اللهم لا شماتة، إنما هي العبرة نستخلصها مما يحدث حولنا عسى يعتبر مغرر به جاهل ويطرق باب التوبة غافل.

فوجئنا، بل فوجئ غيرنا من ساكنة مدينة وجدة  ممن لم يخبر المخزن وتسلط رموزه المحلية  بتورط ثلاث ضباط في جهاز المخابرات DST وعملهم لصالح عصابات سرقة السيارات والاتجار في البشر (الهجرة السرية).

ويتساءل الشارع الوجدي عن استفحال ظاهرة الفساد في أجهزة الأمن، بل بدأ بعضهم يعبرعن خوفه مما سيفضي إليه الفساد في هذا الجهاز، خاصة حين أصبح مسؤولوه ينتمون للعصابات الإجرامية ولم يكتفوا بدعمها عن بعد.

لم يكتمل العام على إعفاء والي الأمن الولائي السابق بعد افتضاحه في عمليات التهريب واستغلال سيارات الشرطة في ذلك، ولم يكد ينس المواطن الوجدي انتحار ضابط الشرطة في إحدى الحانات التي تعج بنظرائه كل ليلة، ولم يزل المعطلون حاملي الشهادات يتردد في أسماعهم صدى الإهانة وفي ذاكرتهم رجة المهانة لما دعاهم والي الجهة  في حوارهم معه  إلى العمل حمالين للحقائب وساقين للخمر وخدما للسواح الوافدين على FADESA، حتى يذهل الجميع بسماع النبإ الصاعقة ” انتماء ضباط DST للمافيا ” .. وما خفي كان أفضع..

كان الله في عون المخلصين والغيورين على هذا الوطن، وكان الله لذوي المروءات من هول الصدمة.

ما تداعيات الصدمة على الجهاز وعلى المخلصين من أهله  خاصة  لمصالح الوطن؟ أي حافز بقي لهم للعمل؟ أي ثقة بقيت بينهم؟ أي ثقة بقيت لهم في جهازهم؟ لصالح من يعملون ؟ كيف يأمنون زملاءهم على أنفسهم؟ .. أسئلة وغيرها لاشك تراود كلا منهم بعد أن أيقنوا أن جهازهم مخترق من قبل عصابات الإجرام وأنه يعمل لصالح البارونات ..

ومن حقنا نحن أن نسأل: من المسؤول عما يحدث؟ كيف انقلبت وجدة بين عشية وضحاها من مدينة كانت هادئة – بالأمس القريب- إلى سوق للمخدرات ومرتع للموبقات؟

ما مسؤولية والي الجهة ووالي الأمن فيما يقع في أجهزة ومدينة هما على رأسها؟ أم أنهما دون مسؤولية تسيير البيت الداخلي وضبطه؟ أم أنهما متجاوزان ولا يعلم المسكينان بما يجري ويحدث من حولهما؟ أم أنهما لا يجيدان غير تشريد الباعة المتجولين المستضعفين، وأصحاب العربات البئيسين، وتفويت صفقات الصفقات!

إن الفضائح حين تقع عند غيرنا تدفع المسؤولين إلى تقديم اعتذار للشعب ويتوجون ذلك بتقديم استقالتهم، ولا نقول انتحار بعضهم، لأننا لا نريد لأحد أن ينتحر. لكننا ابتلينا بمن لم يلجمه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا لم تستح فاصنع ما شئت”.

نعم، إننا لا ننتظر اعتذارا لعلمنا أنكم لا تحسبون أن هذا الشعب شعبا، كما أننا لا ننتظر استقالتكم لكون مفهوم التمكن من السلطة عندكم مرادف للحصانة واليد الطولى وفرصة العمر.

إن فتوى “ادهن السير ايسير” و”كل او وكل” و”حق الشاف” تطرح أكثر من سؤال: عند أي حد يقف “ادهين” و”التوكال” في السلم المخزني؟ من يرعاه؟ إلى أي حد بلغ شراء الذمم في أجهزة ” الأمن” والمخابرات؟ ما هي مجالات البيع والشراء فيهما؟ من هي الجهات المتدخلة؟ إقليمية هي أم عالمية؟ إجرامية فقط أم حكومية أيضا؟ مصير المغرب بيد من حتى الآن؟ أي مستقبل لنا ولأبنائنا؟

إن انفضاح الكومسير ثابت ومخازيه رسمت قطيعة الثقة بين الشعب والأجهزة الأمنية، وهي الآن مع نهاية 2006 ومطلع 2007 تأكد القناعة أن المغرب لم يرهن فحسب، بل بيع جملة واحدة ووضع بيد العصابات العابرة للقارات، كيف لا والجشع والطمع وحب التسلط والاستعباد والإقطاع الجديد هو المحرك، والقهر واستغلال النفوذ هو القانون المهيمن..حسبنا الله ونعم الوكيل.

هل من رجعة لمن انخرط في بيع المغرب أو تواطأ؟ هل يأمن على نفسه أن يرجع؟ هل بقي لنا أن نستأمنه على أنفسنا وأعراضنا وأمننا ووطننا؟ هل بقي المغرب مغربنا؟

أستعير هنا مقتطفا من بيان جماعة العدل والإحسان بوجدة الصادر بتاريخ 13 نونبر2006، لأثمن النضج الحضاري عند قيادتها وأعضائها – على السواء – في التعامل مع ما تعرضوا له من تنكيل لا يزال مستمرا على يد السلطات المحلية بالجهة الشرقية، وأثمن طول نفسهم، وأنوه بصبرهم وهم المتتبع لهذا الواقع البئيس ، والخبيرون بما تحمل الأيام وما يفضي إليه الحال في ظل سيادة من يبطش بالجهة الشرقية ويسوم أهلها وينهب ثرواتهم ويسرق ممتلكاتهم ويستبيح أعراضهم ويتجرأ على مساجدهم وعلمائهم.

أستعير المقتطف أيضا لأشهد أن جماعة العدل والإحسان أبعد نظرا مما كنت أتصور: “هكذا تتضح الصورة في هذه المدينة المهمشة اقتصاديا المقموعة سياسيا المنهارة أخلاقيا، هكذا أرادوا لهذه المدينة الأبية أن تعيش في ظل المخازي والمآسي. هكذا أخرج المشهد كبراء المخزن المسعورون الحاقدون على الصحوة الإيمانية الشعبية، وهكذا صنعه أذنابه أباطرة الفساد والإفساد المستأسدون على المؤمنين المستضعفين.”

نعم، هكذا نفهم ما يقع في المدينة ونفهم تناميه “ونفهم السكوت عن عصابات السرقة والسطو، ونفهم تنامي الاتجار في الأقراص المهلوسة وتعاطي القرقوبي، ونفهم رعاية المفسدين وتقديم الامتيازات لأهل الموبقات. كيف لا، وأغلب رواد أوكار الفساد هم المسؤولون عن “أمن” المواطنين و”الحامين لأعراضهم”!

قال الله تعالى في الحديث القدسي: “من عادا لي وليا فقد آذنته بالحرب” وفي الحديث الشريف: “إن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته”. نعم، لم يفلته. أنظر إلى من استأسد على أهل التقوى أهل العدل والإحسان، أنظر إلى من دنس مصلاهم يوم أن اقتحمت بيوتهم، أنظر ما فعل الله به. اللهم لا شماتة، غير أننا نرى تعجيل العذاب للظالم والمتجرئ على دعوته، عبرة لغيره ليتعظ ويتوب. قال الله جل وعلا: ” ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار، وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون” (هود 113). إن السلطة لا تدوم، وإن العز لا محالة زائل، ولو دام الجاه لغيرك ما وصلك. فانتبه يا غافل، فإنه ما علا شيء استكبارا إلا وضعه الله سبحانه، فأفق. “والله من ورائهم محيط”.