كانت ولا تزال نهضة الأمم وعزتها مرتبطة بقوة شبابها فكرا وفهما وحركة، متى أدرك ذلك الشباب دوره وعرف واجبه وكان له مركز قيادة يسترشد بها، فهم غُرَّة المجتمع وقوته وفتوته، وعلى قدر تطلعهم وجهدهم وعملهم تكون العزة والتمكين.

كانوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم نصرة، وكان معظم أتباعه وحملة رسالته وسفرائه من شباب الأمة وفتيتها الذين أبلوا البلاء الحسن حتى جاء نصر الله والفتح، وقد امتدحهم الله سبحانه وتعالى في قوله (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)[سورة الأحزاب 23].

كان أبوجهل أشد كفار قريش إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأكثر عنادا في تقبل شرع الله، وقد انبرى لقتله في غزوة بدر فتيان هما معاذ ومعوذ ابني عفراء وكان سنهما لا يتجاوز 14 عاما، وكانا قد شاركا في المعركة بعد أن أذن لهما رسول صلى الله عليه وسلم [فتح الباري شرح صحيح البخاري ج1 كتاب المغازي ص25 طبعة دار الفكر]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحيانا ينتدب بعض الشباب وهم حديثو السن في مواطن عديدة، حتى تتنمى وتتقوى عزائمهم ويشتد عودهم وتقوى عريكتهم، وحتى تنطبع في صفائح قلوبهم محبة عزة هذا الدين والذود عنه، وقد أوفد رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن حبه أسامة بن زيد أميرا على آخر جيش جهزه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته لملاقاة الروم وقد كان في الجيش كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وغيرهم.

وصارت السنة في أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان ينبري للمهمات العظام والملمات الجسام شباب، قذف الله في قلوبهم حب هذا الدين وحب إعزازه، يحملون هم الأمة والمسعى الجزاءُ عند الله تعالى.

من بين هؤلاء رجل عظيم تربى على يد شيخ جليل وأخذ عنه علم التربية، كما أخذ عن أبيه وعمه أسد الدين علم السياسة والحرب، ذاك هو يوسف صلاح الدين الأيوبي، وقد بدأ جهاده صغيرا مع عمه وتربى فيه حب الجهاد منذ أن كان يرى العمائم السود على رؤوس عائلته لفقدهم بيت المقدس، ولما آلت إليه زعامة مصر والشام أعاد للأمة عزتها و حرر المسجد الأقصى وبلاد المسلمين من الغزو الصليبي الذي امتد أكثر من مئة سنة في عام 583هـ في معركة حطين.

وبعده ظهر الأمير قطز محمود بن ممدود الذي قتل التتار أباه وسبوا أمه، وقد كان في شبابه يتردد الشيخ سلطان العلماء العز بن عبد السلام حيث أخذ عنه العلم والجهاد، فصار يجاهد الصليبيين، ثم رحل إلى مصر وآلت إليه زعامتها، فحارب التتار و أجلاهم عن بلاد المسلمين بعدما خربوها ولم تسلم منهم إلا مصر وما وراءها من البلاد وكان ذلك في 25 رمضان سنة 658 هـ.

وقبلهم وبعدهم كثير، ويذكر شبابنا اليوم بعز واقتدار المجاهدين الشباب في فلسطين من أمثال يحيى عياش ومقلد حميد وأطفال الحجارة وكذا شباب المقاومة والجهاد في لبنان الذين أعادوا للأمة عزة الجهاد.

من أولئك تشرب هؤلاء، ولهؤلاء أعطى المثلَ أولئك، والكل من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه تعلم وتتلمذ.

ليس قصدي أن يحمل الشباب السيف ليقتلوا ويعربدوا ويروعوا الأمة، فذلك بعدٌ عن الدين وأي بعدٍ، إنما قصدي أن أبين عزة شباب الأمة كيف كانت قوية بالله شديدة على أعداء الله، مجاهدة لأعداء الله، مستحضرة لهموم الأمة ومتمثلة لقضاياها، حاضرة في الواقع وملبية داعي الرحمان.

فلشباب أمتنا اليوم، الراغبين في تزكية قلوبهم وشد عود أمتهم أملا في إحياء عزتها وابتعاث نهضتها نسوق الأمثلة، وهي في أمتنا كثيرة ولله الحمد، لنبين أن في الأمة ذخرا وكنزا وجواهرَ، هم شباب الأمة وشاباتها، متى تتلمذوا على ما تتلمذ عليه سلفهم، ومتى كانت لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة تتلقى عن رسول الله وتنهل من كتاب ربها، دون أن تنسى واقعها، كانت بهم العزة وأقيمت بهم الخلافة المرجوة.قالوا الشَباب فَقُلت سَيف باتر *** وَإِذا تَثقف كانَ صافي المعدنأخرج أبو داوود في سننه عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت”[سنن أبي داوود ج4 ص 111 باب تداعي الأمم على الإسلام].

لن يصد هذا التكالب و التهافت على هذه الأمة ولن ينهض بها من غثائيتها إلا شبابها، بتربية قرآنية تعرف مالها وما عليها، ولن ينجي الأمة “القصعة” إلا حَرُّ أبنائها.

نخرج من غثائيتنا لنكون رقما في نفوسنا وفي مجتمعنا وفي عالمنا، بشباب هم أمل الأمة وعمادها إن تابوا إلى ربهم واستقام أمرهم على طاعته واسترشدوا واقعهم باتخاذ الأسباب.أشبابٌ يضيع في غير نفعٍ *** وزمانٌ يمر إثر زمانِقال ربنا سبحانه و تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ)[سورة آل عمران الآية 144].

وعد غير مكذوبقال الحق سبحانه مخاطبا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ) [سورة الأنبياء الآية 107].

هيمنة دين الله الإسلام، الذي اختاره رب العزة لأمة نبيه صلى الله عليه وسلم، أمر لا مراء فيه، وسيادته على كل الأديان والربوع إلى أن تقوم الساعة وعد من الله غير مكذوب، جاءت بذلك الآيات الساطعة البينة، وبينته أحاديث الحبيب المصطفى عليه وعلى آله وحزبه وإخوانه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

قال الحق سبحانه وتعالى بعدما استعرض سير الأنبياء ومبعثهم إلى أقوامهم مذكرين ومنذرين ومبشرين: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ)[سورة الأنبياء الآية 105-106]، أن يمكننا الله عز وجل من الاستخلاف في الأرض سنة كونية حتمية إن وافقت في المسلمين صلاحا وإصلاحا قائما على عبادة الله عز وجل وخشيته ورجائه.

وقال جل من قائل: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [سورة النور الآية 55]، بلاغ آخر من الله عز وجل لعباده العابدين بالاستخلاف في الأرض والتمكين والأمن إن وافقوا الشرط المطلوب في عباده المتقين كما دلت على ذلك الآية التالية التي يقول فيها الحق تعالى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)[سورة الأعراف الآية 128]، وفي كتابه العزيز أيضا: (وَقَالُوا الْحَمْد ُلِلَّهِ الذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةَِ حيْثُ نَشَاءُ) [سورة الزمر الآية 74].

ثم تأتي كلمة النصر في كتاب الله العزيز لتبين لجند الله من الشباب وغيرهم أن التمكين في الأرض وعد حق وتتبعها كلمة تثبيت الأقدام لتبرز أن النصر يكون دائما مستمرا ثابتا رسوخ الأقدام في الأرض قال تعالى:(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) [سورة الصافات الآيات 171-173] وقوله عز من قائل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)[سورة محمد الآية 7].

انتصر من نصر دين الله عز وجل في نفسه وفي واقعه ومات على ذلك محتسبا عمله وجهده على الله عز وجل حتى يرد على الخالق سبحانه رأى ثمرة عمله أم لم يدركها في حياته، وانتصر من نصر دين الله عز وجل حتى يرى دين الله وعدا حقا محكما على أرض الله وسعى سعي الآخرة.ألا أيُها اللَّيلُ الطويل ألا انجلي *** بصُبْح وما الإصْبَاحُ منك بأَمْثلِومن أحاديث نبي الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قوله “عن النعمان بن بشير قال ثم كنا قعودا في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بشير رجلا يكف حديثه فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء فقال حذيفة أنا أحفظ خطبته فقال حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت”[مسند أحمد ج: 4 ص: 273]، على منهاج النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وبمثل هديه وهدي أصحابه رضي الله عنهم تكون الخلافة والنصر.

وعن المقداد بن الأسود قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “ثم لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل أما يعزهم الله عز وجل فيجعلهم من أهلها أو يذلهم فيدينون لها”[ رواه الإمام أحمد في مسنده ج 6 ص 4].

بعدم أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حرب كفار قريش بعد صلح الحديبية جعل يراسل الملوك للدخول في دين الله، وجاء في رسالته إلى صاحب اليمامة هوذة بن علي:”بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي. سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك” [روضة الأنوار في سيرة النبي المختار للمباركفوري ص 259].

إن أمر الله عز وجل بالغٌ ما بلغت الشمس، وتلك وغيرها دلائل الله عز وجل من الكتاب والسنة، كما تتحدث دلائله الكونية في زماننا لتقول للناظر أن أمر الله سائر وأن وعده حق يقين، وأن السعيد من سار في ركب نصر نفسه بنصر أمر الله وجند الله، والخائب الخاسر من أعرض بغرور التعالي والرجم بالغيب، وهذه الحركة الإسلامية اليوم تكتسح الساحة لتنشئ عزا للأمة إن شاء الله تعالى فلينهض شباب الأمة بعزيمة ويقين وإيمان.ما رجاءٌ محقق بالتمني *** أو حياةٌ محمودة بالتوانيقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ)[سورة الصف الآية 14].