفسه، ج1، 235.

(14) نفسه، ج1، 1990.

(15) نفسه، ج1، 81-82.

(16) نفسه، ج1، 77.

(17) نفسه، ج1، 82.

(18) نفسه، ج1، 84.

(19) نفسه، ج2، 154.

(20) نفسه، ج2، 155.

(21) نفسه، ج2، 157.

(22) السابق نفسه.

(23) نفسه، ج1، 306.

(24) نفسه، ج1، 311.

(25) نفسه، ج1، 72.

(26) نفسه، ج1، 77.