المسجد في عرف المسلمين موقع حضاري للأمة، ومركز إشعاعي في حياتها الاجتماعية والسياسية، وهو قبل ذلك وبعده عنوان توبة العبد ورجعته من مكامن الغفلة والعادة الجارفة، استجابة لروحانية المسجد وللنداء الذي هو حجة الله على عباده في أرضه.

في محرابه تطهر قلوب المتبثلين، وبين جدرانه يحضن الرجال السالكين، وفيه تنمى روح التعاون والولاية بين المؤمنين، وعلى حصيره تقام مجالس المشورة والقيادة، وفيه تصطف صفوف المجاهدين لتسير نحو ميادين الجهاد وساحات الفعل.

تبشرنا الصحوة الإسلامية أن شمس الإسلام ستبزغ، ويخبوا معها نجم العبثية والهوس المادي، وأن بشارة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بالخلافة على منهاج النبوة، قد سطع نجمها وبدت معالمها، وأن هذه التضحيات التي يبذلها جند الله اليوم، ستتمخض عما قريب عن مجتمع تسوده روح الفضيلة والرخاء. فما هو موقع المسجد في دوامة حركة جند الله؟ وما هو موقع جند الله داخل أسوار المسجد؟.

تسجل لنا السيرة النبوية العطرة موقفا تاريخيا، أخذ فيه بيت الله الشر ف الأعلى والمكانة الأسمى، فمن فناء الكعبة والمسجد الحرام، ابتدأت مسيرة الصحابة رضوان الله عليهم بصحبة المصحوب الأكرم صلبى الله عليه وسلم، تنير الدرب وتستحث الخطى، وجماعة جهادية أقامت دولة حامية رغم كيد الكائدين.

وللأديب الألمعي مصطفى صادق الرافعي كلمة جامعة لهذه المعاني المسجدية حيث قال: “فالمسجد في حقيقته موضه للفكرة الواحدة الطاهرة المصححة لكل ما يزيغ به الاجتماع، وهو فكر واحد لكل الرؤوس، ومن تم فهو حل واحد لكل المشاكل، وكما يشق النهر فتقف الأرض عند شاطئيه لا تتقدم، يقام المسجد فتقف الأرض بمعانيها الترابية خلف جدرانه لا تدخله… فما المسجد بناء ولا مكان كغيره من البناء والمكان، بل تصحيح للعالم الذي يموج من حوله ويطرب، فإن في الحياة أسباب الزيغ والباطل والمنافسة والعداوة والكيد ونحوها، وهذه كلها يمحوها المسجد، إذ يجمع الناس مرارا في كل يوم على سلامة الصدر وبراءة القلب وروحانية النفس، ولا تدخله إنسانية الإنسان إلا طاهرة منزهة، مسبغة على حدود جسمها من أعلاه وأسفله شعار الطهر الذي يسمى الوضوء، كأنما يغسل الإنسان آثار الدنيا قبل دخوله المسجد” (2).

مصاب الأمة عظيم، وبلائها جسيم إن ظن رواد هذه الصحوة المباركة التي تمثل انتباه الأمة بعد طول غفلة، ورجوع لعجلتها إلى سكتها الأصلية – كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم- أنها ستقيم البناء المنهاجي وهي لازالت رازحة في أزقة الغفلة بعيدة عن النبع الصافي.

ادعاء وشذوذ عن الأصل، وضرب في متاهات الجدل والسفسطة، إن أردنا أن نلم شتات هذه الأمة ونلملم جراحها، دون أن نستقي من النبع الذي ارتوى منه مجتمع الصحب الكرام.

صحبة متجددة ومتسلسلة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يظلنا سقف بيت الله بوارداته ونسائمه.

“مجتمع رابطته أخوة تنعقد في صف الصلاة في المسجد … يقفون بخشوع في صف الصلاة بين يدي الله، فتسري من قلب لقلب معاني الولاية في الله، المشتقة من الولاء لله، ومحبة الله، والإخلاص لله” (3).

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن للمسجد أوتادا، الملائكة جلساؤهم، إن غابوا افتقدوهم، وإن مرضوا عادوهم، وإن كانوا في حاجة أعانوهم، جليس المسجد على ثلاث خلال: أخ مستفاد، أو كلمة حكمة، أو رحمة منتظرة” (4).

على هذه الأوتاد نبني البناء التاريخي، ومن مخالطتهم ومجالستهم على حصير المسجد نحقق الانطلاقة الجهادية المتوازنة.

ومنذ أبان المسجد عن قدرته على توجيه صفوف المؤمنين المجاهدين في مجموعة من المواقف، أبرزها في الثورة الإيرانية، جندت دولة الجبر جنودها لحصار المسجد واحتساب حركات عماره وأنفاسهم، وتقزيم دوره في مجرد إقامة الفرائض من الصلاة فقط.

وفي هذا يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “ومنذ برهن المسجد عن حيويته، حين صدر عنه وخرج المؤمنون المجاهدون في إيران، وزلزلوا دعائم الطاغوت والاستكبار، اشتدت الوطأة على عمار المسجد…” (5).

تم إفراغ المسجد من كل معانيه الإحسانية والربانية، وملئت جدرانه بالزخارف المنتفشة والمبذرة وبالخطب الرسمية والمواعظ الناعسة وخطباء ووعاظ إمعات، لا يتميزون عن أي أثات وضع لتزيين جدرانه.

لهذا فمن أولى الأولويات في مسيرتنا نحو التغيير، وفي مدافعتنا للباطل، تحرير المسجد من هذا الحصار المضروب عليه، واسترجاع حقنا في عمارته، وإحيائه بحلقات العلم ومجالس الإيمان. “نركز معركتنا في الطلب بحقنا في مساجد الله، لا حق لأحد أن يمنعنا من ذكر الله فيها، لا حق لهم أن يخربوا روح المسجد ورسالة المسجد مع تزويقه وتأثيته” (6).

———————————-

(1): سورة الجن الآية 18.

(2): وحي القلم لمصطفى صادق الرافعي.

(3): الشورى والديموقراطية للأستاذ عبد السلام ياسين ص:151

(4): رواه الحاكم وقال صحيح على شرطهما

(5): المنهاج النبوي للأستاذ عبد السلام ياسين ص:263

(6): نفسه