كم هو جميل أن نرى على أبواب دور الشباب، وعلى جدران الشوارع، ملصقات ويافطات كتب عليها بالبنط العريض “الشباب والمشاركة السياسية “، والمناسبة أن كتابة الدولة المكلفة بالشباب، استفاقت مع فاتح شهر دجنبر وفي مخيلتها شيء اسمه الشباب، تسعى جاهدة إلى تأطيره ليقتنع بالمشاركة السياسية وهي في نظر دولتنا الديمقراطية؛ أن يتوجه الشباب بكثافة يوم التصويت إلى المكاتب الانتخابية ويدلي بصوته، لا برأيه في القضايا المطروحة وبذلك تنتهي العملية إلى موسم أخر.

وتفعيلا لمذكرات الوزارة الوصية، طفقت الأحزاب السياسية إلى تنظيم محاضرات وندوات وعروض حول الموضوع، أقل ما يقال عنها أنها تثير الشفقة، وإلا كيف يعقل أن ينظم حزب سياسي له داخل البرلمان عشرات الممثلين، محاضرة الغائب الأول عنها هم الشباب، والحاضرين فيها القلة القليلة.

جميل كل ذلك لكن أين كانت دولتنا الموقرة طيلة سنوات الجفاف السياسي، وهي تعلم أن خيرة شبابنا من طاقات وكفاءات، هم ضحية سياستها الفاشلة، والويل لمن طالب بحقه في الشغل والمسكن والزواج والتطبيب؟؟

أين دولتنا السياسية أمام الهجرة الجماعية لآلاف الشباب عبر قوارب الموت، ماذا فعلت لهم وأي سياسة نهجت، وهل أصلا في ذلك فكرت؟؟ أي موقع يحتله الشباب في مشروع الدولة أم أن الدولة لا مشروع لها أصلا، إلا انتفاع المنتفعين الذين يزدادون غنا فاحشا ليبقى الشباب يتسكع في شوارع البطالة والفقر وبالتالي اليأس والبؤس، فكيف لا يعزف عن العمل السياسي.؟؟؟

ما قيمة الشباب عند الأحزاب السياسية المنخورة بالشيخوخة والمدكوكة بالعقليات الإقصائية؟؟ أسئلة كثيرة تتناسل في عقل الشباب تحمل في طياتها أكثر من جواب.

وبعيدا عن الرؤية الاستهلاكية للموضوع، أي مشاركة سياسية نريد للشباب؟

الحملة الانتخابية للدولةما كان لكتابة الدولة، ولمسؤوليها المنشغلين بالتخطيط للمستقبل ولهموم الشاب ومشاكله، أن يفكروا في الموضوع، لولا الانتخابات التي أقترب موعدها، والدولة بأجهزتها المختلفة، وحسب تقاريرها المتعددة المصادر التي تجمعها كل دقيقة، بعيون وأسماع المقدمين والشيوخ والقياد والباشوات و……. هي أول من يعلم أن الشعب المغربي بغالبيته الساحقة فقد الثقة في كل الألوان والتطمينات، ولم تعد مسكنات الماضي والشعارت التعبوية تجدي نفعا، كيف لا وشبابنا يرى المتربعين على الكراسي يستثمرون الأموال الخيالية ويعيشون حياتهم الخاصة في بروجهم العاجية في قطيعة تامة مع الشعب الذي لا يراهم إلا على شاشة التلفزيون مرة في السنة لأنهم لا يحضرون جلسات البرلمان لاقتناعهم بلا جدواه وكونه سركا على حد تعبير الحسن الثاني رحمه الله.

حملة انتخابية سابقة لأوانها تسعى الدولة من خلا لها إلى اختبار نبض الشارع ومدى تجاوب الشباب مع الفعل السياسي المغيب، فهل بهذا الأسلوب الماكر نريد مشاركة سياسية للشباب؟؟

الأحزاب والشبابتقرأ في البرامج السياسية المتشابهة لأحزابنا عن الشباب ودوره في التغيير ومحوريته في بناء المستقبل، وتستهويك منهجيات التحليل والأهداف الكبرى المصوغة لتأهيل الشباب وإشراكه في تدبير الشأن العام للدولة.

لكن حقيقة الأمر، أن أحزابنا السياسية تتعامل مع فئة الشباب بعقلية الوصاية، وهي بذلك تكرس فكرة صراع الأجيال المفضي إلى القطيعة بين جيل الـتأسيس وأخر يشكل القاعدة الجماهيرية الكبيرة وهم الشباب، وفي سياق ذلك فقدت كل الأحزاب السياسية “التاريخية” قواعدها الشبابية، بل انشق كثير منها عنها ليؤسس حزبا، أو إطارا آخر.

وعليه، لم تستطع الأحزاب السياسية أن تستدمج الشباب في هياكلها التنظيمية وأجهزتها التسييرية، كما لم تستطع أن تستوعب الخطاب الحماسي للشباب، محاولة البحث الجاد والمسؤول عن موطن قدم اجتماعي واقتصادي وسياسي لهذه الشريحة المهمشة، وهي التي تشكل الغالبية المطلقة لساكنة المغرب.

الشيء الذي دفع عينة مهمة من الشباب، إلى تأسيس إطارات بديلة كجمعية المعطلين، والمجموعات الوطنية لحاملي الشهادات بحثا عن الخلاص وعملا بالمثل القائل “ما حك جلدك مثل ظفرك”.

ما العمل إذن؟لضمان مشاركة سياسية حقيقية للشباب، بعيدا عن أسلوب الاستهلاك، والضحك على الذقون، لا بد من:

* أولا على مستوى الدولة:

– إقرار قطيعة تاريخية مع عقلية الإقصاء والاستبداد.

– توفر إرادة سياسية حقيقية للاهتمام بالشباب.

– بناء دولة المؤسسات، ومنها مؤسسة الشباب: تربية وتكوينا وتعليما وتشغيلا واستقرارا اجتماعيا.

-الإشراك الفعلي للشباب، في القرار والفعل السياسي.

* ثانيا عل مستوى المجتمع المدني:

أقصد بالمجتمع المدني كل التنظيمات الفاعلة في المجتمع، من أحزاب سياسية ونقابات وجمعيات وتعاونيات، وكذلك الحركة الإسلامية المقصي الأول من العمل السياسي في البلد، على هذا المستوى لا بد من:

– رؤية شمولية لقضية الشباب (المشروع المجتمعي).

– تحرير مجال حركة الشباب، وإقرار الديمقراطية الداخلية داخل التنظيمات.

– الاهتمام بالقطاعات الشبابية، دعما وتكوينا.

– لا بد للتنظيمات الشبابية من تشكيل جبهة قوية للنقاش والعمل المشترك في المجالات الواسعة ونقط التماس المتقاربة كحقل الجامعة المغربية “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب نموذجا” لما يفرضه الواقع المشترك من أهداف حركية موحدة.

تبقى هذه أفكار لا تزعم لنفسها الكمال، بل لا بد من فتح نقاش موسع مع الشباب لمعرفة مشاكله وهمومه وحينها تظهر اقتراحات عملية أخرى أكثر عمقا، وعيا منا بأن الشباب المغربي له من المؤهلات الفكرية والعلمية والتقنية ما يجعله قادرا على مجابهة التحديات الكبرى، التي تتطلب إرادة سياسية قوية، نسأل الله تعالى أن يهيئ ظروفها وزمنها أمين والحمد لله رب العالمين.