يعتبر الفن هو اللغة الأكثر عالمية والأوسع انتشارا بين مختلف طبقات الناس. يتذوقه الغني والفقير، الأبيض والأسود، القوي والضعيف، والكبير والصغير.

ثم ينتقل التذوق إلى تعبير إما عن طريق الممارسة، أو عن طريق وضع سلم تفاضلي بين الأنواع الفنية وبين ممثليها. وكان الفن عند القدماء مرآة المجتمعات، عن طريقه يعبرون عن حضاراتهم، ويبرزون نزواتهم واهتماماتهم، وبواسطته ينشرون أفكارهم وعقائدهم لعلمهم بمدى تأثيره في العامة والخاصة، وسهولة وصوله إلى جميع الأفهام والعقول. ولقد كان الشعر والنحت والغناء من أهم الفنون التي مارسها العرب منذ القديم، فكان الشعر ديوان العرب ومفخرتهم، وكان الغناء أنيس أسفارهم في شكل حداء وغيره، أما النحت فكان أداتهم لتعظيم معبوداتهم وإنشاء هياكلها ومجسماتها. وجاء الإسلام ليهذب هذه الملكات ويقر حسنها ويمحو سيئها.

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم إسوة حسنة، لقد تناولت العديد من الكتب والمؤلفات السيرة العطرة لحبيب الله محمد عليه الصلاة والسلام، وتناولت أقواله وأفعاله وإقراراته بنوع فقهي خالص، ونحن سننظر إلى مشاهد من السيرة العطرة، ونستمع إلى أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يصحح الذوق الفني ويقر الجمال حيثما كان ما لم يقترن بحرام. يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن الله جميل يحب الجمال”. هذا إخبار من الحبيب المصطفى عن جمال الله تعالى، والله سبحانه وتعالى هو خالق الجمال في هذا الكون، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في رحلتي الإسراء والمعراج تذوق هذا الجمال الأخاذ، انطلاقا من رحلته الأرضية حيث طار على ظهر البراق ورأى من آيات ربه، من صحاري واسعة، وجبال شامخة، وبحار رقراقة ورأى جمال تصميماتها وتوزيعها. ثم عرج في السماوات وهو يرى الكواكب والنجوم والمجرات، منها الكبير والصغير، منها الأحمر والأسود، ثم انتقل إلى السماوات العلا ليصادف الملائكة في صورهم النورانية إلى أن وصل إلى سدرة المنتهى فالجمال كله، والبهاء كله، والنور كله، حيث لقي خالق الجمال، الله ذو الجلال، وما أعظم اللقاء وما أحلاه وما أروعه. فإحساس الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الجمال الذي ليس له مثيل أراد أن يشرك أمته فيه، ثم يخبرنا خبرا يحمل بشرى ووعيدا في نفس الوقت، حيث أخبرنا أن الله يحب الجمال، هذا الخبر بشرى لمن يجملون حالهم وأحوالهم وأفعالهم، ووعيد برفض الله لمن يتهاونون في تجميل ذواتهم وأحوالهم وأفعالهم، نجمل ذواتنا بالحلال الطيب من لباس ومطعم، ونجمل بيوتنا بالأثاث الجميل بحيث ترتاح العين إذا نظرت إلى ذلك، ونجمل الأفعال بحسن مراقبتها وتطهيرها الدائم والمستمر من الشوائب. ثم ننتقل إلى حادثة الأذان، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابي الذي رأى رؤيا الأذان أن يعلمه سيدَنا بلالا: “فإنه أندى صوتا”. ولنتأمل هذه الملاحظة النبوية: “أندى صوتا”. أندى على وزن أفعل وهي صيغة تفاضل، فكان يمكن أن يقول الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن ويؤكد التفاضل، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل لفظة أندى، وأصل الكلمة هو الندى وهو ذلك المطر الرقيق الذي إذا سقط اهتزت له الأرض وربت، وفرحت به الزهور والأشجار والأطيار، يسقي دون أن يهلك أو يضر. من هنا اشتق العرب لفظ الصوت الندي للدلالة على الأصوات المتميزة ذات النبرة الرخيمة التي تؤنس ولا تزعج، حتى إذا أذن بلال كان الأذان جميلا أخاذا يسلب الألباب، فكانت تلبية النداء أسرع وأقوى، لحلاوة صوت بلال وجمال أدائه. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عمق معرفة الرسول صلى الله عليه وسلم لخبايا النفوس والوسائل الفعالة في التأثير عليها.

وما كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو المبعوث رحمة للعالمين أن يضيق على نفس إن لهت ولعبت وغنت، ما كان الغناء أو اللهو أو اللعب لا يؤدي إلى مفسدة أو إضاعة للصلاة أو حض على حرام، وهذه سيدتنا أم المؤمنين عائشة تروي لنا هذه الحادثة، قالت: “أنه كان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدف والحراب فلما سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: (تشتهين تنظرين؟) فقلت: نعم، فأقامني وراءه وخدي على خده ويقول: (دونكم يا بني أرفده) حتى إذا مللت، قال: (حسبك؟) فقلت: نعم، قال: (اذهبي)”. فلم ينه رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين السود أن يفرحوا بالعيد في مسجده الشريف ليس بالصلاة والذكر، وإنما لعبا ورياضة، وكذلك لم يمنع سيدتنا عائشة من النظر إليهم، بل أعد لها -عليه الصلاة والسلام- أحسن مكان يمكن أن يخطر على بالها، وهو في صحبته عليه الصلاة والسلام. وفي لمحة أخرى من لمحات هذا الرسول العظيم، ومع سيدتنا عائشة رضي الله عنها وفي يوم عيد وفي بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى هذه الواقعة، قالت سيدتنا عائشة: دخل علي أبو بكر، وعندي جاريتان من جواري الأنصار، تغنيان بما تقاولت به الأنصار في يوم بعاث، قالت وليستا بمغنيتين، قال أبو بكر: أبمزمور الشيطان في بيت النبي صلى الله عليه وسلم؟! وذلك في عيد الفطر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “يا أبا بكر إن لكل قوم عيدا وهذا عيدنا”. وما كان الرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقر أحدا على شيء لا يرضاه الله عز وجل كائنا من كان، وهو الذي ما لان ولا ضعف وهو يكابد كيد قريش، وما إقراره صلى الله عليه وسلم للجاريتين على غنائهما إلا لأنهما لم تخالفا الفطرة السليمة في الاحتفال بعيد المسلمين رحمة وتوسعة على النفوس، بل الرسول صلى الله عليه وسلم يذهب أبعد من ذلك، إذ يعلم الناس كيف يقيمون أفراحهم. فعن ابن عباس رضي الله عنه قال: “أنكحت عائشة ذات قرابة لها من الأنصار، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أهديتم الفتاة؟) قالوا: نعم. قال: (أرسلتم معها من يغني؟) قالت: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الأنصار فيهم غزل)” -وفي رواية: “إن الأنصار يعجبهم اللهو”“فلو بعثتم معها من يقول: (أتيناكم أتيناكم، فحيانا وحياكم)”.

ومثل ذلك ما يرويه سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه حيث قال: “مر النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه ببني زريق فسمعوا غناء ولعبا، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما هذا؟)، قالوا: نكاح فلان يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم: (كمل دينه، هذا النكاح لا السفاح ولا نكاح السر حتى يسمع دف أو يرى دخان)”. فهذا شاهد آخر على حض رسول الله صلى الله عليه وسلم على جعل أيام الأفراح والأعياد تختلف عن سائر الأيام وإقراره فيها لسائر اللهو المباح.

كما أنه عليه الصلاة والسلام كان ذواقا للكلمة الجميلة بالأداء الجميل، يروي أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم مر ببعض المدينة، فإذا هو بجوار يضربن بدفوفهن ويتغنين ويقلن:

نحن جوار من بني النجار ** يا حبذا محمد من جار

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “يعلم الله إني لأحبكن”. فيا سعادة من مدح الحبيب محمدا فظفر منه بشهادة الله على محبته له.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الأشعار الجميلة والكلمات التي ترفع من شأن الإنسان أو تدافع عن الإسلام، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر حسان بن ثابت أن يصعد على منبره الشريف ليرد شعرا على شعر قريش الذي كانوا يؤذون به المسلمين، وكان يقر الصحابة الذين يرتجزون الأشعار في الغزوات، ويقول معهم عليه الصلاة والسلام. ولنتأمل في هذه اللمحات المتفرقة، ولنسمُ بأرواحنا وفنوننا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان الصحابة -والرسول معهم- يبنون المسجد النبوي وهم يغنون: “اللهم إن العيش عيش الآخرة… فارحم الأنصار والمهاجرة”. (البخاري). ذكر البخاري في باب الأدب أن جنديا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينما النبي يمشي فعثر فدميت أصبعه فقال صلى الله عليه وسلم: “ما أنت إلا أصبع دميت، ففي سبيل الله ما لقيت”. وفي سيرة ابن هشام أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال يوم حنين يثبت أصحابه: “أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب”. وذكر البخاري عن البراء قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبار جلدة بطنه، وكان كثير الشَّعْر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة يقول:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ** ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزل السكينة علينا ** وثبت الأقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا ** وإن أرادوا فتنة أبينا
قال: ثم يمد صوته بآخرها. وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يسمع القرآن من غيره وقد قال في بعض الصحابة الذين عرفوا بجمال الصوت وحسن التلاوة: في عبد الله بن مسعود قال صلى الله عليه وسلم: “من سره أن يقرأ القرآن كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد” 1 . وقال صلى الله عليه وسلم مخاطبا أبا موسى الأشعري رضي الله عنه: “يا أبا موسى، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود” 2 . فمن هذا كله نرى كيف كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحث ويقر الأمر الجميل، لكنه في المقابل كان ينهى عن القبيح وعما يؤدي إلى حرام أو استسهال للوقوع في حدود الله، ومن ذلك ما رواه ابن ماجه عن الربيع بنت معوذ، قالت: “دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندي جاريتان تتغنيان وتندبان آبائي الذين قتلوا يوم بدر وتقولان، فيما تقولان، وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال: أما هذا فلا تقولوه، ما يعلم ما في غد إلا الله”. فلا علم للغيب إلا لله، أما ما بقي من كلام فلم يعلق عليه الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام. وفي موقف آخر ينهى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عن مجالس السوء ويتوعدها بالعذاب، ففيما رواه البيهقي وأبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ليشربن أناس الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير”. وهذا من تعليمه عليه الصلاة والسلام لنا، حيث أن الفطرة الفنية السليمة لا تتفق مع مظاهر الفساد وسلوكياته، فلا معنى إذ ذاك لتحليلها أو تعليلها، فلا فن مع مُحَرَّم، ولا جواز ولا إقرار لما خالف الشرع الحكيم وأتى بضده، وهذه من الأمور التي يجب أن نتعلمها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن نجعلها دَيْدَنَ حياتنا، ومحور سلوكياتنا، ومنبع إبداعنا، ومنهج تفكيرنا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا حسن التأسي بالرسول المعصوم، وأن يجعل حركاتنا وسكناتنا في رضاه ورضى رسوله، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.


[1] رواه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.\
[2] رواه البخاري.\