ليس الحديث في هذه الهمسات عن صحبة تجمع بين شيخ مرب عارف بالله ومريدين يترقون على يده في معارج الإيمان والإحسان، فهذا موضوع لا قبل لنا به والزاد فيه قليل، إنما المقصود هو تلك الصحبة التي تجمع بيننا كإخوة وأحباب وما يعتريها أو يعرض لها من مشاكل تعكر صفو الضوابط والروابط وتغير القلوب والسلوك، وربما تؤدي إلى تحاملات وأحقاد  نعوذ بالله- أو إلى صدمات تصيب المرء حين يصدر عن أخيه ما لم يكن في حسبانه من أقوال وأفعال تجعله مبهوتا ومصدوما وغالبا ما تنقلب صدمته إلى تعميم ما لاقاه على الكل فيجعل البيض كله في سلة واحدة كما يقال.

ولعلنا إذا أمعنا النظر نجد مرد الأمر أن المصدوم قد كان مثاليا أكثر من اللازم، وقد تعود مثاليته تلك إلى أنه لم يخض تجربة الدعوة حقا أولم يخالط الناس أوأن علمه بالسيرة النبوية وسير الدعاة قليل.

وأحاول في هذه الهمسات الوقوف عند جملة من الملاحظات أستهل الكلام فيها بعاصمة من القواصم لابد لنا من التذكير بها، فكثيرا ما يحملنا الأسف على حال علاقتنا ببعضنا البعض وما يشوبها على اتهام غيرنا وتزكية أنفسنا واجتناب القسط، فنغض الطرف عن المحاسن ونروج لصور قاتمة والأجدى أن ننصح للمؤمنين ونعطيهم القدوة من أنفسنا بعد أن ندعو الله أن يصلح حالنا وحالهم، وليهتم الإنسان قبل هذا وذاك بنفسه وليقْسُ عليها وليكن بغيره رحيما والله من وراء القصد.

ورد في الحديث الصحيح عن مسلم أن مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلَكَهم” وتروى أهلَكُهم وللعلماء في هذا الحديث أقوال، قال الحميدي رحمه الله هو بالرفع أي أشدهم هلاكا وذلك إذا قال ذلك على سبيل احتقار المسلمين وازدرائهم وتفضيلا لنفسه عليهم وأصابه بذلك العجب فأهلك نفسه هلاكا شديدا. وقال الإمام مالك رضي الله عنه: إذا قال ذلك تحزنا  أي حزنا- لما يرى من حال الناس في أمر دينهم أو دنياهم فلا أرى بأسا وأما إذا قاله عجبا بنفسه وتصاغرا للناس فهو مكروه”.

خيران لا خير بعدهما…

سعينا يجمع بين قصد تربوي إحساني خلقي وقصد جهادي تغييري ومن هنا يطرأ التصادم فللجهاد مقتضيات أهمها الصرامة والحزم والانضباط وأخذ الناس بالعزائم ورصد الثغرات ومحاسبة المتهاون والأخذ بيده والضرب عليها، أما التربية كما عرفها غيرنا من أغلب السلف الصالح وهي صحبة سادتنا الصوفية رضي الله عنهم، فكان قصدها خلاصا فرديا ينصب على تغيير ما بالنفس من رعونات وأخلاق سيئة وهي في كل ذلك لا تلقي بالا لمن يرقب أو يراقب ولا تملك مشروعا جهاديا مجتمعيا تحاسب الناس عليه  أي من هم معها- وهي لا تقدم نفسها بديلا ونموذجا للتغيير. أما التربية الجهادية فهي تربية تعطي القدوة في نفسها للناس لذا كان من آكد التوكيدات عليها من باب الأولى أن تحقق ذلك في أبنائها وبناتها خاصة في مرحلة البناء والتأسيس، وتضرب لنا السيرة النبوية العطرة في مرحلة التأسيس بالمدينة المنورة وغيرها دروسا بليغة في الضبط والصرامة نقف فيها على أمثلة أولها قصة الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك ونزل الأمر بمقاطعتهم جزاء تخلفهم عن الجهاد: كعب بن مالك و مرارة بن ربيع و هلال ابن أبي أمية الواقفي.

ولندع أحدهم وهو كعب بن مالك يقص نبأ المحنة:”…غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حيث طابت الثمار والظلال وتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، فطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض شيئًا، فأقول في نفسي: أنا قادر عليه. فلم يزل يتمادى بي حتى اشتد بالناس الجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا؛ فقلت أتجهز بعده بيوم أو يومين ثم ألحقهم، فغدوت بعد أن فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئًا. ثم غدوت، ثم رجعت ولم أقض شيئًا. فلم يزل بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو(فات وقته وتقدم)، وهممت أن أرتحل فأدركهم وليتني فعلت، فلم يقدر لي ذلك، فكنت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم- فطفت فيهم – أحزنني أنني لا أرى إلا رجلاً مغموصًا (محتقرا) عليه النفاق، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء…

فلما بلغني أنه توجه قافلاً حضرني همي، وطفقت أتذكر الكذب وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدًا؟ واستعنت على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، فلما قيل لي إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادمًا زاح عني الباطل وعرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادمًا وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فيركع فيه ركعتين ثم جلس للناس، فلما فعل ذلك جاءه المخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلاً فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم، وبايعهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله، فجئت فلما سلمت، تبسم تبسم المغضب ثم قال: “تعال” فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قلت بلى، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ولقد أُعطيت جدلاً، ولكني والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك علي، ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه إني لأرجو فيه عقبى الله، لا والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك. وثار رجال من بني سلمة ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكذب نفسي.

ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي من أحد؟ قالوا: نعم، رجلان، قالا مثل ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك. قال: قلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العمري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا، فيهما أسوة. فمضيت حين ذكروهما لي. ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه” “… فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي التي أعرف. فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أَشبّ القوم وأجلدهم فكنت أخرج. فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة مع المسلمين فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبًا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا طال ذلك علي من جفوة الناس مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت. فعدت فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط الشام ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول من يدل على كعب بن مالك فطفق الناس يشيرون له حتى جاءني دفع إلي كتابًا من ملك غسان فإذا فيه: أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال لا بل اعتزلها لا تقربنها. وأرسل إلى صاحبي مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك فتكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر… فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء الفرج وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر، وذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجلا فرسًا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني سمعت صوته يبشرني، نزعت ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين، وانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فيتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنئونني بالتوبة”. أوردنا الخبر كاملا لما في القصة من عبر عظمى وحكم جلى، أمر نبوي صارم بمقاطعة اجتماعية عامة واستجابة كاملة حتى من أقرب الناس الأهل و الأزواج. ابتلاء عظيم ومثال عال في الصدق ودرس إلهي نبوي راق في التربية والتوجيه، فرحمته وشفقته صلى الله عليه وسلم وهو يخالس النظر ويبتسم تبسم المغضب، تثبت أن الأصل هو الرحمة واللين والرفق وأن الصرامة والحسم استثناء لا قاعدة، وهو أمر أدركه الصحابة الكرام رضي الله عنهم فلم يعتبروا خطأ الثلاثة خطأ فرديا مخلدا يمحو سبقهم وفضلهم، ويستوجب عزلة دائمة بل عاشوا معهم آلام المحنة وفرحة المنحة، (وذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إلي رجلا فرسًا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني سمعت صوته يبشرني) ركض ومسابقة وسباق لحمل بشارة السماء وتهنئة جماعية، لنعلم أن المخطئ هو أخي قبل الخطأ وبعد الخطأ وخير الخطائين التوابون.

وثانيهما قصة الصحابي حاطب بن أبي بلتعة الذي أرسل كتابا إلى قريش يخبرهم بمقدم المسلمين لقتالهم فعن علي رضي الله عنه يقول: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد بن الأسود، قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة ومعها كتاب فخذوه منها، فانطلقنا تعادي بنا خيلنا، حتى انتهينا إلى الروضة، فإذا نحن بالظعينة، فقلنا: أخرجي الكتاب، فقالت: ما معي من كتاب، فقلنا: لتخرجن الكتاب أو لنلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين من أهل مكة، يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  يا حاطب ما هذا؟ قال:  يا رسول الله لا تعجل علي، إني كنت امرأ ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسها، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة، يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي، وما فعلت كفرا ولا ارتداداً ولا رضا بالكفر بعد الإسلام . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  لقد صدقكم قال عمر:  يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق ، قال:  إنه قد شهد بدرا، وما يدريك لعل الله أن يكون قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم .

هي خيانة عظمى كما رآها سيدنا عمر رضي الله عنه عقوبتها القتل فالأدلة مستوفاة والجرم لا شبهة فيه، لذا طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتله لأنه منافق، لكن المؤيد بالوحي صلى الله عليه وسلم تدخل معلنا أن الرجل ليس من المنافقين، فموقف الملهم المحدث رضي الله عنه مقبول ومبرر بل صحيح بكل المقاييس، أملته ضرورة الحزم وصرامة الجهاد الذي لا يلتمس الأعذار ولو لأقرب الناس إليه، هذه الصرامة والشدة في الحق التي أظهرها الفاروق في هذه الحادثة وغيرها فرضها عليه الواجب والمسؤولية وإلا فهو القائل “من خدعنا بالله انخدعنا له ” مع أنه رضي الله عنه “ليس بالخب ولا الخب يخدعه”. من هنا نستخلص حكمة بالغة هي أن بعض التصرفات قد تأتي من البعض من هذا القبيل أي أن الجهاد والواجب والمسؤولية يفرضها فرضا ومع هذا أقول أن هذا لا ينفي المحبة والرحمة والحكمة وأغلب المواقف تحمل على هذا الجانب إن أحسنا الظن ببعضنا البعض.

وثالثها قصة الرماة في غزوة أحد وهو حديث لشهرته نطويه ولا نرويه، على أن العبرة المستخلصة هي الامتثال والانضباط والطاعة لأمر القيادة قد يقلب الهزيمة نصرا كما يقلب العصيان النصر هزيمة وما النصر إلا من عند الله .

فالمزاوجة والجمع بين مقصد تأليف القلوب وما يتطلبه من ليونة وصبر جميل على الزلات والعثرات وغض الطرف عن بعض الهفوات حتى يشب من يشب ويرتاش من يرتاش ومقصد ثان يتمثل في الجهاد الذي روحه التنظيم والانضباط والجندية والطاعة المطلوبة في كل حين وفي كل أمر والصبر على أذى الإخوة في ذات الله مطلب صعب حزن إلا من سهله الله سبحانه وتعالى عليه وقذف في قلبه صبرا وتواضعا وإخلاصا ومحبة. يقول السيد المرشد حفظه الله (الصحبة في الله محبة في الله وتآخٍ وتراحم يرتفع بها الوافد علينا في درجات حب الله وحب رسول الله. والجماعة تنظيم. لا يمكن أن تجابه قوى الكفر والظلم وأنت شتات ورفات. ويختصم التنظيم وضوابطه ومسؤولياته مع ليونة تأليف القلوب، فلا يثبت في الميدان إلا كل قوي الإيمان، يمنعه من التساقط الثقة بالله، وحسن الظن بعباد الله، والصبر على أذى الإخوة والأعداء في ذات الله. يعترض طريق التحاب في الله حب الرئاسات، وقلة الخبرة والعلم بأساليب الرفق والرحمة، فإذا ببعضهم كان يريد الله زعماً، فلما برقت أمام عينيه بارقة شفوفٍ على الأقران نسي الله فأنساه نفسه. أولـئك هم الفاسقون)

إنما بعثت……..

“الواقعية ” ببساطة هي أن لا نطلب من الناس مالا يطيقون ونحاول أن نجعلهم كما نريد لا كما هم وهذه سنة كونية يجب أن يعيها الدعاة جيدا، فحينما لا نستوعب هذه السنة سنة أن الله تعالى وضع في الناس قابليات مختلفة ومتفاوتة وأن كلا منا ميسر لما خلق له، نصطدم ويصعب علينا التعامل، فمنا من جبله الله على كثرة الضحك ومنا من جبل على الانطواء ومنا من فيه حدة، ومنا من فيه شدة ومنا من فيه عجلة وقلة صبر، هكذا هي الطباع وهكذا هي النفوس، فمنها من تطمح إلى الإحسان ومنها من هي وعاء الإيمان ومنها من تقف على باب الإسلام ومنها من تنزل إلى درك الأعرابية أو النفاق  نسأل الله تعالى السلامة والعافية- هكذا كان الناس على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وهكذا كان حتى كبار الصحابة رضي الله عنهم، فقابلياتهم كانت متفاوتة ومختلفة فكل واحد منهم ورث خصلة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا الإرث وافق قابليات كانت عندهم.فـأرحم الناس بالأمة أبو بكر وأشدهم في الحق عمر….. . فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم أبي بن كعب، ولكل أمة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) رواه الترمذي وغيره. فالدعوة في تعاملها مع أبنائها عليها أن تستثمر القابليات الجيدة وتحاول تجاوز السيء منها فـ”خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام” كما ورد في الحديث إن فقهوا، فالشرط هو الفقه أي العلم وهو عامل من العوامل المؤثرة في الصحبة أيضا، فقلة علمنا في هذا المجال وما يرافقه من جهل بلوازمها من الغض عن الزلات والدعاء والتقرب بالهدية والتكريم والزيارة والمواساة والعيادة، فمشاركة الأخ لأخيه في أفراحه والحزن لحزنه والتألم لمصابه وحفظ سره ونصيحته ومحبة من يحب والتقرب إليهم وطلاقة الوجه عند لقائه، وكل ما ذكر يمكن أن نطلق عليه “هرمونات” الصحبة، لنا به قلة علم ولو رجعنا إلى بعض ما كتبه سلفنا الصالح في آداب المعاشرة والصحبة وحقوق الأخوة لوجدنا العجب وللزمنا الأدب.

كل هذا وكل ما يحدث هو ضرب من ضروب الجهل يفضي إلى ذبول أو تأخر بذور الأخوة في نموها وينوعتها وفي حالات قد تينع ولكن لا تثمر ولا تفوح، إذا أضفنا إلى ذلك أن الزهرة أو البذرة التي تحدثنا عنها قد طال شوقها للماء الصافي فهي مثقلة بجفاف 14 قرنا من العادات الصادَّة والأنانيات والذهنيات.

ومن الواقعية والعلم أن نفهم مسألة الاقتداء بالصحب الكرام رضي الله عنهم ونضعها في إطارها الصحيح. فنحن حين نستشهد بما بلغه مجتمعهم من محبة وأخوة إلى درجة نجعلهم معها ملائكة معصومين يعيشون فردوسا دنيويا -إن كان يراد بهذا الاستشهاد والقول رفع الهمم إلى ما كانوا عليه فهذا جيد ومطلوب وجميل ومرغوب فيه- ولكن لا ينبغي أن يصيبنا بمثالية حالمة هادمة نصطدم بها حين نقرأ كل حياتهم، أو نجعل منها ميزانا نحتكم إليه في تقويم وتقييم سلوكات البعض لأن في هذا ظلم لنا ولمن حولنا، وتجريد لصحابة رسول الله من صفة البشرية، وطمس لحكمة من الحكم التي نزل بها وأٌرادها الوحي ولم يستثن منها حتى الرسل عليهم السلام حيث يقول الله تعالى في سورة الفرقان “وما أرسلنا من قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق”

إن فهم هذه القضية أي أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا بشرا يأكلون ويشربون، يسافرون، يغضبون، يبيعون ويشترون، يخطئون  دون أن ينقص كل ذلك من منزلتهم في قلوبنا، أو إيماننا بأنهم رضي الله عنهم جيل فريد لن يتكرر أبدا- يسهل علينا فهم أمور كثيرة للدعوة، بل يجعلنا ننظر إلى الأمور بعين صحيحة واقعية ويجعلنا طبيعيين نعيش في علاقاتنا بشكل غير مصطنع ونلتمس الأعذار في كل حين ونتعامل مع بعضنا ومن حولنا على أساس ما يستطيعون ويطيقون. لماذا نقول هذا؟ لأن كثيرا ما يأتيك من يشكو آخر وتجده يعظم الأمور ويدعو بالويل والثبور وعظائم الأمور، وكأن السماء سقطت، ولو عرض ما وقع على السيرة لوجد الأمر بسيطا جدا ولا يحتاج لكل ذلك التهويل، وهو على أية حال تهويل راجع إلى تعاملنا المثالي وقلة علمنا، فقد تكون الشكوى من أن الشخص يأكل في الشارع أو يضحك كثيرا أو كيت وكيت ….أو أن الأخت تترخص في لبسها أو جواربها أو بعض زينتها. ولنتساءل هل سمعنا يوما بأن أحد إخواننا أو إحدى أخواتنا جاء داعية أو عالما أو مسؤولا وقال: “ائذن لي في الزنا ؟؟! أو أني زنيت، مطلقا لم نسمع بهذا قط مع أنه وقع من أحد الصحابة حيث ورد في الحديث “أتى أحد الشباب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له يا رسول الله ائذن لي في الزنا”والحديث معروف، وأيضا جاء شاب من الصحابة  على خلاف في تعريف الصحابي -رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله إني عالجت امرأة في أقصى المدينة وإني أصبت منها ما دون أن أمسها فأنا هذا فاقض في ما شئت فقال له عمر لقد سترك الله لو سترت نفسك، قال فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقام الرجل فانطلق فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلا دعاه وتلا عليه هذه الآية (أقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين) فقال رجل من القوم يا نبي الله هذا له خاصة قال بل للناس كافة. فلننظر إلى هذا الحديث العجيب وما فيه من فوائد وغيره كثير. وأيضا ما روي فيما قاله سيدنا أبو ذر الغفاري من سب في حق سيدنا بلال أو غيره بـ”ابن السوداء” أو يا “ابن الأعجمية” وهي سبة فاحشة جدا، فعن المعرور بن سويد قال مررنا بأبي ذر بالربذة وعليه برد وعلى غلامه مثله فقلنا يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت حلة فقال إنه كان بيني وبين رجل من إخواني كلام وكانت أمه أعجمية فعيرته بأمه فشكاني إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية قلت يا رسول الله من سب الرجال سبوا أباه وأمه قال يا أبا ذر إنك امرؤ فيك جاهلية هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فأطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم)

فهل سمعنا أخا أو أختا تسب بمثل هذا؟؟؟ .وأيضا حادث الإفك فيمن كان؟؟؟؟ لقد كان فيه قذف للنبي صلى الله عليه وسلم في عرضه والقاذفون صحابة أو على الأقل الذين روجوا الحادث كانوا صحابة رضوان الله عليهم جميعا.

خلاصة هذا كله أنهم كانوا بشرا لهم من الأخطاء الكثير بحكم بشريتهم، ولكن أهم خاصية تميزهم وتجعلهم جيلا فريدا بكل المقاييس في نظري-إضافة إلى صفائهم ونقائهم الروحي تلك الاستجابة السريعة للوحي، تلك التلبية لنداء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ذلك الانقلاب والإقلاع الذي يحدث بمجرد م