يا واسع الإحسان يا من خيـره *** عم الورى ولا ينـادى غيــره

يا منقذ الغـرقى ويــا حنـان *** يا منجي الهلكى ويــا منــان

ضاق النطاق يا سميـع يا مجيب *** عز الدواء يا بصير يا قريـب

وقد مددنــا ربـنا الأكفـــا *** ومنك ربنا رجــونا اللطفــا

ألطف بنا لما بـه قضيتــــا *** ورضـنا لما به رضيـتـــا

وأبدل اللهـم حال العســـر *** باليسر وأمددنا بريــح النصـر

وصل يا رب على المختـــار *** صلاتك الكاملة المــــقدار

صلاتك التي تفي بأمـــــره *** كما يليق بارتفاع قــــدرهفاللهم صل وسلم وبارك على شفيع الأمة، كاشف الغمة القائل في حديثه الشريف: “ألا أدلكم على دائكم ودوائكم، ألا إن داءكم الذنوب ودواءكم الاستغفار”، والقائل أيضا: “ما ينزل بلاء من السماء إلا بالذنوب، ولا يرفع إلا بالتوبة”.

فسبب ما أصابنا من البلاء والضيق والضنك وقلة الأمطار هو كثرة الذنوب والمعاصي، وعدم العمل بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.

قال تعالى: – “وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير” (الشورى 28)

– “ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد” (آل عمران 182)

– “فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم”. (النور 61)

وقد شهد أحد المشركين “لوثروب ستودارد” في كتابه “حاضر العالم الاسلامي” فقال:

“لو قام محمد صلى الله عليه وسلم من قبره ورآى كم بدل أ تباعه دينه لاحمر وجهه غضبا، ولعن كل من شارك في تلك البدع”.(1)

لقد خالفنا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبارزنا الحق سبحانه وتعالى بالمعاصي، فظهرت المنكرات وفشا الحرام.. وساد العري والفاحشة، وأصبح الخمر يباع كما يباع الحليب، وتطاول الأقزام على المقدسات طلبا للشهرة والصيت، وانتشرت الرشوة، وطفف المكيال، وأخسر الميزان.

فما أصبنا إلا بما كسبنا، وما منعنا القطر إلا بما ارتكبنا، قال عليه الصلاة والسلام: “ما ظهر الربا والزنا في قوم إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله”، وقال عليه الصلاة والسلام: “خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، ولا ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا المكيال والميزان إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر”.

إن صلاة الاستسقاء سنة مؤكدة، قام بها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وسار على نهجه الخلفاء الراشدون وأئمة المسلمين. وهي واجب ينبغي ألا ينساه كل من يعلم أنه عبد خاضع مملوك لله تعالى، لكن تبقى خداجا منقوصة إذا لم تردفها توبة عظمى نصوح يرجع بها العبد إلى ربه، معترفا بذنوبه، مستغفرا، منكسرا، نادما، ضارعا، سائلا عفوه ورحمته. ويرد المظالم إلى أهلها، ويجدد النية والعزم على العمل بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام.

هذه التوبة الكبرى سماها الشيخ عبد القادر الجيلاني انقلابا أو قلب دولة: يقلب الإنسان دولة نفسه فيحكم فيها الشرع لا الهوى، يقول رحمه الله: “توبوا بقلوبكم ثم بألسنتكم، التوبة قلب دولة، تقلب دولة نفسك وهواك وشيطانك وأقرانك السوء، إذا تبت قلبت سمعك وبصرك ولسانك وقلبك وجميع جوارحك، وتصفي طعامك من كدر الحرام والشبهة، وتتورع في بيعك وشرائك، وتجعل كل همك مولاك عز وجل”.(2)

فلا يرفع البلاء إلا بالتوبة. قال تعالى: “وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه” (الجن 16).

وروى الإمام أحمد والحاكم في المستدرك، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الحديث القدسي: “لو أن عبادي أطاعوني، لأسقيتهم المطر ليلا ولأطلعت عليهم الشمس بالنهار، ولما أسمعتهم صوت الرعد”.

وخير ما نعتبر به ما جاء في الأثر: أن بني إسرائيل في زمن موسى عليه السلام، انقطع عنهم الغيث حتى احترق النبات وهلك الحيوان، فخرج موسى عليه الصلاة والسلام في بني إسرائيل، وكانوا سبعين رجلا من نسل الأنبياء مستغيثين إلى الله تعالى، قد بسطوا أيدي صدقهم وخضوعهم وقربوا قربان تذللهم وخشوعهم ودموعهم تجري على خدودهم ثلاثة أيام، فلم يمطر لهم. فقال موسى اللهم أنت القائل: “ادعوني أستجب لكم” وقد دعوتك وعبادك على ما ترى من الفاقة والذل، فأوحى الله تعالى إليه: “يا موسى إن فيهم من غداؤه حرام وفيهم من يبسط لسانه بالغيبة والنميمة وهؤلاء استحقوا أن أنزل عليهم غضبي، وأنت تطلب لهم الرحمة. كيف يجتمع موضع الرحمة وموضع العذاب ؟. فقال موسى: ومن هم يا رب حتى نخرجهم من بيننا؟. فقال الله تعالى: يا موسى لست بهتاك ولا نمام.. ولكن يا موسى توبوا كلكم بقلوب خالصة فعساهم يتوبوا معكم فأجود بإنعامي عليكم. فنادى منادي موسى في بني إسرائيل أن اجتمعوا فأعلمهم موسى عليه السلام بما أوحي إليه والعصاة يسمعون، فذرفت أعينهم ورفعوا مع بني إسرائيل أيديهم إلى الله عز وجل وقالوا: إلهنا جئناك من أوزارنا هاربين ورجعنا إلى بابك طالبين فارحمنا يا أرحم الراحمين. فما زالوا كذلك حتى سقوا بتوبتهم إلى الله تعالى.

فاللهم ارفع غضبك ومقتك عنا، واسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.

——————————–

(1) عوائق النهضة الإسلامية الجزء الأول: ص34.

(2) الفتح الرباني والفيض الرحماني سيدي القادر الجيلاني ص84.

(3) المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي ص554.