يعد الأديب العالم والناقد المتذوق الرافعي واحدا من أفذاذ العلماء العرب والمسلمين في عصرنا الحديث الذين أسهموا بقسط وافر من الدراسات الأدبية والنقدية التي قامت حول قضية الإعجاز في القرآن الكريم.

ولم يكن غريبا من الرافعي أن يتصدى لهذا المجال العميق والدقيق من مجالات الدراسات الأدبية والنقدية التي دارت حول البيان القرآني المعجز، فهو الذي أمضى حياة حافلة في خدمة العربية وآدابها، والكتاب المبين الذي أنزل بلسانها، وهو الذي آلى على نفسه أن يكون لهذا الدين وكتابه القويم حارسه وحاميه.

وقد حدث أن نشرت إحدى الصحف مقالا لأحد الكتاب تناول فيه القرآن بسوء التأويل، فقال يخاطب صديقا له: من تراه يا بني يقوم لهذا الأمر إن سكت الرافعي؟ ثم جهر برده معلنا (تحت راية القرآن) بأن العربية لغة دين قائم على أصل خالد هو القرآن الكريم، وقد أجمع الأولون والآخرون على إعجازه بفصاحته، وأن فصاحة هذه اللغة ليست فقط في ألفاظها، ولكن في تركيب ألفاظها، كما أن الهزة والطرب ليست في النغمات ولكن في وجوه تأليفها، وهذا هو الفن كل الفن في الأسلوب، لأنه يرجع إلى الذوق الموسيقي في حروف هذه اللغة وأجراس حروفها … ومن ثم أخذ في إيضاح تلك النظرية الفنية الأسلوبية، التي تتميز بها العربية، والتي اختارها الله سبحانه لتكون خطابه إلى العالمين متمثلا في هذا القرآن العظيم.

وواضح أن كتاب الرافعي (إعجاز القرآن) لم يكن هو كل ما كتبه في مجال الدراسات الأدبية والنقدية التي قامت حول هذا الإعجاز، فقد بذل جهدا ليس بالقليل لكتابة مؤلفه في (أسرار الإعجاز) الذي أتم فصوله متحدثا فيه عن البلاغة العربية وعن بلاغة القرآن وأسرار إعجازه، كما تناول في الفصل الأخير منه آيات من القرآن الكريم على أسلوب من التفسير، يبين سر إعجازها في اللفظ والمعنى والفكرة العامة، وقد نشر منها بعض الآيات المفسرة في (الرسالة) وانتشر بعضها الآخر في تضاعيف كتابه (وحي القلم). أما كتابه (أسرار الإعجاز) فلم يقدر له أن يطبع بعد أن عاجلت صاحبه يد المنون قبل أن يخرج الكتاب إلى الوجود (1).

منهج الرافعي في (إعجاز القرآن)لم يشأ الرافعي منذ أن بدأ كتابه (إعجاز القرآن) أن يطلق القول في هذا الإعجاز دون تحديد لمنهجه فيه، لذلك أشار في مقدمته إلى هذا المنهج الذي اتبعه، وكان مما قاله: “وبعد … فإننا سنقول في القرآن الكريم ما يتعلق بلغته ويتصل ببلاغته ويكشف من أوجه الإعجاز في ذلك، فإن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم، وإن القول فيه ما برح كثير المذاهب متعدد الجهات متصل الحدود، يفضي بعضها إلى بعض، إذ هو كتاب السماء إلى الأرض مستقرا وسمتودعا، وقد جاء بالإعجاز الأبدي الذي يشهد على الدهر ويشد عليه … بيد أنه لابد لنا من صدر نبتدئ به القول في تاريخه وجمعه وتدوينه وقراءاته، حتى تكون هذه سببا إلى الكلام في لغته وبلاغته ثم إعجازه في اللغة والبلاغة، لأن بعض ذلك يريد بعضه، ونحن نستعين الله ونستمده ونستكفيه”(2). ومن ثم خرج كتاب (إعجاز القرآن) للرافعي في ترتيب منظم، وتبويب منطقي، التزم به منذ المقدمة حتى نهاية الحديث عن الإعجاز، وما دخل بابا وانتهى منه إلا ليسلمه للذي يليه، حتى وصل إلى فكرته الأساسية في الإعجاز، وهي متمثلة في نظم القرآن، وإعجاز تأليفه، ثم أخذ يتدرج مع فكرة النظم هذه متتبعا الحروف وأصواتها إلى الكلمات وحروفها، إلى الجمل وكلماتها، حتى تأكد له بعد هذه الدراسات المتصلة غرابة الأوضاع التركيبية في القرآن الكريم بعد أن تجلت فيه تلك الروح التي أودعها الله آياته المحكمات، والتي لا يمكن أن يدرك كنهها أحد إلا الله وحده منزل القرآن..

معنى الإعجاز في نظر الرافعيوكان على الرافعي .. بعد أن استعرض ما قيل في وجوه الإعجاز من المتكلمين وغيرهم من العلماء أن يحدد حقيقة الإعجاز التي ارتضاها واطمأن إليها فقال: “أما الذي عندنا في وجه إعجاز القرآن وما حققناه بعد البحث .. أن القرآن معجزة بالمعنى الذي يفهم من لفظ الإعجاز على إطلاقه .. فالقرآن معجز في تاريخه دون سائر الكتب، ومعجز في أثره الإنساني، ومعجز كذلك في حقائقه، وهذه وجوه عامة لا تخالف الفطرة الإنسانية في شيء، فهي باقية ما بقيت، .. وإنما مذهبنا بيان إعجازه في نفسه، من حيث هو كلام عربي، لأننا إنما نكتب في هذه الجهة من تاريخ الأدب دون جهة التأويل والتفسير(3).

من هنا يبدو واضحا تعريف الرافعي لوجهته في محاولة للوقوف على حقيقة الإعجاز بما يتلاءم مع اتجاهه الأدبي، ولذا كانت مقدماته من قبل تمهيدا للحديث عن الأسلوب القرآني، وأن هذا الأسلوب هو مادة الإعجاز العربي في كلام العرب كله، وأن العرب لما ورد عليهم أسلوب القرآن رأوا ألفاظهم بعينها متساوقة فيما ألفوه من طرق الخطاب وألوان المنطق، غير أنهم ورد عليهم من طرق نظمه ووجوه تركيبه ونسق حروفه في كلماته، وكلماته في جملها، ونسق هذه الجمل في جملته ما أذهلهم عن أنفسهم من هيبة رائعة وروعة مخوفة، وخوف تقشعر منه الجلود(4).

فالنظم  ليس غير- هو مناط الإعجاز الذي اعتد به الرافعي، لأنه آية الجمال والجلال في هذا القرآن الكريم. وكذلك تناول موضوع النظم بالشرح والتحليل وجعله الفكرة الأساسية التي دار حولها في كتابه (إعجاز القرآن).

فكرة النظم في دراسة الرافعيمع اعتراف الرافعي بأنه ليس أول من قال بفكرة النظم في إعجاز القرآن، إلا أنه كان حريصا على أن يتناول هذه الفكرة من وجهة نظره ومن حيث أدركها وتذوقها، ولذلك تجده يقول: “والكلام بالطبع يتركب من ثلاثة: حروف هي من الأصوات، وكلمات هي من الحروف، وجمل هي من الكلم .. وقد رأينا سر الإعجاز في نظم القرآن يتناول هذه كلها بحيث خرجت من جميعها تلك الطريقة المعجزة التي قامت به، فليس لنا بد في صفته من الكلام في ثلاثيتها جميعا”(5).

ومن هذا المنطلق بدأ الرافعي في شرح حقيقة الإعجاز في البيان القرآني من وجهة نظره، وبالشكل الذي حدد به طريقته، بما يخالف طرائق السابقين الذين رأوا في دقة النظم  بشكل عام- المظهر الرائع في الإعجاز، وبخاصة ما رآه عبد القاهر الجرجاني من قبله في هذا المجال.

ولعله من هنا يتضح أن الرافعي قد عالج فكرة النظم على أساس أن له فيها فهما خاصا أدق وأشمل مما كان يراه عبد القاهر.

فالرافعي مثلا لم يحصر فكرة النظم في توخي قواعد النحو مثل عبد القاهر الذي قال: “واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو وتعمل على قوانينه وأًوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها”(6).

كذلك عني الرافعي كبير العناية بالعلاقة بين الحروف أنفسها وما قد تدل عليه من المعاني، بينما لم يولها عبد القاهر العناية نفسها، وقد تجلى ذلك عندما أشار عبد القاهر إلى أن نظم الحروف هو تواليها في النطق فقط من غير أن يكون هذا النظم ناشئا عن معنى اقتضاه، فلا صلة عنده إذن بين الكلمة الواحدة ومعناها، فضلا عن أن يكون للحرف نفسه صلة بالمعنى، فلو أن واضع اللغة كان قد قال (ربض) مكان (ضرب) لما كان في ذلك ما يؤدي إلى فساد … وأما نظم الكلام فليس الأمر فيه كذلك، لأنك تقتفي في نظمها آثار المعاني وترتيبها على حساب ترتيب المعاني في النفس، فهو إذن نظم يعتبر فيه حال المنظوم بعضه مع بعض، وليس هو النظم الذي معناه ضم الشيء إلى الشيء كيفما جاء واتفق”(7).

لذلك كانت نظرة الرافعي إلى النظم أدق وأشمل، حيث نظر مبتدئا من الحروف وأصواتها، وما قد تدل عليه هذه الحروف ذاتها من معنى متصل بها، ثم تنقل الرافعي مع هذا النظم إلى الكلمات وحروفها، ثم إلى الجمل وكلماتها، ليصل من وراء ذلك كله إلى غرابة الأوضاع التركيبية في نظم القرآن كله.

ولعله من الإنصاف هنا أن نقول: “إن ابن سنان الخفاجي المتوفى سنة 466هـ قد سبق بالحديث عن الحروف وأصواتها، والكلمات وحروفها ثم عن الكلام المؤلف وموسيقى التركيب .. إلا أنه قد أخذ عليه تداخل المعلومات فيما يتصل بهذا الموضوع إضافة إلى عدم ترتيب الأفكار فيه، فهو يتكلم مثلا عن الحروف ثم يعقبها بالكلمات ثم يعود إلى تقسيم الحروف، وفي الحديث عن تآلف الكلمات يدخل فيها الحديث عن الصور البيانية كحسن الاستعارة وحسن الكناية وغير ذلك(8).

أما تناول الرافعي لفكرة النظم كما رآها، فقد كان تناولا مرتبا وموضوعيا ومنطقيا، ممزوجا لدراسة تطبيقية على نماذج متنوعة من التعبير البياني في القرآن الكريم، في محاولة لإبراز معالم الجمال والكمال المعجز في آيات الله المحكمات.

كذلك إذا كان عبد القاهر قد عني في نظريته بالكلمة المفردة قبل أن تدخل في تركيب إلا بقدر ما تكون مألوفة غير مبتذلة ولا ثقيلة في اللسان، فلعله رأى ذلك لأن الإعجاز في نظره لا يرجع إلى تلك الكلمة المفردة، لن جميع ما في القرآن من ألفاظ قد نطق بها العرب، وأن القرآن لم يأت منها بجديد يجهلونه، وإنما الجديد الذي أعجزهم هو تأليفها ونظمها، ولهذا انصرف إلى النظم بمعناه الذي ارتضاه.

أما الرافعي، فقد عني أيضا بالكلمة المفردة في النظم، ولعل منشأ تلك العناية ما كان يستشعره من أن القرآن الكريم كما هو معجز في نظمه وتركيبه، فهو معجز أيضا في إيحائه وتصويره، وقد تكون الكلمة الواحدة من الجملة، أو الحرف الواحد من الكلمة أبلغ في الإيحاء والتصوير من تركيب متعدد الكلمات والجمل، وتلك هي الروعة البالغة في الإعجاز.

من هنا كانت عناية الرافعي بالنظم في مفهومه الأدق والأشمل عنده عندما رأى في الكلمة الواحدة، وما قد يوحي به الجرس في تركيب حروفها من دلالات متصلة بحكاياتها للمعنى من قوة أو ضعف، الأمر الذي يعطيها إيحاء معينا وبريقا خاصا له أثره البالغ في النفوس، ومن أجل ذلك قامت دراسته لهذه الفكرة على أساس تلك الأمور الثلاثة معا:

أ- الحروف وأصواتها.

ب- الكلمات وحروفها.

ج- الجمل وكلماتها.

وكانت تلك الدراسة الواعية الدقيقة التي تنم عن مدى التذوق الأدبي والفهم الذكي من جانب الرافعي لهذه العربية بحروفها وأصواتها وجمالها وروعة إيحائها ودقة تصويرها .. تلك العربية التي اختارها الله تعالى لتكون لسان كتابه المحكم والحكيم.

(أ) الجانب التطبيقي على فكرة النظم عند الرافعي:

أما عن الجانب التطبيقي، فقد بدأ الرافعي تفصيله كتوضيح فكرته بدراسة هذا النظم أولا في الحروف وأصواتها، ذلك لأن الحروف بما يصدر عنها من أصوات تعد المادة الأولى للتركيب اللغوي، ومن ثم نراه يبين أن وضع الحروف ذاتها في كلماتها قد استلفت أذهان العرب  إذ أنهم لما قرئ عليهم القرآن رأوا حروفه في كلماته، وكلماته في جمله ألحانا لغوية رائعة، كأنه لائتلافها وتناسبها قطعة واحدة، قراءتها هي توقيعها وإيقاعها، فلم يفهم هذا المعنى، وأنه أمر لا قبل لهم به، وكان ذلك أبين في عجزهم، حتى إن من عارضه منهم  كمسيلمة- جنح في خرافاته إلى ما حسبه نظما موسيقيا أو بابا منه، وكأنه فطن إلى أن الصدمة الأولى للنفس العربية إنما هي في أوزان الكلمات وأجراس الحروف دون ما عداها، وليس يتفق ذلك في شيء من كلام إلا بأن يكون وزنا من الشعر أو السجع.

وللتأكد من صحة هذه الدعوى يضع الرافعي بين أيدينا ميزانا دقيقا وعلميا في الوقت ذاته، إذ يدعو إلى تناول أي قطعة مما أبدعه فصحاء العرب في نثرهم وترتيلها على طريقة التلاوة في القرآن ما تراعى فيه أحكام القراءة وطرق الأداء، فلابد والحالة هذه من الإحساس بالفارق الكبير بين النظم والنظم، بل لابد من الشعور بالنقص الكبير في كلام البلغاء وانحطاطه في ذلك عن رمتبة القرآن، بل وأكثر من هذا، فإن محاولة الترتيل والتحسين لما يتناول من كلام البلغاء تذهب رونقه وجماله  وحسبك بهذا اعتبارا في إعجاز النظم الموسيقي في القرآن، وأنه مما لا يتعلق به أحد، ولا يتفق على ذلك الوجه الذي هو فيه إلا فيه .. لترتيب حروفه باعتبار من أصواتها ومخارجها ومناسبة بعض ذلك لبعضه مناسبة طبيعية في الهمس والجهر والشدة والرخاوة والتفخيم والترقيق وغير ذلك من صفات الحروف.

وليس يخفى أن مادة الصوت هي مظهر الانفعال النفسي، وأن هذا الانفعال بطبيعته إنما هو سبب في تنويع الصوت بما يخرجه فيه مدا أو غنَّة أو لينا أو شدة، وبما يهيئ له من الحركات المختلفة في اضطرابه وتتابعه على مقادير تناسب ما في النفس من أصولها، ثم هو يجعل الصوت إلى الإيجاز والاجتماع، أو الإطناب والبسط بمقدار ما يكسبه من الحدة والارتفاع والاهتزاز وبعد المدى ما هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى.

وما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلا صورة تامة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى وهي متفقة مع آياتها في قرار الصوت اتفاقا عجيبا، يلائم نوع الصوت والوجه الذي يساق عليه بما ليس وراءه في العجب مذهب. وهذه هي طريقة الاستهواء الصوتي في اللغة وأثرها طبيعي في كل نفس .. ولو نزل القرآن بغيرها لكان ضربا من الكلام البليغ الذي يطمع فيه أو في أكثره. ولكنه انفرد بهذا الوجه المعجز فتألفت كلماته من حروف لو سقط واحد منها أو أبدل بغيره أو أقحم معه حرف آخر لكان ذلك خللا بينا أو ضعفا ظاهرا في نسق الوزن وجرس النغمة وفي حس السمع وذوق اللسان(9).

ولعل الرافعي بهذا الكلام يعد أول من أثار فكرة الإعجاز بالنظم من طريق الإيقاع الصوتي للآيات المحكمات، وهو ذلك الإعجاز النابع من دقة الالتئام والتناسق بين كل من الحروف في كلماتها، والكلمات في جملها، والجمل في تراكيبها على نحو لا شبيه له ولا نظير.

(ب) الكلمات وحروفها (في دراسة الرافعي التطبيقية):

ومع انتقال الرافعي إلى هذه المرحلة في النظم نجده لا يزال على صلة بالتركيب الحرفي للكلمة، ومن ثم يشير إلى الإيقاع الصوتي للحروف وما قد يوحي به من معان ويشير إليه من دلالات لها في النفس والحس معا أعظم التأثير، ويقرر أنه لما كان الأصل في نظم القرآن أن تعبر الحروف بأصواتها وحركاتها ومواقعها من الدلالة المعنوية، استحال أن يقع في تركيبه ما يسوغ الحكم في كلمة زائدة أو حرف مضطرب أو ما تجري مجرى الحشو والاعتراض كما تجد من كل ذلك في أساليب البلغاء(10).

ثم يتحدث عن العلاقة الدقيقة بين المعنى ولفظه بما يصدر عنه من صوت الحروف فيه، فيقول: “لا جرم أن المعنى الواحد يعبر عنه بألفاظ لا يجزئ واحد منها في موضعه عن الآخر إن أريد به شرط الفصاحة، لأن لكل لفظ صوتا ربما أشبه موقعه من الكلام ومن طبيعة المعنى الذي هو فيه، والذي تساق له الجملة، وربما اختلف وكان غيره بذلك أشبه(11).

وبهذا يمهد الرافعي لبيان أهمية الكلمة القرآنية ووضعها في محلها اللائق بها، بعد أن بين الدقة في وضع الحروف فيها بما يتناسب والمعنى المراد.

ويجيء دور الأمثلة التي يوضح بها الرافعي ما يريد تقريره فيقول: “ولو تدبرت ألفاظ القرآن في نظمها لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجيء في الوضع والتركيب مجيء الحروف أنفسها فيما هي له من أمر الفصاحة، ويهيئ بعضها لبعض، ويساند بعضها بعضا، ولن تجدها إلا مؤتلفة مع أصوات الحروف مساوقة لها في النظم الموسيقي، حتى إن الحركة ربما كانت ثقيلة في نفسها لسبب من أسباب الثقل، فلا تعذب ولا تستساغ، فإذا هي استعملت في القرآن رأيت لها شأنا عجيبا، ورأيت أصوات الأحرف والحركات التي قبلها قد امتهدت لها طريقا في اللسان واكتنفتها بضروب النغم الموسيقي حتى إذا خرجت فيه كانت أعذب شيء وأرقه، وجاءت متمكنة في موضعها وكانت لهذا الموضع أولى الحركات بالخفة والروعة.

من ذلك لفظة “النُذُر” جمع نذير، فإن الضمة ثقيلة فيها لتواليها على النون والذال معا فضلا عن جسأة هذا الحرف ونبوِّه في اللسان وخاصة إذا جاء فاصلة الكلام، لكل ذلك مما يكشف عنه ويفصح عنه موضع الثقل فيه، ولكنه جاء في القرآن على العكس وانتفى من طبيعته في قوله تعالى: “ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر” فتأمل هذا التركيب وتذوق مواقع الحروف، وأجر حركاتها في حسن السمع، وتأمل مواضع القلقة في دال (لقد) وفي الطاء من (بطشتنا) وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو (تماروا) مع الفصل بالمد كأنه تثقيل لخفة التتابع في الفتحات إذا هي جربت على اللسان ليكون ثقل الضمة عليه مستخفا بعد، ولتكون هذه الضمة قد أصابت موضعها، ثم ردد نظرك في الراء من (تماروا) فإنها ما جاءت إلا مساندة لراء (النذر) حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه، انتهى إليها من مثلها، فلا تجف عليه ولا تغلظ ولا تنبو فيه، ثم اعجب لهذه الغنة التي سبقت الطاء في نون (أنذرهم) وفي ميمها، وللغنة الأخرى التي سبقت الذال في (النذر)(12).

وقد وردت في القرآن ألفاظ هي أطول الكلام عدد حروف ومقاطع مما يكون مستقلا بطبيعة وضعه أو تركيبه، ولكنا بتلك الطريقة التي أومأنا إليها قد خرجت في نظمه مخرجا سويا، فكانت من أحضر الألفاظ حلاوة وأعذبها منطقا وأخفها تركيبا، وإذ تراه قد هيأ لها أسبابا عجيبة من تكرار الحروف وتنوع الحركات، فلم يجرها في نظمه إلا وقد وجد ذلك فيها كقوله تعالى: “ليستخلفنهم في الأرض” فهي كلمة واحدة من عشرة أحرف وقد جاءت عذوبتها من تنوع مخارج الحروف ومن نظم حركاتها، فإنها بذلك صارت في النطق كأنها أربع كلمات، إذ تنطق على أربعة مقاطع، وقوله تعالى: “فسيكفيكهم الله” فإنها كلمة من تسعة أحرف وهي ثلاثة مقاطع وقد تكررت فيها الياء والكاف، وتوسط بين الكافين هذا المد الذي هو سر الفصاحة في الكلمة كلها.

وفي القرآن لفظة غريبة هي أغرب ما فيه، وما حسنت في كلام قط إلا في موقعها منه، وهي كلمة (ضيزى)  أي جائرة- من قوله تعالى: “تلك إذا قسمة ضيزى” ومع ذلك فإن حسنها في نظم الكلام من أغرب الحسن وأعجبه، ولو أدرت اللغة عليها ما صلح لهذا الموضوع غيرها، فإن السورة التي هي منها وهي سورة النجم مفصلة كلها على الياء، (والتي تنطق ألفا مقصورة) فجاءت الكلمة فاصلة من الفواصل، ثم هي في معرض الإنكار على العرب، إذ وردت في ذكر الأصنام وزعمهم في قسمة الأولاد، فإنهم جعلوا الملائكة والأصنام بنات لله، مع وأدهم البنات. فقال تعالى: “ألكم الذكر وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى” فكانت غرابة اللفظ أشد الأشياء ملاءمة لغرابة هذه القسمة الجائرة التي أنكرها القرآن عليهم، وكانت الجملة كلها كأنها تصور في هيئة النطق بها الإنكار في الأولى والتهكم في الأخرى، وكان هذا التصوير أبلغ ما في البلاغة، وخاصة في اللفظة الغريبة التي تمكنت في موضعها من الفصل ووصفت حال المتهكم في إنكاره، وجمعت إلى كل ذلك غرابة الإنكار بغرابتها اللفظية.

وإن تعجب فعجب نظم هذه الكلمة الغريبة وائتلافها على ما قبلها إذ هي مقذعان، أحدهما جدّ ثقيل والآخر خفيف، وقد جاءت عقب غنتين في “إذن” و”قسمة” وإحداهما خفيفة حادة، والأخرى ثقيلة متفشية فكأنها بذلك ليست إلا مجاوبة صوتية لتقطيع موسيقي(13).

وبهذا يبين الرافعي أهمية الكلمة القرآنية في ذاتها لدقة التركيب الحرفي فيها من ناحية، ولدورها الذي تؤديه في المعنى العام من ناحية أخرى. ولعل من أهم ما تناوله في هذا التحليل ذلك الجانب التأثيري للألفاظ القرآنية، وحتى ما قد يبدو منها غريبا، فإن هذه الغرابة لا تحسن إلا في موضعها، ولا يكون حسنها على غرابتها إلا لأنها تؤكد المعنى الذي سبقت له كما تصوره بلفظها وهيئة منطقها، فكأن في تأليف حروفها معنى حسيا،وفيت أليف حروفها معنى حسيا، وفي تأليف أصواتها معنى مثله في النفس.

(ج) الجمل وكلماتها:

وتأتي ثالثة المراحل في دراسة الرافعي التطبيقية، وهي المرحلة الأخيرة من مراحل النظم عنده، والتي تتمثل في الجمل وكلماتها ويقدم الرافعي لتلك المرحلة بحديث عام عن الجملة فيشير إلى أنها هي مظهر الكلام، وهي الصورة النفسية للتأليف الطبيعي، إذ يحيل بها الإنسان هذه المادة المخلوقة في الطبيعة إلى معاني تصورها في نفسه، أو تصفها حتى ترى النفس هذه المادة المصورة وتحسها (14).

ثم يأخذ الرافعي في عرض مراتب النظم في الكلام البليغ حتى يصل إلى مرتبة النظم في القرآن الكريم قائلا: “فإذا بعد الكلام وأمعن حتى يكون بدقائق تركيبه وطرق تصويره كأنما يفيض النفس على الحواس إفاضة، ويترك هذا الإنسان من الإحساس به كأنه قلب كله، ثم يبلغ من ذلك إلى أن يكون روح لغة كاملة، وبيان أمرة برمتها لا يحيله الزمن عن موضعه، ولا يقلبه عن جهته، وإلى أن يجعل البلغاء على تفاوتهم فيما بينهم، وعلى اختلاف عصورهم وأسبابهم المتلاحقة، كأنهم معه طبقة واحدة وفي طوق واحد من العجز، يعنيهم طلبه، ويعنتهم إدراكه، ويعرفون تركيبه، ثم لا يجدون له مأتى من النفس ولا وجها من القدرة. فذلك هو الكلام المعجز.

وإنما اطرد ذلك للقرآن من جهة تركيبه الذي انتظم أسباب الإعجاز من الصوت في الحرف إلى الحرف في الكلمة إلى الكلمة في الجملة، حتى يكون الأمر مقدرا على تركيب الحواس النفسية في الإنسان تقديرا يطابق وضعها وقواها وتصرفها، وذلك إيجاد خلقي لا قبل للناس به، ولم يتهيأ إلا في هذه العربية على طريق المعجزة التي لا تكون معجزة حتى تخرق العادة وتفوت المألوف وتعجز الطوق”(15).

أما عن هذا الوضع العجيب للألفاظ القرآنية في جملها إلى أن اكتملت الآيات كلها على هذا النمط من النظم فيقول الرافعي: “فأنت ما دمت في القرآن حتى تفرغ منه لا ترى غير صورة واحدة من الكمال وإن اختلفت أجزاؤها في جهات التركيب ومواضع التأليف وألوان التصوير وأغراض الكلام، كأنها تفضي إليك جملة واحدة حتى تؤخذ بها .. وذلك أمر متحقق في القرآن: يقرأ الإنسان طائفة من آياته، فلا يلبث أن يعرف لها جهة من الحسن ترافد ما بعدها وتمده، لا تزال هذه الصفة في لسانه ولو استوعب القرآن كله(16).

على أن الرافعي بعد جهده في إبراز هذا النظم القرآني الذي يجري على استواء واحد في تركيب الحروف باعتبار من أصواتها ومخارجها، والذي يتجلى كذلك في تمكينه للمعنى بحس الكلمة وصفتها، ثم الافتتان فيه بوضعه من الكلام … يقرر بعد هذا كله أن للنظم القرآني روحا خاصا انفرد به وجعل له ذلك الطابع الذي إذا التمس في غير القرآن لم يعثر عليه، وهي روح التركيب التي لم تعرف قط في كلام عربي غير القرآن، وبها انفرد نظمه وخرج مما يطيقه الناس.. ولولا تلك الروح لخرج أجزاء متفاوتة في مقدار ما بين المعاني التي اشتمل عليها ومواقعها في النفوس.

وإذا كان العرب قد أوجدوا اللغة مفردات فانية  على قول الرافعي- فقد أوجدها القرآن تراكيب خالدة، وأن لهذه اللغة معاجم كثيرة تجمع مفرداتها وأبنيتها، ولكن ليس لها معجم تركيبي غير القرآن(17).

وبالوصول إلى غرابة هذا الوضع التركيبي بما أضفى إليه من روح إلهي ينهي الرافعي دراسته لإعجاز القرآن في نظمه بعد أن رأى في القرآن الكريم  من وجهة نظره- المعجم التركيبي من الوجهة البلاغية حين عده الأصل في فنون البلاغة كلها، فما يكون في المنطق العربي نوع بليغ إلا هو فيه على أحسن ما يمكن أن يتفق على جهته في الكلام حتى إنك لو قابلت ما فيه من أمثلتها بأحسن ما استخرجه العلماء من جملة كلام العرب لأصبت فرق ما بين ذلك في سمو الطبيعة اللغوية وإحكام البيان وانتظام محاسنه، كالفرق الذي تكشفه المقابلة ما بين النبوغ والتقليد .. ولله المثل الأعلى.

وإذا كان القرآن الكريم قد أنزله الله آيات محكمات تخاطب العقول لتدرك، والقلوب لتستيقن، فإنه لم يسق تلك الآيات مساق المنطق في إثبات الحجج والبراهين، وإنما هي الطريقة النفسية المؤثرة التي تكمن دائما وراء روعة الأسلوب في القرآن.

ولعل هذا ما أراد الرافعي أن يختم به رأيه في ذلك الإعجاز عندما قال: “وبقي سر من أسرار هذه البلاغة لا على طريقة المنطق  لأن هذه الطريقة المنطقية، تأتي على أوضاع وأقيسة معروفة مكررة يسترسل بعضها إلى بعض، يراد بها إلزام المخاطب ليتحقق المعنى الذي قام به الخطاب إلزاما بالعقل لا بالشعور، والسياق لا بطبيعة المعنى، ومن أجل ذلك تدخلها المكابرة وتتسع لها المغالطة، فرارا من الإلزام، وإن كان المعنى في نفسه واضحا مكشوفا والبرهان من طبيعته قائما معروفا.

أما طريقة البلاغة، والتي أوفى على الغاية منه القرآن، فإنما يراد بها تحقيق المعنى وأخذ الوجوه والمذاهب على النفس من أجزائه التي يتألف منها بعد أن تستوفي على جهتها في الكلام استيفاء يقابل ما يمكن أن تشعر به النفس من هذه الأجزاء حتى لا تصدف عنه، ولا تجد لها وجها غير القصد إليه، فيكون من ذلك الإلزام البياني الذي توحيه طبيعة المعنى البليغ وكان حتما مقضيا”(18).

من الدراسات التطبيقية حول الإعجاز البياني في مجال القصة القرآنية:

كان من الملاحظ أن كتاب (إعجاز القرآن) للرافعي لم يحفل بالأمثلة التطبيقية على غرار ما عهد في الدراسات القرآنية عند السابقين، ويبدو أن الرافعي كان قد خصص هذا الكتاب للدراسات النظرية الدالة على الإعجاز، ثم أعد كتابه الآخر الذي سبقت الإشارة إليه ليكون تطبيقا على ما قدمه في كتابه (إعجاز القرآن) ومن ثم حشد في اللفظ والمعنى والفكرة العامة وسماء (أسرار الإعجاز) تماما كما حاول عبد القاهر الجرجاني من قبل في كتابيه (دلائل الإعجاز) و(أسرار البلاغة) ولكن شاء الله ألا يبرز كتاب الرافعي في (أسرار الإعجاز) إلى الوجود. ومع أنها أمنية للرافعي لم يقدر لها أن تتحقق، إلا أننا وجدنا في تضاعيف كتبه ورسائله بعض ما كان ينوي إتمامه، ما يعد نموذجا لدراسة أدبية وافية يتغلغل من خلالها أعماق الأسلوب القرآني متتبعا أسراره وروائعه ودقائق الإعجاز فيه.

ولقد كانت مجلة (الرسالة) حقلا خصبا لمثل هذا النشاط الأدبي الذي قام به الرافعي فيما يختص بدراسته الفاحصة في أسرار الإعجاز، كما كان له مثل هذه الدراسات في موضوعات متميزة من كتابه (وحي القلم) وفي بعض رسائله الأخرى.

ومما هو جدير بالملاحظة أن الرافعي كان له فهم خاص لبعض المعاني القرآنية لم يصدر فيه عن متابعة أو تقليد، وإنما ينم عن شفافيته الخاصة وروحانيته الخالصة. كما ينم عن عظم إيمانه وقوة يقينه، وكان من وسائله فيما يتناول من آيات القرآن بالشرح والتحليل: أنه كان يمهد للمعاني القرآنية حتى يشاركه قارئه روحانيته وشفافيته، ويعيش معه في ظل هذا الإيمان العميق.

وإذا كانت تلك النماذج التطبيقية في دراسة الرافعي في مجال الإعجاز القرآني الكريم وأسرار بلاغته أكثر من أن نحصيها في هذا المقام .. فإنه يمكن الاستشهاد بنموذج واحد من نماذج تناوله لبعض آيات القصص القرآني حيث أفاض الرافعي في العرض والشرح بعد استلهامه روح النص واستشفافه إياه .. ومن تعليقه على أحد المواقف في قصة يوسف عليه السلام وفي قول الله تعالى: “وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون * ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين” (يوسف: 23-24).

فيقول .. عجبا للحب .. هذه ملكة تعشق فتاها الذي ابتاعه زوجها بثمن بخس، ولكن أين ملكها وسطوة ملكها في تصوير الآية الكريمة؟ لم تزد الآية على أن قالت: “وراودته التي هو في بيتها” إلخ .. و”التي” هذه الكلمة تدل على امرأة أيا كانت فلم يبق على الحب ملك ولا منزلة .. وزالت الملكة من الأنثى .. وأعجب من هذا كله كلمة “راودته” وهي بصفتها المفردة حكاية طويلة تشير إلى أن هذه المرأة تعترض يوسف بألوان من أنوثتها لون بعد لون، ذاهبة إلى فن راجعة من فن، لأن الكلمة مأخوذة من رودان الإبل في مشيتها، تذهب وتجيء في رفق، وهذا يصور حيرة المرأة العاشقة ومحاولتها أن تنفذ إلى غايتها، كما يصور كبرياء الأنثى إذ تختال وتترفق في عرض ضعفها الطبيعي، كأنما الكبرياء شيء آخر غير طبيعتها، فمهما تتهالك على من تحب وجب أن يكون لهذا الشيء مظهر امتناع أو مظهر تحير أو مظهر اضطراب، وإن كانت الطبيعة من وراء ذلك مندفعة ماضية مصممة، ثم قال “عن نفسه” ليدل على أنها لا تطمع فيه، ولكن في طبيعته البشرية، فهي تعرض ما تعرض لهذه الطبيعة وحدها، وكل الآية مصرحة في أدب سام كل السمو منزه غاية التنزيه، ثم قال: “وغلقت الأبواب” ولم يقل أغلقت وهذا يشعر أنها لما يئست ورأت منه محاولة الانصراف أسرعت في ثورة نفسها مهتاجة تتخيل القفل الواحد أقفالا عدة، وتجري من باب، وتضطرب يدها في الإغلاق كأنما تحاول سد الأبواب لا إغلاقها فقد “وقالت هيت لك” ومعناها في هذا الموقف أن اليأس قد دفع بهذه المرأة إلى آخر حدوده، فانتهت إلى حالة من الجنون بفكرتها الشهوانية، ولم تعد ملكة ولا امرأة، بل أنوثة حيوانية صرفة متكشفة مصرحة.

هذه ثلاثة أطوار يترقى بعضها من بعض، وفيها طبيعة الأنثى نازلة من أعلاها إلى أسفلها، فإذا انتهت المرأة إلى نهايتها ولم يبق وراء ذلك شيء تستطيعه أو تعرضه بدأت من ثم عظمة الرجولة السامية المتمكنة في معانيها، فقال يوسف “معاذ الله” ثم قال: “إنه ربي أحسن مثواي” ثم قال: “إنه لا يفلح الظالمون”، وهذه أسمى طريقة إلى تنبيه ضمير المرأة في المرأة، إذا كان أساس تنبيه ضميرها في كل عصر هو اليقين بالله، ومعرفة الجميل، وكراهة الظلم، ولكن هذا التنبيه المترادف ثلاث مرات لم يكسر من نزوتها، ولم يفتأ تلك الحدة، فإن حبها كان قد انحصر في فكرة واحدة، اجتمعت في كل أسبابها في زمن .. في مكان .. في رجل .. فهي فكرة محتبسة، كأن الأبواب منغلقة عليها أيضا، ولذا بقيت المرأة ثائرة في نفسها، وهنا يعود الأدب الإلهي السامي إلى تعبيره المعجز فيقول: “ولقد همت به” كأنما يومئ بهذه العبارة إلى أنها ترامت عليه وتعلقت به والتجأت إلى وسيلتها الأخيرة.

جاءت العاشقة في قضيتها ببرهان الشيطان الذي يقذف به في آخر محاولاته، وهنا يقع ليوسف عليه السلام برهان ربه، كما وقع لها برهان شيطانها، فلولا برهان ربه لكان هم بها. وهنا المعجزة الكبرى لأن الآية الكريمة تريد أن لا تنفي عن يوسف عليه السلام فحولة الرجولة حتى لا يظن به، ثم هي  أي الآية الكريمة- تريد من ذلك أن يتعلم الرجال وخاصة الشباب منهم كيف يتسامون بهذه الرجولة فوق الشهوات حتى في الحالة التي هي نهاية قدرة الطبيعة .. حالة ملكة فاتنة عاشقة متكشفة متهالكة .. هنا لا ينبغي أن ييأس الرجل  أو يستسلم- فإن الوسيلة التي تجعله لا يرى شيئا من هذا، هي أن يرى برهان ربه، وهذا البرهان يؤوله أي إنسان بما شاء، فهو كالمفتاح الذي يوضع في الأقفال كلها فيفضها كلها، فإذا مثل الرجل لنفسه في تلك الساعة أنه هو وهذه المرأة منتصبان أمام الله يراهما، وأن أماني القلب تهجس فيه ويظنها خافية إنما هي صوت عال يسمعه الله، وإذا تذكر أنه سيموت ويقبر، وفكر فيما يصنع الثرى في جسمه هذا، أو فكر في موقفه يوم تشهد عليه أعضاؤه بما كان يعمل، أو فكر في هذا الإثم الذي يقترفه الآن يكون مرده ومرجعه عليه في أخته أو ابنته  إذا فكر في ذلك كله أو نحوه رأى برهان ربه يطالعه فجأة فيرى برهان عينه، أترونه يتردى في الهاوية حينئذ أم يقف دونها وينجو؟ احفظا هذه الكلمة الواحدة التي فيها أكثر الكلام، وأكثر العظة، وأكثر التربية، والتي هي كالدرع في المعركة، بين الرجل والمرأة والشيطان كلمة “رأى برهان ربه”(19).

وسواء ما تحدث فيه الرافعي مباشرة عن إعجاز القرآن، أو ما بثه متفرقا في كتاباته الأدبية حول هذا الإعجاز، فقد كان له في كل ذلك فهم العالم وإخلاص المؤمن وتذوق الأديب، وكان هذا الذوق الفني الذي مُنحه هو الذي هيأه إلى فهم القرآن الكريم ومحاولة الوقوف على أسرار إعجازه في كل آية، وكل كلمة من آية، وكل حرف من كلمة، كما سبق القول في فكرة النظم عنده.

—————————-

(1) راجع: حياة الرافعي لمحمد سعيد العريان، ط3، ص23-33، ومصطفى صادق الرافعي للدكتور كما نشأت، ص7، تحت راية القرآن للرافعي ص16-18، رسائل الرافعي جمع وترتيب محمود أ[و رية، النقد الأدبي دراسات نقدية وأدبية حول إعجاز القرآن للدكتور صلاح الدين محمد عبد التواب، ج2، ص39-66.

(2) إعجاز القرآن، ص12.

(3) إعجاز القرآن، ص158

(4) المرجع السابق، ص149-190.

(5) المرجع السابق، ص219.

(6) دلائل الإعجاز، ص55.

(7) المرجع السابق، ص 35/ وراجع: عبد القاهر الجرجاني للدكتور أحمد بدوي، ص101، والنقد الأدبي، د. صلاح عبد التواب، ج2، ص44.

(8) راجع الفصاحة لابن سنان الخفاجي، ص19-24، 48-86، 108-155.

(9) إعجاز القرآن، ص222-229.

(10) المرجع السابق، ص235.

(11) المرجع السابق، ص240.

(12) المرجع السابق، ص240.

(13) سورة النجم، الآيتان 21-22، وراجع إعجاز القرآن، ص24.

(14) المرجع السابق، ص249.

(15) المرجع السابق، ص249.

(16) المرجع السابق، ص255.

(17) المرجع السابق، ص256-258.

(18) المرجع السابق، ص282.

(19) وحي القلم، ج1، ص115-118، ط المكتبة التجارية الكبرى بمصر.