تتشابك العلاقات السلطوية في بلدي العزيز وتتناسل أشكالها ووظائفها وتتجدد لدرجة يعجز معها الباحث المتخصص  بله المواطن العادي- عن ضبط الأشكال الرسمية لتجليات السلطة، وتحديد وظائفها القانونية وعلاقاتها فيما بينها. ونظرا للظرفية الخاصة التي ولدت فيها مؤسساتنا السلطوية فإن بنيتها وطرائق اشتغالها تبقى محكومة بالطابع الخاص، وليست الخصوصية المغربية هنا بمعنى التميز الإيجابي الذي يتغنى به أهل السياسة الناطقون باسم المخزن، ولكنها حالة الاستثناء الشارد الشاذ.

إن نشأة المخزن في المغرب تحكمها ثلاث عوامل أساسية: يتمثل العامل الأول في التقاليد المخزنية الموروثة مع العرش بما تحمله من أثقال سنين القهر والمكائد، والعامل الثاني يتجلى في الإضافات النوعية التي أبدعها الاستعمار للتحكم في الرقاب والتراب، أما العامل الثالث فهو تلك الرتوشات التي زين بها المهندسون الجدد للنظام واجهة المخزن بحكم الاضطرار.

إن الطبيعة المركزية الأبوية التقليدية التي شكلت نواة الحياة المؤسساتية في المغرب كانت الخطوة الحاسمة التي حرفت المسار الديموقراطي عن وجهته الشعبية التشاركية، فحين رضي الفاعلون السياسيون آنذاك بدستور ممنوح ورقصوا طربا به، شكل ذلك وقودا اشتغلت به الآلة المخزنية لتعيد إنتاج نفس الأنماط السياسية المدموغة بخاتم المخزن.. في حين تمت إزاحة من يطالب بحياة سياسية حقيقية وبحقوق أصيلة ثابتة لا وصاية للمخزن عليها بطريقة جد مأساوية، وهكذا تم تغييب وتصفية العديد من رجال الحركة الوطنية…

الآن، وبعد نصف قرن من الاستقلال الشكلي ومن المهازل والحركات البهلوانية العبثية، يحق للمغاربة أن يتساءلوا: إلى متى ستظل حقوقنا المشروعة منة وعطية يتفضل بها الحاكمون  إن شاءوا  متبجحين؟ إلى متى سيظل مصير شعب بأكمله رهين النزوات والخواطر المزاجية للحاكمين؟ متى نضع الخطوة الصحيحة في الاتجاه الصحيح ؟

إن شروط ولادة الحياة السياسية الحديثة في المغرب تحكم بشكل تام منطق هذه الحياة وتسيج افقها بإحكام.

تقتات الآلة المخزنية من بقايا التقاليد العتيقة والاعتقادات الغابرة في النفوس، وتنتعش من حالة الغموض التي تحيط بها، والتي تحرص على بقائه، بل إعادة نسجه وتجديده.

الآلة المخزنية تخاف الوضوح كأشد ما يكون الخوف، وتتحاشاه لأنه نور، وتكوينها الذاتي لا يقبله. وينعكس هذا الغموض على المواطن البسيط الذي تختلط عليه الأمور بشكل تراجيدي، ولذلك تجده يخاف أن يعتقله “المخازني” أو رجل الإدارة كما يخاف رجل الأمن أو الدرك، لماذا؟ ببساطة لأنه المخزن، والمخزن يفعل ما يشاء ويتبادل الأدوار والوظائف.

ومن عجيب الآلة المخزنية أنها في سباق تام مع الزمن لإضافة سلط ووظائف جديدة، فهي تحاول أن تهيمن على كل شيء، ويكاد لسان حالها يقول للمغاربة: “توقفوا عن الحياة فأنا موجودة الآن”، فكل نسمة وكل همسة تقف من ورائها أو تحاول أن تتبناها.

إنها نفس الرغبة السلطوية الشمولية السافرة التي تريد المواطنين عبيدا خاشعين لا يحركهم سوى الأمر والنهي المخزني، ويدفعهم حب الجناب العظيم إلى التزلف الدائم وبذل الغالي والنفيس.

في بلد تنطق أبواق المخزن فيه صباح مساء: “أنا دولة الحق والقانون”، وتهتف بحياة “المشروع الديموقراطي الحداثي”. نجد أجهزة خلفية تمولها الدولة بسخاء من المال العام، تتحرك في حرية مطلقة لتفعل ما تشاء بدون حسيب ولا رقيب، وهي اليد القذرة الخفية للنظام، بل هي وجهه الحقيقي البشع.

تتمدد سلطة الآلة المخزنية وتتمطط بدرجة كبيرة، وتستعين بهياكل وأشخاص لا يضبط عملهم قانون، فحتى في أدنى مستوياتها، نجد الشيخ والمقدم مثلا متعدد الوظائف والأبعاد، فإضافة إلى كونه عونا للسلطة تستعين به في ضبط أمورها الإدارية، يعتبر مركزا متنقلا للمعلومات، يعرف كل صغيرة وكبيرة عن سكان حي من الأحياء، وما دامت وظيفته لا ضوابط لها، فهو يحشر أنفه في كل شيء، وقابل للتوظيف في أي اتجاه ومع أي طرف، إلى درجة أنه قد يشارك في التدخل إلى جانب قوات “السيمي” لقمع المحتجين، وقد يشارك في الاستنطاقات التي تجريها الضابطة القضائية أو جهة أخرى، وقد يشارك -وهذا ما حدث فجر الاثنين 01-01-2007 بسوق أربعاء الغرب- في مداهمة البيوت واختطاف الناس من منازلهم أوفي طريقهم من بيت الله، وقد يقوم مقام الاستعلامات العامة ليحدد التوجهات السياسية لسكان حيه وتسويد ملفاتهم بما يراه مناسبا، وهو رهن إشارة جميع أطياف الآلة السلطوية .

ومن الطريف أن ننصح المرشحين باتخاذ مستشاريهم في الانتخابات من الشيوخ والمقدمين فهم أعرف الناس بالخريطة السياسية لمنطقتهم.

هذا كله يحدث، على الرغم من أن الشيخ أو المقدم قد يكون أميا أمية مطبقة، يكتب له الناس شواهد السكنى ..

لكن الأدهى أن يكون لكل قائد فريق من المقدمين والأعوان رهن إشارته لشهادة الزور وتلفيق التهم والزج بالأبرياء في السجون، وهذا من المعروف المشهور عند عامة الناس.

فإذا كان أدنى عنصر في هرم الآلة المخزنية يعيث في الأرض فسادا خارج أي قانون، فماذا ننتظر من كوادر الآلة ومنظريها الكبار؟؟؟

إن دولة الحق والقانون تبدأ من دستور يقترحه الشعب ويناقشه الشعب ويرتضيه الشعب، وتبدأ من مؤسسات واضحة الوظائف والعلاقات، مؤسسات في خدمة الشعب لا في خدمة أهواء الحاكمين.