نشرت جريدة “المساء” في عددها الصادر يوم السبت 20 يناير2007 حوارا مع الأستاذ عبد الواحد متوكل، الأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، تطرق فيه لتوضيحات أساسية بخصوص رؤيا 2006. نعيد نشره تعميما للفائدة:

سؤال:

انتهى عام 2006 دون أن يتحقق ما بشرت به الجماعة من وقوع حدث عظيم، ما تعليقك؟

جواب:

بسم الله الرحمن الرحيم. أعتقد أن موضوع الرؤيا قد أثار إشكالات حقيقية عند بعض الناس، وبعض من دخل فيه لا يعنيه أصلا لا من قريب ولا من بعيد فحمّله ما لا يحتمل، وبنى عليه ما لا يصح، واستنتج منه ما لا يستقيم. إن الرؤيا يا سيدي الكريم لا يتعامل معها بما تهوى الأنفس وإنما بمراعاة قواعدها وضوابطها وآدابها المنصوص عليها في الهدي النبوي والمحفوظة في دواوين العلماء ومصنفاتهم قديما وحديثا.

وإذا كنا نخصص لها بعضا من الوقت في مجالسنا التربوية، فإنما نحيي بذلك سنة هامة من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم، ونحاول في غير ما إفراط ولا تفريط أن نعيد الاعتبار لعالم الغيب الذي يعد الإيمان به من الصفات الأولى المطلوبة في الإنسان المسلم، ولاسيما في هذا العصر الذي يتسم بطغيان النظرة المادية، وخجل بعض المسلمين من الصدع بالحق خوفا من تهمة الخرافة أو الرجعية أو ما إلى ذلك.

صحيح بعض العوام قد أساؤوا فهم هذا الجانب واختلط عليهم لأنهم لم يجدوا من يفقههم في الدين، ولكن هذا لا يُسوغ إطلاقا التفريط في جزء نفيس من الدين، لا لشيء إلا لأن بعض الناس قد أساؤوا فهمه. ولو اعتمدنا نفس المنطق لكان لزاما أن نترك الدين جملة بدعوى أن بعض الناس أساؤوا إليه. وهذا لا يقول به عاقل.

الرؤيا يا سيدي الكريم تتصل بعالم المعنى والرمز ومنها ما يحتاج إلى تأويل ومنها ما لا يحتاج، ومن الناس من تصح له الرؤيا ومنهم من لا تصح له، وقد يتقدم وقوعها وقد يتأخر. ولا أقول هذا من عندي، وإنما هو معلوم ومشهور في مصادر الإسلام المعتبرة، والأمثلة على هذا أكثر من أن تُحصى وإن أردت الاستزادة فإن سويعة أمام الحاسوب قد تفي بالمراد.

لذلك فنحن نقابلها بالتصديق التام كما يقتضي ذلك الهدي النبوي، ونؤمن بها ونستبشر. لا نتحدى بها أحدا، ولا نزايد بها على أحد، ولا نزعم أنها حكر على الجماعة أو تستأثر بها من دون الناس. ولولا أن بعض المنابر الإعلامية الباحثة عن الإثارة أو عن مآرب أخرى لا نعلمها الله يعلمها قد دخلت على الخط ووثبت على موضوع 2006 وروجت له على نطاق واسع، لما علم بهذه المرائي غيرنا، لاسيما وأن احتفاءنا بهذه السنة النبوية الشريفة قديم وموصول منذ تأسيس الجماعة بل وحتى قبل التأسيس. فما هو الإشكال إذن؟.

ربما تقول إن الجديد هو أن الرؤى التي راجت مؤخرا قد تحدثت عن 2006. وهذا صحيح. وبالمناسبة فإن تلك الرؤى إنما جاءت من عامة الأعضاء والمتعاطفين مع الجماعة ولم تكن من أعضاء مجلس إرشاد أو المرشد خلافا لما يدّعيه بعض المغرضين والأفّاكين. وقد تلقاها عامة الإخوة بالتصديق والاستبشار كما يليق بها خاصة وقد رواها جمع كثير من الثقات الأثبات الذين يستحيل تواطؤهم على الكذب. لأجل ذلك فإننا لا زلنا نرى أن سنة 2006 لم تكن كغيرها من السنوات التي خلت. وشرح هذا يطول، بل إن الدخول فيه قد يفتح بابا للمِراء لا طائل وراءه الآن. وحسبنا أن نذكر هنا بما هو معلوم لدى طلبة العلوم السياسية والاجتماعية وهو أن التحولات الهامة في تاريخ الشعوب لا تأتي طفرة واحدة، وإنما تتويجا لعوامل متعددة قد يكون بعضها حاسما، ولكن قد لا يفطن الناس إليه إلا بعد مضي فترة من الزمان قد تطول وقد تقصر. لذلك فإن الوقت عامل أساسي في موضوع سؤالك. والأيام القابلة كفيلة بتجلية الحقيقة. وتبيان من جاءه الصدق وصدّق به ومن كان يهرف بما لا يعرف.

سؤال:

خلال عام 2006 تعرضت جماعتكم لحملة اعتقالات واسعة من طرف السلطة، وهو ما جعل المتتبعين يرون أن هذه الاعتقالات قد أضعفت الجماعة، فهل يمكن القول أن رؤيا 2006 قد تحققت بشكل عكسي بالنسبة لكم؟

جواب:

تقول إن الجماعة تعرضت لحملة واسعة من الاعتقالات عام 2006، وهذا صحيح، ولكن الإيحاء بأن هذا حصل فقط عام 2006 غير صحيح تماما. فالجماعة كانت ولا تزال مستهدفة من قبل السلطات المخزنية منذ أن خرجت إلى الوجود. فالاعتقالات والمضايقات لم تنقطع ، ولا تخرج الجماعة من محنة إلا ليزج بها في أخرى، ولا يتسع المجال لذكر كل المآسي التي عشناها. وقد حصل هذا قبل 2006. فلماذا إذن نغض الطرف عن كل هذه الظلامات والاعتداءات والمضايقات التي تعرضت لها الجماعة على مدى أكثر من ربع قرن ودون انقطاع ثم نركز فقط على ما حصل سنة 2006؟ وكأن ما حصل شيء جديد في سياسة النظام المخزني تجاه العدل والإحسان؟

أما قولك بأن هذه الاعتقالات قد أضعفت الجماعة، فهذا غير صحيح البتة. فالمكاسب التي تحققت للجماعة أكثر وأوسع من أن نحيط بها في حوار قصير كهذا. والخبر ما ترى لا ما تسمع. لا شك أننا قد تعرضنا للأذى وضُيق علينا كثيرا، ونحن ممنوعون من كثير من الأنشطة، وممنوعون من القيام بما يلزم تجاه مجتمعنا، ولكن مع ذلك فعملنا لم يتوقف، وتواصلنا مستمر رغم كل الصعاب، بل إنني أقول، وليس هذا من قبيل الزهو أو الخيلاء وإنما تحدثا بنعمة الله علينا، إن تنظيمنا يتميز بدرجة عالية من الحيوية والدينامية وروح الاقتحام والتوثب، والمنة لله. وقد كانت هذه المحن، رغم ما صاحبها من معاناة، مفيدة لبنائنا التربوي وقدراتنا التدبيرية، وذلك لأن من يتعلم ويتدرب على التفكير والتدبير والإبداع في ظروف الشدة، فإن الأمر لاشك يكون أهون عليه في وقت الرخاء، إن جاز أن نتصور أن هناك ظروف رخاء.

لذلك فإن الزعم بأن هذه الاعتقالات قد أضعفت الجماعة هي أمنية أكثر منها وصف لواقع. وقد تعودنا على سماعها في أعقاب كل محنة تتعرض لها الجماعة. ولعل البعض لم يستسغ كيف يتأتى لجماعة بحجم العدل والإحسان أن تبقى متماسكة وعصية على الترويض رغم كل المحاولات الشيطانية التي تتعرض لها، بل إنها تمتد وتتوسع باطراد رغم كل المضايقات، فراح يسقط علينا ما يعيشه هو من فشل وإحباط ويتمنى لنا السوء، والله حسبنا ونعم الوكيل.

سؤال:

هل تعتقدون أن الرؤى التي راجت حول 2006 قد خلقت بلبلة دفعت السلطات إلى تشديد الخناق عليكم؟

جواب:

لقد قلت لك قبيل قليل إن سياسة المخزن تجاه العدل والإحسان لم تتغير. وهي سياسة أقل ما يقال عنها إنها ظالمة وبكل المقاييس. وبالتالي فإنهم لن يكونوا بحاجة إلى المرائي لكي يشددوا الخناق علينا. ولو كانوا يقيمون لذلك وزنا لخافوا الله عز وجل واتقوه في هذا الشعب المقهور وكفّوا عن الظلم والطغيان. لذلك فإن اعتبار ما راج حول 2006 هو الذي كان السبب في ما تعرضنا له من ممارسات همجية قول لا يستقيم، بدليل ما عشناه على مدى خمسة وعشرين (25) عاما. وقد كانت تروج في كل مرة إشاعة تبرر لهذه الاعتداءات. فمرة قالوا إن تنظيم المخيمات بتلك الأعداد الغفيرة هو الذي أثار عليكم المخزن، ومرة قالوا إن خروجكم إلى الشواطئ لذلك الشكل هو الذي أدى إلى ما وصف آنذاك بحرب الشواطئ، ومرة زعموا أن الأبواب المفتوحة هي التي استفزت السلطة، والآن نسمع بأن الرؤى هي التي دفعت النظام لكي يشدد علينا الخناق. وهذا كله كلام فارغ لا معنى له. والسؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: هل ارتكبنا شيئا يُجرمه القانون أم لا؟ أما أن نردد ما تروج له السلطات المخزنية وحلفاؤها من تراهات لتبرير قمعها، فهذا غير مقبول وليس من الإنصاف في شيء.

سؤال:

ألا تعتقدون أن عدم تحقق ما بشرتم به قد مس بمصداقيتكم لدى أنصاركم أولا قبل بقية الناس؟

جواب:

هل مصداقيتنا بهذه الهشاشة بحيث تتأثر بأي شيء حتى وإن لم يكن له وجود إلا في خيال البعض؟ وهل التماسك الذي تنعم به الجماعة بفضل الكريم الوهاب والذي حافظت عليه طيلة هذه السنوات العجاف من القمع والاضطهاد سيهتز اليوم لقضية هي غير مطروحة أصلا؟ ثم إنني أتساءل ما الذي بشرنا به ولم يتحقق أو وقع خلافه؟ هل انتهى التاريخ وتوقف الزمان؟ هل يتصور عاقل أن نظام القهر والحيف سيستمر إلى ما لا نهاية؟ منطق التاريخ يرفض هذا، وشواهد الواقع القريبة منا زمانا والبعيدة تأبى ذلك. وقبل هذا وذاك فنحن مؤمنون بالله واليوم الآخر ومصدقون بما وعد به ربنا عز وجل وأخبرنا به نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه. وقد وعد بالنصر والتمكين لعباده الصالحين وأخبر بأن العاقبة للمتقين. نسأل الله أن نكون منهم. لذلك فإننا نعتقد جازمين بأن الإسلام آت آت آت، لاشك في ذلك، وأن الاستبداد وحكم الطاغوت إلى زوال إن عاجلا أو آجلا. فهذا ما بشرنا به ثقة في المولى عز وجل ولا نزال والله لا يخلف الميعاد.

سؤال:

إذا كنتم قادرين على تأويل عدم تحقق رؤى 2006 وسط أنصاركم، فكيف ستقنعون بقية الناس؟

جواب:

تقول “إذا كنتم قادرين على تأويل رؤى 2006″ وكأن الأمر يتطلب دهاءا وشطارة يحتكرها المسؤولون في الجماعة بينما من أسميتهم بـ”الأنصار” يجوز عليهم كل شيء! لا يا أخي إن الحديث بهذا الشكل فيه، وإن لم تقصد ذلك، نوع من الاستخفاف بكرامة الآخرين وبذكاء المئات من الكفاءات العالية التي تزخر بها جماعة العدل والإحسان. إن الإخوة والأخوات في الجماعة ليسوا من الغباء بحيث يصفقون لكل ما تقول. ولحسن الحظ، بل من بديع صنع الله، أن هذه الرؤى التي يبدو أنها شغلت بعض الناس لم تكن كما قلت من قبل صادرة عن المسؤولين في الجماعة ولا حتى الأستاذ المرشد حفظه الله، خلافا لما يروجه بعض الأفاكين الذين يتحدثون لمزا عن (رؤيا ياسين) وهو لم يحك قط رؤيا لا عن 2000 ولا 2006 ولا 2010. نحن ليست لدينا أية قضية حول الرؤى إنما الإشكال عند آخرين، أما أعضاء الجماعة فإنهم يعرفون الموضوع جيدا وليسوا بحاجة إلى من يقنعهم لأنهم ليست عندهم مشكلة أصلا بهذا الخصوص. ويكفي أن ترجع إلى أي تفسير من تفاسير القرآن العظيم المعتبرة أو إلى دواوين السنة المطهرة، أو مصنفات أعلام الإسلام لترى بنفسك كيف تحدثوا عن موضوع الرؤيا وماذا قالوا في تأويلها وأقسامها وتوقيتها وكل ما يتعلق بها من آداب. أما كيف سنقنع الناس، فنحن لسنا ملزمين بإقناع أي أحد. نحن ندل على مصادرنا ليُعلم أننا لم نأت بجديد ولم نبتدع شيئا لم يكن في الدين. وإنما نحاول أن نقتفي خطى الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم ونحتفي بالرؤيا كما كان يحتفي بها وننزلها المكانة التي تليق بها، ولا علينا إن استهزأ الآخرون أو سخروا أو كذبوا، فالأمر يعنيهم لا يعنينا. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

سؤال:

ما هي إستراتيجية الجماعة في التعامل مع السلطة في المرحلة المقبلة، وهل لديكم استعداد للدخول في مفاوضات معها مثلما حصل في السابق؟

جواب:

سنواصل عملنا وفق ما أقرته مؤسسات الجماعة من دائرة سياسية وتنظيم من برامج، محتسبين لله ما يصيبنا في هذه السبيل. وسنواصل الضغط بكل الوسائل الممكنة والمشروعة من أجل نيل حقوقنا كاملة، لا نستخذي ولا نستجدي من أجل ذلك أحدا، إنما نلتمس العون والتأييد من العلي القدير قاسم الجبارين الذي يمهل الظالم ولا يهمل. أما المفاوضات فقد قلت في أكثر من مناسبة إن النظام يساوم ولا يفاوض، ويستدرج المعارضين لذبحهم سياسيا وليس من أجل الوصول إلى حلول مرضية للمشاكل المطروحة. فالمفاوضات في منظور الحاكمين عندنا تعني الضعف وهم يرون أنهم أقدر وأقوى من كل الأنظمة الاستبدادية التي مرت على وجه الأرض. والعقلية التي كانت وراء المفاوضات الفاشلة التي أشرت إليها لا زالت هي المتحكمة وهي المهيمنة على دواليب الحكم ومراكز القرار، وبالتالي فإن أي حديث عن المفاوضات مع النظام لا معنى له ولا أمل فيه في الظروف الراهنة وفي ظل الشروط القائمة.