في عدد 13 / 14 يناير 2007 من يومية الصحيفة، نشر “الجامعي” و”الفاعل السياسي” و”الأخلاقي” محمد الساسي مقالا بعنوان “يا شباب العدل والإحسان انتفضوا”، طبعا لم تكن دعوة منه للانتفاضة ضد الظلم والقمع الممارس ضد جماعة العدل والإحسان شبابا وشيبا وأطفالا ونساء من قبل المخزن الظالم، وهو موضوع لم يسبق للسيد الساسي أن أدلى فيه برأي صريح، إنما كانت دعوته للانتفاضة ضد “الأساطير”  على حد تعبيره  التي يمثلها الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين كما في زعمه!

من حيث الشكل يحق لنا أن نطرح عدة أسئلة: من يكون محمد الساسي هذا؟ وبأي صفة يتحدث؟ هل هو الباحث الجامعي الذي استبدت به الحسابات السياسية ولم يسعفه المنهج الأكاديمي في الاستدلال والاستنتاج فالتجأ إلى التمويه والمغالطات بجرعات غير أخلاقية؟. وفي أية خانة يمكن أن ندرج دعوته؟ أفي خانة “تاريخه النضالي” الذي أصبح مرهونا في معظمه بمحاربة “الأصولية الصاعدة” ، أم في خانة حاضره السياسي الذي أخذه مؤخرا إلى واجهة الأحداث ووضعه على شاشة صغيرة في حوار الأموات؟ مهما يكن الجواب، فإنه من الواضح أن بوصلته النضالية قد أتلفت، ولم يعد له من موجه يحسب به خطواته بعد أن طرق باب المخزن أو طرق المخزن بابه فاستجاب، ووضع رجله على أول الطريق، و من سار على الدرب وصل.

أما من حيث المضمون، فإني أستغرب لجامعي مثله أن يحشو مقاله بأمور غير حقيقية، ويفسرها ويبني عليها أحكاما ونظريات ليصل إلى نتائج هي من جنس المنطلقات مبنى ومعنى، ربما يبرر ذلك كونه فاعلا سياسيا إلى جانب كونه جامعيا وبالتالي فنظرته إلى جماعة العدل والإحسان هي نظرة منافس ليس في ميدان التدافع فقط وإنما أيضا في امتلاك الشرعية والمصداقية المجتمعية التي يعتقد أن لا سبيل لامتلاكها إلا بنزعها ممن هي في حوزتهم عن جدارة واستحقاق. ومع ذلك فأخلاقيات العمل السياسي، إن كان يعتبر أن للعمل السياسي أخلاقيات، تقتضي الاطلاع على أدبيات الخصم واعتماد تصريحاته الرسمية في أي نقد أو نقاش لا الاقتيات على الحملات الإعلامية والتأويلات الصحفية التي تبرع في توظيف مصطلحات يعرف الدارس النزيه والمطلع القريب أنها أبعد ما تكون عن فكر الجماعة وممارسة أعضائها كمفهوم الدولة الكافرة، وتقديس الأستاذ المرشد.

ثم لماذا خصص شباب العدل والإحسان دون غيرهم بهذه الدعوة؟ هل هي رغبة في إثارة شقاق داخلي بين الجماعة وشبابها كما هو الحال في غير قليل من التنظيمات فكان لا بد من وصفة جاهزة من السيد الساسي على اعتبار أنه صاحب خبرة طويلة في هذا الميدان؟ أم هو اعتقاد أن شباب الجماعة يحملون فكرا غير فكرها وتصورات غير تصوراتها وغايات غير غاياتها وهذا جهل بشباب الجماعة؟ أم هو اغتنام لفرصة مفترضة لضرب ما هو معلوم لدى القريب والبعيد من التحام بين الشباب ومرشدهم وهذا مكر السياسي المتربص؟ أم هو استخفاف بعقول شباب العدل والإحسان أن يدعوهم للانتفاضة بدفوعات وحجج واهية مبنية على التلفيق والتدليس، والترغيب والترهيب، متوهما أن منتهى مطمحنا أن يمنحنا الحق في العمل السياسي لنتقاسم مقاعد وغنائم سياسية. ولست أدري كيف أصبح بين عشية وضحاها من المانحين المانعين للحق في العمل السياسي.

أيا كان الجواب، فإن ما لا يعرفه السيد الساسي عن شباب العدل والإحسان، وأنا واحد منهم، فيما له ارتباط بموضوع مقاله هو:

أولا/ إننا نحن شباب العدل والإحسان آمنا برؤى 2006، التي تواترت عن أعضاء كثر من الجماعة، تماما كما ينبغي للمؤمن أن يؤمن بها، وبالطريقة الشرعية الواردة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، ولا أدري إن كان كاتب المقال يؤمن بالرؤى أم يدرجها في إطار الأساطير مثلما يدرج فيها كل ما لا يستوعبه عقله “الحداثي”، إلا أننا اعتبرناها- وما زلنا – بشرى تسر ولا تغر وعلى هذا الأساس بنيت التصريحات الرسمية لقيادتنا، وإنما الحملات الإعلامية المغرضة هي التي شوهت روح تلك الرؤى وحملتها محامل لم تقرها الجماعة التي روتها كما اعتادت أن تروي رؤى أخرى منذ تأسيسها إيمانا منها بأن في ذلك إحياء لسنة الرسول الكريم. وما كان لرؤى 2006 أن تغير من سنتنا شيئا بل تزيدنا بالسنة تعلقا.

ثانيا/ إننا نحن شباب العدل والإحسان لسنا سجيني العقل البشري القاصر، وندرك أن خارج دائرة حاسة العقل، الذي يحبس صاحب المقال نفسه فيه ويدعونا للانحباس معه، هناك خرافة وهي تقع أسفل العقل كما يوجد هناك غيب فوقه، ونعتبر أن الإيمان بالغيب جزء من الدين بل هو أساسه ومنطلقه، ونؤمن أن الرؤيا جزء من هذا الغيب، وإن تسمية ذلك في المقال المذكور بـ”الظواهر” هو احتقار للمغاربة وللمسلمين عموما ولأسس إيمانهم بدينهم، وما كان لرؤى 2006 أن تغير من إيماننا شيئا بل تزيدنا فيه إيغالا.

ثالثا/ إننا نحن شباب العدل والإحسان نحب ونقدر الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، ولم تكن علاقتنا به في يوم من الأيام علاقة تقديس، إننا ارتضيناه قائدا وزعيما لأنه في طليعة من قال لا لتقديس البشر في زمن سكوت وانبطاح القادة والزعماء وتطاير الرقاب، إننا ارتضيناه مرشدا ومصحوبا لأنه أول من علمنا عدم الخضوع إلا لله لا للأشخاص ولا للأهواء ولا للملذات. نؤمن ببشريته ولكن ندرك ونلمس أيضا أنه رجل استثنائي، في زمن قلت فيه فضائل الرجولة والشهامة، رجل صوام قوام تقي مجاهد صالح ورع أتاه الله حكمة ورفقا ووفقه للثبات على كلمة الحق، فهل تعرف ما معنى ذلك ؟ هل يدخل هذا في تحليلاتك السياسية؟ أنت واقتناعك لكن ما دخلك فينا ونحن نعتبر أن هذا مربط الفرس وهو ما يجمعنا حول هذا الرجل، وعلى هذا الأساس ارتضيناه مرشدا عاما لنا، وليس كاتبا ولا أمينا عاما بل مرشدا، وما كان لرؤى 2006 أن تغير من حبنا له شيئا إلا في اتجاه العمق والتمتين.

رابعا/ إننا نحن شباب العدل والإحسان ننتمي إلى هذه الجماعة لأنها تجمع بين العدل والإحسان، فهل يفهم السيد الساسي معنى الإحسان ؟(أحيله على كتاب الإحسان)، كما أن العدل لا نفصله من منظورنا عن فقه التزكية ولا يقف عند مطالب خبزية أو مطامع مادية وإنما يتعدى ذلك إلى ما هو أسمى وأجل (أحيله على كتاب العدل). إننا ننتمي إلى مشروع ونحن على اقتناع تام بمنهجه التربوي الإحساني الشرعي وخطه السياسي الواضح، مشروع تُهَدُّ أعمدته إن فُصل فيه العدل عن الإحسان. وما كان لرؤى 2006 أن تغير من هذا الانتماء شيئا بل كانت حافزا إضافيا على أحقيته.

خامسا/ إننا نحن شباب العدل والإحسان، لا ينفصل عندنا الإيمان بالغيب عن ممارسة السياسة، ولسنا مجبرين على الخضوع لمستلزمات الممارسة السياسية وفق الفلسفة والإطار الذي رسمه السيد الساسي سلفا، ذلك أن منهاجنا السياسي منسجم مع ذاته ولا ينفك عن منهاجنا الإحساني، وإن ثقتنا في النصر لم تبن في تفكيرنا ولا في أدبياتنا على رؤى 2006، وإنما على وعد الصادق الأمين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الإمام أحمد بن حنبل (أحيله على مسند الإمام أحمد)، الذي وعد ووعده الحق، وما كان لرؤى 2006 أن تشكك في هذا الوعد بل كانت من أكبر يقينياته.

سادسا/ إننا نحن شباب العدل والإحسان، نعتقد أن انتفاضتنا مستمرة في صفوف متراصة وفق منهاج واضح صحبة مرشدنا الذي لم يغير ولم يبدل ولم يبع ولم يشتر كما فعل الكثيرون وأن المعركة الحقيقية التي ينبغي أن نخوضها بمعيته هي معارك؛ معركة السلوك إلى الله تعالى توبة وتقربا وتزلفا ومحاسبة أنفسنا آناء الليل وأطراف النهار للفوز برضا الله دنيا وآخرة، ومعركة الدعوة وإرشاد الأمة وشبابها إلى الطريق القويم والصراط المستقيم وإنقاذهم من براثن الأفكار الفاسدة المفسدة والممارسات المنحرفة المحرفة، ومعركة الثبات أمام حملات المضايقات والمحاكمات والتصدي للتشويه والتشكيك والافتراء على سلامة منهجنا، ومعركة العمل الدؤوب والبناء المستمر والإعداد الدائم لمستقبل أفضل لأمتنا، معركة مد يد التحالف في زمن الإقصاء، معركة نشر ثقافة الحوار في زمن الصمت، و النور في زمن العتمة، و الحب في زمن الكراهية، والرفق في زمن العنف، و لم يكن لرؤى 2006 أن تغير شيئا من معاركنا بل كانت من أسطع موجهاتها.