أسباب المغفرة في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً لأتيتك بقرابها مغفرة) رواه الترمذي (3540) وقال: هذا حديث حسن صحيح.

وقد تضمن حديث أنس أسباباً ثلاثة تحصل بها المغفرة:

– الأول: الدعاء مع الرجاء.

– الثاني: الاستغفار.

– الثالث: التوحيد.

وفيما يلي بيان هذه الأسباب بشيء يسير من التفصيل:

أولا: الدعاء مع الرجاء:

فإن الدعاء مأمور به، وموعود عليه بالإجابة، كما قال تعالى:{وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} غافر:60. وفي حديث النعمان بن بشير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدعاء هو العبادة) ثم تلا هذه الآية. رواه أحمد(4/267، 271، 276)، وأبو داود(1479)، والترمذي(2969)، والنسائي في الكبرى(11464)، وابن ماجة(3828)، وغيرهم.

وفي حديث آخر مرفوع:(من أعطي الدعاء أعطي الإجابة، لأن الله تعالى يقول:{اُدعوني أستجب لكم} جزء من حديث عن ابن مسعود في المعجم الصغير للطبراني(1022).

وفي حديث آخر:(ما كان الله ليفتح باب دعاء ويغلق باب إجابة، الله أكرم من ذلك) الكامل في الضعفاء لابن عدي(2/222) رقم(454)، لسان الميزان لابن حجر(2/248) رقم(1043)، الضعفاء للعقيلي(288).

لكن الدعاء سبب مقتضٍ للإجابة مع استكمال شرائطه وانتفاء موانعه، وقد تتخلف الإجابة لانتفاء بعض شروطه أو وجود بعض موانعه وآدابه، ومن أعظم شرائطه حضور القلب ورجاء الإجابة، والإلحاح بالدعاء بالمغفرة، مع رجاء الله تعالى موجب للمغفرة.

فمن أعظم أساب المغفرة أن العبد إذا أذنب ذنباً لم يرج مغفرته من غير ربه، ويعلم أنه لا يغفر الذنوب ويأخذ بها غيره.

ثانياً: الاستغفار:

ولو عظمت الذنوب وبلغت الكثرة عنان السماء  وهو السحاب كما في الحديث المتقدم.

والاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة هي وقاية شر الذنوب مع سترها، وقد ذُكر الاستغفار في القرآن مرات كثيرة، وكثيراً ما يقرنه الله بالتوبة، فيكون الاستغفار حينئذ عبارة عن طلب المغفرة باللسان، والتوبة عبارة عن الإقلاع عن الذنوب بالقلوب والجوارح ويجب أن يكون الاستغفار مقروناً بعدم الإصرار، وأفضل أنواعه ما بدأه العبد بالثناء على ربه تبارك وتعالى، ثم يسأل الله المغفرة والعفو كما في حديث سيد الاستغفار.

ثالثاً: التوحيد:

وهو السبب الأعظم، فمن فقده فقد المغفرة، ومن جاء به فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال الله تعالى :{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} النساء:48 . فمن جاء مع التوحيد بقراب الأرض  وهو ملؤها أو ما يقارب ملأها خطايا لقيه الله بقرابها مغفرة. لكن هذا مع مشيئة الله عز وجل، فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنة”.

التوبة والاستغفار من كتاب المنهاج النبوي للأستاذ المرشد عبد السلام ياسين ص:164 165:

قال: الإسلام رحمة، وبابها للعصاة والغافلين ومن يعلم الله عز وجل ما في قلوبهم من هذه الفئات المختلفة في مجتمعاتنا هو التوبة.

في انتظار أن يأتي الحكم الإسلامي بالرحمة الموعودة تحت ظل الخلافة على منهاج النبوة، يتهيأ جند الله، يتبوؤون فسحات رحمة الله، بالإقبال على مولاهم تبارك وتعالى.

وأول الإقبال توبة نصوح بشروطها، وهي العقد مع الله أننا رجعنا إليه نادمين، والإقلاع عما كنا فيه من الفواحش والعصيان، وترك الإصرار بعد رد المظالم إلى أهلها.

تنحل عقد الوارد، ويستوي عند المؤمن الشدة والرخاء، رضي بالله تعالى عندما يستحضر أن الله تعالى يفرح بتوبة عبده.

يجدد المؤمن التوبة إلى الله على كل أحيانه. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(يا أيها الناس توبواْ، فإني أتوب في اليوم مائة مرة) رواه مسلم والترمذي.

ويستغفر المؤمن ربه سبحانه في الأسحار، ويكثر من الاستغفار ويستعمل الصيغ الواردة، لا سيما سيد الاستغفار: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) قال:(من قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة). رواه البخاري والترمذي والنسائي.

هذا الدعاء عهد عند الله، روحه أن تكون موقناً به وحاضراً مع الله عند التضرع به.