الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه وإخوانه إلى يوم الدين.

أما بعد،

تقديم:

يأتي الحديث الرسمي عن الشباب والمشاركة السياسية اليوم (1) في إطار محاولة موسمية لرأب صدع واقع سياسي مقبل على الانهيار، استعصى – لبنيوية أزمته- على الترقيع، بل اتسع الرقع فيه على الراقع، ليضع هذا الحديث بعض المساحيق التجميلية على وجه سياسة تجهيلية وعجوز شمطاء لا تسر الناظرين، وتتحدث إلى شباب يتفق الجميع على إعراضه عن الممارسة السياسية الرسمية التي ترعاها الدولة والتي وصلت إلى حد الإفلاس التام في مختلف المجالات، باعتراف المسؤولين أنفسهم وبتعبيرهم: “السكتة القلبية” أو ما أسميه: “السقطة القبلية”. إلا أن هذا الشباب حقيقة لم يعرض عن السياسة باعتبارها مجالا للتنافس الشريف بين الفرقاء على تدبير الشأن العام كما هو الأمر في الدول التي تحترم مواطنيها، وإنما لاقتناعه الراسخ بأنها في بلادنا الآن ليست سوى حيل سياسوية تضليلية غير جادة، وفي اليوم الذي تتوفر فيه انتخابات نزيهة ولها مصداقية سيتغير الموقف وتتحسن الأحوال.

أما مقاطعته للانتخابات فهي في نظري مقاطعة واعية تحمل دلالة واضحة على وجود إجماع شبابي شعبي على رفض الفساد في أصله وفصله. وليس رفضا للانتخابات في ذاتها كطريقة عقلانية لحسم الخلاف. وما علينا إلا أن نستمع للشباب مباشرة لمعرفة حقيقة هذه النتيجة، عوض أن نتهمهم و نتحدث باسمهم أو عبر وسائط مراوغة ومنافقة، وما كره المخزن اليوم أن يغير شبابنا بشباب آخر يستورده من الخارج ليصدق ادعاءاته الكاذبة و يصفق لمبادراته الميتة، دون أن يفضل الموت في ضفاف البحر الأبيض المتوسط (المتحشش) على حياة ملؤها الفقر والأمية والاستبداد.

شبابنا دمرته السياسات الخرقاء التي حولت المغرب إلى ماخور كبير للصوص الكبار والمرضى والشواذ لممارسة كل أنواع الفاحشة والعبث بخيراته (البرية والبحرية والجوية، الحيوانية والبشرية…)، تحت حماية أمنية وسياسية وقانونية وإعلامية توفر لها الانتعاش والاستمرار.

1- الفرق بين المشاركة السياسية والمشاركة الانتخابية:

ينبغي فهم قاعدتين أساسيتين يغالط بصددهما الديماغوجيون:

– الأولى: تقول: “ليس كل من يمارس السياسة يشارك في الانتخابات”: وهذا واضح من خلال وجود فاعلين سياسيين في هرم السلطة وحواشيها لا علاقة لهم بالانتخابات ولا بصناديق الاقتراع ولا بالديمقراطية ولا بالمعارضة ولا ولا …مثال ذلك الملك ومستشاروه و وزراؤه وكتاب وزاراته وسفراؤه وعلماؤه وولاته وعماله وباشوياته وداخليته وخارجيته و ماليته و لجانه وو…. وهؤلاء هم الفاعلون الرئيسون في الميدان. بالإضافة طبعا إلى “جماعات الضغط” التي تراقب المنطق السائد و تعارضه وتعبئ العضل الشعبي ضده.

– الثانية: مقتضاها: “ليس كل من يشارك في الانتخابات يمارس السياسة”: شخصيات وأحزاب وأقطاب لا سلطة لها في الواقع ولا مشروع مجتمعي تسعى لتطبيقه، كل وظيفتها هي التسويق لمشروع الغالب المتجبر، الذي يحرك ولا يتحرك والتصفيق لاختياراته، أي أنها مستعدة للدفاع عن الشيء ونقيضه، ولا يحكمها منطق. وفي الأخير لا تتجاوز أن تكون عنصر موازنة يستعمل بقدر الحاجة ثم يرمى.

و لا تريد العجوز الشمطاء أن تميز بين المشاركة السياسية والمشاركة الانتخابية، لأن التمييز بينهما يكشف عورتها ويفضح لعبتها.

المشاركة السياسية : هي مشاركة الكل في الكل، مشاركة كل مواطن في كل ما يهمه من قضايا بلده وأمته بحرية ومسؤولية. و يعرفها صمويل هانتنغتن بأنها: “ذلك النشاط الذي يقوم به المواطنون العاديون قصد التأثير في عملية صنع القرار الحكومي، سواء أكان النشاط فرديا أم جماعيا، منظما أم عفويا، متواصلا أم متقطعا، سلميا أم عنيفا، شرعيا أم غير شرعي، فعالا أم غير فعال”. انظر : “قصد التأثير في عملية صنع القرار”.

ويعرفها كذلك مايرون وايتر بكونها: “تعني أي فعل طوعي…منظما أم غير منظم، عرضيا أم متواصلا، مستخدما وسائل شرعية أم غير شرعية، القصد منه التأثير في انتقاء السياسات العامة وإدارة الشؤون العامة واختيار القادة السياسيين على أي مستوى حكومي محليا كان أم وطنيا. “

انظر: التأثير في انتقاء السياسات العامة+ إدارة الشؤون العامة +اختيار القادة السياسيين على أي مستوى حكومي محليا كان أم وطنيا. من رئيس الدولة إلى أدنى مسؤولية حكومية.

وانظر حفظك الله إلى سياساتنا العامة من ينتقيها ومن يشارك فيها؟ وشؤوننا العامة من يدبرها؟ وقادتنا السياسيين محليا ووطنيا من هم و من يختارهم؟ وما علاقتهم بالشعب؟ لترى عن أية مشاركة نتحدث وعن أية مشاركة يتحدث العقلاء؟

المشاركة السياسية هي مشاركة جميع الفاعلين السياسيين في رسم السياسات العامة لبلدهم بما فيها نظام الحكم، وتسيير شؤونها الداخلية والخارجية بطرق تداولية متفق على أسلوبها…الخ وهذا مطلب شرعي وعقلي لا يقول ببطلانه إلا متخلف جاهل أو مثالي حالم.

المشاركة الانتخابية: هي مشاركة المواطنين بكل حرية في اختيار من يمثلهم وطنيا ومحليا، وهي جزء موسمي من عمل يومي دؤوب متواصل ومضني، هو العمل السياسي الحقيقي الذي ليست العملية الانتخابية على أهميتها سوى وسيلة من وسائله، وحكم الوسيلة من حكم الغاية. أي أن السياسة ليست هي الانتخابات فقط، وبالتالي فالحديث الجدي عن مشاركة الشباب  أو قل الشعب- ينبغي أن يعم الفكر والفعل السياسيين حتى لا نناقش فقط الهامش والوسيلة وندع الجوهر والهدف. ولا يوجد عاقل على وجه الأرض يرى بأن الانتخابات مطلوبة لذاتها {مجرد لعبة}، وحتى الانتخابات لا تكون سليمة وحقيقية إلا إذا كانت تمكن الفائز  هيئة أو تحالف- من امتلاك سلطة القرار والقدرة على تنفيذه. وإلا فإننا نسوق للأوهام ونمارس الديماغوجيا (فن مخادعة الشعب).

أما الانتخابات المغربية فلا يراد لها أساسا أن تفرز أية مؤسسة تمارس السلطة أو تلامس جوهرها، لأن هذه الأخيرة (السلطة) لا تخضع للانتخاب أصلا وليس حولها كلام. السلطة بيد من لا ينتخب. فلم الانتخابات أصلا؟ ألنقول للآخرين أننا ننتقل ديمقراطيا؟ ألصناعة الواجهة والباطن خراب؟

لهذا نجد الذهنية الانتخابية تتعامل مع الشباب كأرقام تحسب وأوراق تشترى لا كأشخاص مواطنة وإرادات حرة وواعية. الشباب حسب هذه الذهنية لا يحتاج له إلا في موسم الحملة والتصويت، مما أثبت لدى الشباب شعورا متجدرا بأن هذا الخيار ليس هو الخيار الشعبي الآن، ونأمل أن يستيقظ النائمون.

2- مواصفات الواقع السياسي المغربي:

يعزى سبب إعراض الشباب عن الأحزاب السياسية وما تروج له من خطابات ممجوجة  حسب الندوات التي نظمت بخصوص الموضوع- إلى وجود العقبات التالية:

– عقبة نظام سياسي وراثي ومطلق يحتكر السلطة والثروة والنفوذ دون أي نوع من المسؤولية والاعتراض والمحاسبة، ويكاد يجمع الكل على أن سبب الفساد في المغرب هو المخزن، الذي لا يأخذ شرعيته إلا من آلته القمعية الإكراهية التي تعلو على الشرع والعقل والمنطق والقانون (حكم السيف). وعن هذا الفساد تتفرع باقي المطبات التي تثقل كاهل الشعب المغربي. “الفساد في الحكم هدم أخلاق الأمة، ونخر في اقتصادها، وبدد ثرواتها، وشرد المستضعفين، ودفع الفتيات البائسات إلى سوق البغاء، وخطف لقمة العيش من أفواه الأطفال، وتسبب في تفشي البطالة والمخدرات والمرض والخمور والعهارة ومدن القصدير والرشوة والمحسوبية وطابور المشاكل” (2).

– عقبة دستور تقليدي ممنوح، لم يشارك في وضعه الشعب، وبالتالي فهو لا يعنيه قانونيا ومنطقيا في شيء. يقول الدكتور المهدي المنجرة: “ما دام موجودا عندنا هذا الدستور وهذا النوع من البرلمان لا يمكن أن يحدث التغيير…المخزن والحرية وحقوق الإنسان تتناقض، من غير الممكن أن يتعايشوا” (جريدة المساء عدد 52)

– عقبة حكومة شكلية وغير منبثقة عن أغلبية برلمانية حقيقية، وغير منتخبة، فسيفسائية وضعيفة، لا سلطة لها سوى تنفيذ مخططات فوقية لحكومة أخرى -لا ترى ولا تسمع ولكنها تشم وتذاق- تطلع بملفات كبرى مثل: الصحراء، التعليم، القضاء، ميزانية كذا وكذا، الأمن، الجيش…وإلا لماذا تتأسس اللجان لتقوم بما يجب أن تقوم به الحكومة؟ المرأة، الصحراء، آه على ملف الصحراء وما فعل فيه الرعاديد!، التعليم،…

– عقبة انتخابات عبثية ومزورة، متحكم فيها، وموضوعة على مقاس استمرار المفسدين في الحكم. ولا تؤدي إلى تحقيق التداول على الحكم، الانتخابات في هذه الظروف والشروط هي عبارة عن سوق لترويج السراب والكذب والاحتيال وشراء الذمم وتمديد عمر الأزمة.

– عقبة برلمان شكلي لا علاقة له بالتشريع، يتنافس أعضاؤه على طرح الأسئلة الهامشية والتراشق بالألفاظ النابية (سوق النفاق)…وكم يضحك من ينظر في تقارير الحصيلة البرلمانية الحزبية ليجد أن ما يتفوق به الحزب الفلاني من إنجازات عظيمة هو: طرح أكبر عدد من الأسئلة”!!!

– عقبة أحزاب سياسية متشردمة، استطاع المخزن أن يروضها لصالحه وفق مبدأ “أنا متمخزن إذن أنا موجود”. ونستثني الفضلاء الذين حافظوا على نظافتهم. و”النظافة من الإيمان”.

– عقبة تعددية حزبية شبه فارغة وليست تعددية سياسية. جلها توالي المخزن وتفكر بمنطقه وتسبح بحمده وتروج لسلعته. إن تعدد الأحزاب في بلادنا لا يعني التنوع والاختلاف في التوجهات والتصورات وطرح البرامج التي تجعل المنافسة ذات جدوى.

– عقبة نخبة سياسية متمخزنة متمالئة تقيس جدية العمل السياسي بالجاه والمنصب وتقبيل يد الملك! أو الحضور في استقبال أحد الضيوف بالمطار! أو رسالة تهنئة! أو منصب! شعارها دائما هو: “أنا متمخزن إذن أنا موجود” أو بترجمة أحسن: “تمخزن توجد”، وتروج للباطل (مثل تصريح أحمد عصمان بأن “دستور1992 متقدم أكثر من دستور فرنسا”) (3). أقول: حاشاك سعادة الوزير القديم، بل اقتصادنا أيضا وصحتنا وتعليمنا وإعلامنا وشبابنا “متقدم أكثر من …فرنسا”!

– عقبة إدارة بيروقراطية يعشش فيها الفساد منذ عقود، تمتص دماء المواطنين وهي تبتسم! زبونية ورشوة ومحسوبية وتماطل، وهنا نستثني الشرفاء طبعا ونحييهم على رجولتهم. وما أكثرهم الحمد لله.

الخلاصة: عدم تكون إرادة جماعية حقيقية للتغيير، فقط هناك إرادات استغفالية تسوق الأوهام في صور حقائق، وهي تعلم أنها أكاذيب “صالحة” فقط للثراء الشخصي، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. أو إرادات انتظارية خائفة لا تتحمل ولا تقتحم. مما يعطينا اقتناعا جازما بأن لا أحد يستطيع فعل شيء يذكر من خلال مؤسسات مصنوعة بهذه الطريقة مهما صلحت نيته.

3- المدخل لمشاركة سياسية حقيقية:

رغم ما تعانيه الأمة من أدواء فشبابها ولله الحمد مستبشر ومتفائل بغد أفضل تبنيه بفضل الله تعالى السواعد الطاهرة المجاهدة المتعاونة التي يحيي الله بها أرضا مواتا. وهذا يقتضي مدخلا جذريا سلميا متدرجا عبر الخطوات التالية:

– نضج إرادة حقيقية للتغيير لها الاستعداد الكامل للقطع مع ماضي الاستبداد والبهلوانية السياسية، والتأسيس المتدرج لحياة مجتمعية راشدة على أرضية وطنية مشتركة صلبة يقف عليها المغرب وتمكنه من الاستفادة من كل طاقاته وإمكاناته. وفي الأمة ولله الحمد  ما يزال- الله يغرس غرسا صالحا.

– حوار وطني جدي وواسع بين كل الأطراف الغيورة والشريفة  أفرادا ومؤسسات- دون استثناء لأحد حول الشكل والأسلوب الذي يقترحونه لنظام الحكم ولمؤسسات الدولة وكل ما يتعلق بذلك…. حوارا مسؤولا ينقل عبر وسائل الإعلام الوطنية ليعلم الشعب كل الأمور التي تهمه ويكون على علم بما يجري ويتحمل مسؤوليته كاملة، وليقوم بواجبه بوضوح ومسؤولية.

– صياغة ميثاق وطني علني في حضن الأمة، يجمع شتاتها ويؤلف بين أطرافها، وليس ميثاقا نخبويا يصنع في الزوايا المظلمة التي تمارس الوصاية على شعب تعتبره قاصرا.

– انتخاب جمعية تأسيسية مصادق عليها من طرف الشعب لصياغة مشروع الدستور الوطني المنشود.

– وضع دستور وطني تاريخي، من الأمة وإلى الأمة، بلا طبخ ولا كولسة ولا إقصاء ولا استيراد. لأن الدستور “… يجب أن تأتي مشروعيته من الشعب” (4)

– التعاون على إصلاح ما أفسدته الأيادي الآثمة في زمن طويل وفي مختلف المجالات، إيمانا بأن المسؤولية في البناء والنهوض ليست حلما أو نهزة أو نزهة، و لا يستطيع أن يتحملها أي طرف بمفرده، كيف وقد فشل فيها المخزن بالرغم مما يملك من سلطة شمولية ( المال، الإدارة، الإعلام…) وما يدعيه لنفسه من قداسة و تفوق!

– اشتراط رضى الشعب عن الذين يتحملون مسؤولية تدبير الشأن العام، وعدم الانصياع للأطروحات المملاة من خارج اختيارنا الوطني الأصيل. فإذا كان البعض يشترط رضا المستبد الغالب بالسيف، فإن السياسة الحقيقية تنبني على احترام حرية الشعب.

{إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله}.

والحمد لله رب العالمين.

– – – – – – – – – – –

(1) دعت كتابة الدولة المكلفة بالشباب إلى تنظيم أزيد من2000 منتدى وتظاهرة لتحفيز الشباب

للمشاركة في انتخابات 2007.

(2) عبد السلام ياسين، العدل: الإسلاميون والحكم، ص 432.

(3) الأيام عدد 15. 21-03-2002.

(4) المهدي المنجرة، جريدة الأيام، عدد191.