لا يشك الباحث الحصيف ولا حتي المواطن العادي أن ثمة هجوما كبيرا على أمتنا بات يتعاظم منذ أمد ليس بالقصير، كما لا يشك في تزايد هذا الأمر الخبيث في قابل الأيام.

لا يشك الباحث في كون الحكام قد أخذوا القسط الوافر من العجز والذلة والصغار أمام منتديات الكبار، وخاصة المارد الأمريكي الذي ظل يعبث بهم كما يشاء، ثم رمي ببعضهم بعد حين. لا يشك ولا نشك جميعا في كون المواطن العربي صار لعبة بين يدي العولمة اللبيرالية المتوحشة وسائر أدواتها المقيتة. وأعظم تلك الأدوات الحكام الذين أبوا أن يشتروا الرجولة حتي من الأسواق الممتازة الأمريكية.

لكن الأمر الذي يزيدنا حيرة هو فشل النخب العربية في أن تجد طريقا معبدا نحو التحرر من كوابيس الاستبداد الداخلي والهيمنة الخارجية مستقبلا. أهذا الفشل مؤقت أم نهائي؟ أيمكن استئناف المبادرة من جديد؟

الأكيد أن ثمة أملا ما يزال يراودنا منذ أمد في تحقيق هذه الانطلاقة التاريخية، ويزداد ذلك الأمل كلما قلبنا أنظارنا في المواقع المختلفة من عالمنا العربي الكبير.. يزداد كلما أمعنا النظر في المشهد اللبناني والمصري، ويتباعد كلما اقتربنا من التفاصيل العراقية المحزنة.

لنبدأ من الحزن والإحباط ونتجه إلي الأمل.

في العراق الجريح لا نتألم فقط من الغطرسة الأمريكية، لأننا ببساطة ألفناها ولم تعد تشكل استثناء في العالم الحديث. لا نتألم من مشاهد الدمار الذي قد تحدثه آلتها العسكرية المتوحشة، لأننا ببساطة أدركنا أن الروح التي تسكن الجسد الديمقراطي جدا إنما هي الروح الهمجية جدا. لا نتألم من التفجيرات التي قد تنفذها الجماعات المسلحة الفاقدة للبوصلة، وربما تحت وصاية وتوجيه أمريكيين، لأننا ببساطة لا نعرف عن الغبي والمستأجر سوي التيه.. لا نتألم حقيقة سوي من النسف الداخلي الذي تمارسه تلك النخب المنخرطة في العملية السياسية الأمريكية، والتي باتت تنطق منذ مدة بضرورة الحفاظ علي سيادة العراق، ووحدة العراق، وأمن العراق، وهوية العراق.. وهنا وجه الغرابة بالتحديد؛ فالنخب التي جاء بعضها علي ظهر دبابات الاحتلال، أصبحت تعبث بهوية العراق وعمق العراق العربي صباحا ومساء. إنه عبث طائفي بغيض تلعنه شرائع السماء ومواثيق الأرض، عبث لا يزيد التبجح بالحفاظ علي وحدة البلاد سوي امتهان وسخرية أمام الملايين من الشعوب العربية والإسلامية..

استراتيجية النسف الداخلي هي السبيل الذي أصبح يسم المنخرطين في العملية السياسية الأمريكية، وهي المنهج الذي صار كل العقلاء ينكرونه بصراحة ووضوح. استراتيجية النسف الداخلي هي اللغة الوحيدة التي تنطق بها قرارات حكومة المنطقة الخضراء، الآمنة في مقرها، المروعة لشعبها بل طوائفها.

إن الإصرار على إعدام الرئيس السابق، تحت سقف عدالة الاحتلال، فجر عيد الأضحي المبارك، دليل واضح علي هذه الإستراتيجية الواضحة.

إن تهميش القوي الحقيقية داخل الشعب العراقي، الباحثة عن تحرر فعلي، لهو الدليل الآخر علي الرغبة الصريحة في تمزيق العراق، وإلحاقه عاجلا أم آجلا بالمركز الأمريكي الصهيوني، أو المركز الإيراني بشكل من الأشكال. وسنكون سعداء لو انتمت النخبة الطائفية إلي محور الممانعة الذي تمثله إيران وسورية في المنطقة.

لكن الأمل الذي يدفعنا إلي التشبث بالبناء الوحدوي هو ما نراه في لبنان المعارضة ومصر الكفاية؛ نرى إصرارا أكيدا من تلك النخب العربية، القومية والإسلامية معا، علي إلحاق الهزيمة بالمشروع الأمريكي الصهيوني في بنوده المختلفة، الظاهرة والباطنة. نرى انشغالا دائما بتقوية الإرادة العربية في وجه استراتيجيات التدمير والنسف التي تمثلها أيضا الأنظمة الراكعة الساجدة في كل وقت وحين. نرى إصرارا علي تقويض خطوات محور الاعتدال، أو على الأصح محور الاعتزال المصري السعودي الأردني المغربي…

إن أمتنا بخير ما تمسكت النخب بشرفها وهويتها وعمقها الديني، وإن أمتنا بخير ما استطاعت إلى إحباط المشروع الأمريكي ومحور الاعتزال في المنطقة.