بتنظيم مشترك بين جامعة قطر وجامع الأزهر الشريف والمجمع العلمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، انعقد أيام3، 4 و5 محرم الحرام 1428 ه الموافق ل 20، 21 و22 يناير 2007 م بالدوحة مؤتمر للتقريب بين المذاهب الإسلامية، حضره أكثر من 200 عالما ومفكرا من 44 دولة يمثلون السنة والشيعة والزيدية والإباضية.

ومن أهم التوصيات الصادرة عن المؤتمر المجملة في “بيان الدوحة”:

* التأكيد على حرمة دم المسلم وماله وعرضه.

* الرفض القاطع لكل تطاول على آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم جميعا وأمهات المؤمنين.

* عدم السماح بالتبشير للتشيع في بلاد السنة أو التسنن في بلاد الشيعة.

* استمرار جهود التقارب والتفاهم بين مختلف المذاهب والفرق الإسلامية.

وتبقى أهم سياقات انعقاد هذا المؤتمر، الصراع الطائفي الدموي الممتد من أفغانستان إلى لبنان مرورا بباكستان والعراق، كما أن أمريكا ودولة يهود بأرض فلسطين السليبة هما أكبر المستفيدين من هذا الصراع الذي يعيشه المسلمون.

ترى ما هي الجذور العميقة للصراع الطائفي عند المسلمين؟ وما هي السبيل لإخراج الأمة من حالة الاحتراب الداخلي لأفق الوحدة والتآلف والمنعة؟ وهل سيؤشر مؤتمر الدوحة لتراجع في وتيرة الاقتتال الطائفي أم سيكون مصيره كاللقاء المنعقد مؤخرا بمكة المكرمة برعاية الملك السعودي؟

هلاك الأمة…على يدي الغلمة !!!

لا يمكننا فهم التطاحن الطائفي المذهبي دون الوقوف على أصل الداء الوارد في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد و البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، إذ يخبرنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بأصل العلل ومبادئها فيقول: “هلاك أمتي على يدي غلمة من قريش”.

استيلاء بني أمية على الحكم و تسلطهم على رقاب المسلمين بدون شورى ولا اختيار حر أسس لقطيعة مع عصر الخلافة الراشدة بقوة السيف المسلط على رقاب كبار الصحابة، رضوان الله عليهم، في مجالس البيعة المغشوشة المزورة.

نموذج الغلمة في تاريخ الأمة، يزيد الذي يمتد فجوره من قصف الكعبة المشرفة بالمنجنيق إلى استباحة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام والاعتداء على عرض الطاهرات، بنات الصحابة الكرام رضي الله عن الجميع، إلى ما لا يعلمه إلا الله تعالى. مخازي ملك بني أمية العاض أدمت القلوب و أسست لما نعيشه اليوم من احتقان طائفي وتوتر دموي يسعى العقلاء من العلماء الغيورين إلى تجاوزه.

مقابل الغلمة نجد القائمين من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الأطهار الذين وقفوا في وجه طغاة بني أمية، خلفهم “فرق من الأمة، ونقض من أنقاضها، التف على لوعة ضياع الإمامة باغتيال سيدنا علي كرم الله وجهه، ودفن في سويدائه كمد مقتل سيدنا الحسين، واحتمى في أحضان آل البيت، وتغذت روحانيته بمحبتهم والولاء اللانهائي لهم. وشربت نفسه كراهية الظلم من حوض المناجاة في عاشوراء، والتعزيات الدائمة في حسين، السلام على حسن وحسين وعلى جدهم وآل بيت النبي الأمين” (1)

وما نشاهده اليوم من فرق الموت، تقتل على الهوية بالعراق الجريح تجل من تجليات القوة الغضبية المكبوتة قرونا والمتفجرة في غير مواقعها الشرعية، يقابلها مجموعات من “التكفيريين” لا يرون في الشيعة إلا متعاونين مع الإحتلال الأمريكي، دمهم حلال.

” سايس بيكو 2″ منقحة أمريكيا.

لئن كانت عوامل الضعف داخليا قد فعلت فعلها وأسست للتناحر الطائفي الذي يرجى تجاوزه بفعل جهود الخيرين والغيورين من أمة رسول الله صلى الله عليه و سلم، فإن دسائس الأعداء لا يجب أن يسقط من قراءتنا وتحليلنا للأحداث.

فمنذ بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم والدسائس تحاك من يهود ونار فتنهم تتلظى، يقول الحق سبحانه و تعالى: “كلما أوقدوا نارا للحرب أطفئها الله، ويسعون في الأرض فسادا” صدق الله العظيم.

و لئن كانت معاهدة “سايس بيكو 1 ” قسمت تركة “الرجل المريض” بتعبير المنتصرين في الحرب العالمية الأولى، لدويلات ممزقة متنازعة متصارعة لا تملك مقومات النهوض والتقدم والقوة، فإن أمريكا شرعت منذ مدة لتنزيل “سايس بيكو 2” من دون تسميته لتقسيم المقسم وتجزيء المجزئ، وسيلتها الفعالة لتحقيق ذلك: إثارة الصراعات الطائفية والمذهبية، عملا بالشعار الاستعماري القديم/الجديد: فرق تسد.

” أمتــــــي أمــــــــة مبــــــــــاركة”

ما هي السبيل إذن لتوحيد المسلمين؟ سؤال ينتصب بقوة أمام المكائد و المؤامرات المحاكة ضد المسلمين.

جوابه: هذه مهمة العلماء العاملين، يأخذونها دواء من صيدلية النبوة لأمراض الغثائية والأشر والبطر والوهن الذي عرفه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بحب الدنيا وكراهية الموت.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “في تشخيص الأمراض الغثائية المهلكة ينبغي أن نحفر عليها وننقب بمسبار الكتاب والسنة ليكون التشخيص أوثق، وليكون العلاج طبا نبويا قرآنيا لا يملس على العاهة بل يستأصلها بإذن الله تعالى” (2) .

وإذن توحيد الأمة يبدأ بالغوص في أعماق النفس لتشخيص أمراضها ومعالجتها، ولا يكون العلاج إلا بالتربية حتى يصبح المسلم عبدا لله تعالى حقا بعد أن كان عبدا لنفسه ومذهبه وطائفته.

وأول دروس العبودية لله تعالى: كف الأذى عن المسلمين. أحرى بنا أن نتأدب ونعظم ونوقر آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الأطهار وأصحابه الأبرار.

بهذا يحق لنا الانتساب لأمة رسول الله صلى الله عليه و سلم المباركة الواردة في الحديث المروي عن ابن عساكر عن عثمان بن عفان مرسلا، الذي يقول فيه الحبيب المصطفي عليه السلام: “أمتي أمة مباركة، لا يدرى أولها خير أو آخرها”.

اللهم اهدنا سبل الإجتماع و الإنجماع عليك…آمين.

(1) كتاب ” العدل- الإسلاميون و الحكم ” الصفحة45 -46 للأستاذ عبد السلام ياسين.

(2) كتاب ” العدل- الإسلاميون و الحكم ” الصفحة 56 للأستاذ عبد السلام ياسين.