الرافعي أديب إسلامي من طراز فريد، ولا شك أنه كان معنيا  إلى جانب كتاباته الأدبية والإبداعية- بالتنظير النقدي للأدب الإسلامي، وهو  وإن لم يذكر هذا المصطلح أو يستعمله- كان ينطلق من خلاله ويبدع وينقد من وحيه، فهو  من ثم- أحد رواده، والمنظرين له والداعين إليه.

وقد وقف الرجل  رحمه الله- جميع ما كتبه إبداعا ونقدا على ترسيخ أقدام “إسلامية” الأدب من ناحية، وعلى الرد على دعاة التغريب والعلمانية والمقلدين العُشْي لآداب الغرب  من غير تمييز ولا استبصار- من ناحية أخرى.

والرافعي أمة في واحد، والخوض في عالمه الأدبي والنقدي مثل الخوض في بحر متلاطم زخار، وهو يشبه الغوص في أعماق مليئة باللؤلؤ والمرجان، ومهما جهد المبحر في غوصة أو غوصتين فهل يستطيع أن يحمل إلا أقل القليل من هذا البحر الغني؟

يجتهد هذا المقال أن يتوقف عند وجه واحد من وجوه الرافعي الناقد، فيتحدث عن بعض ملامح الرؤية الإسلامية في نقده الأدبي.

ولأن هذه الملامح كثيرة وغنية، وقد يصلح استقصاؤها أن يكون موضوع أطروحة علمية جامعية، يتوقف هذا المقال  كما ذكرنا- عند بعض منها يدل بها على غيرها، ويشير بها إلى سواها، وذلك من خلال اختيار ثلاث قضايا نقدية، وبيان رؤية الرافعي الإسلامية لها، وهذه القضايا هي:

1- وظيفة الأدب

2- الشكل والمضمون

3- القديم والجديد

1- وظيفة الأدبلسنا في موطن تفصيل القول في كثير من الدعوات التي أرادت أن تجرد الآداب والفنون من أية وظائف دينية، أو خلقية، أو تربوية، وأن تجعلها فنا للفن، أو أدبا للأدب، لا تتوخى غير الإمتاع والإطراب ونشدان اللذة والجمال من غير غاية ولا هدف، إذ هي غاية في حد ذاتها.

ولا يمكن لواحد مثل الرافعي أن يتبنى هذا التصور وهو الأديب صاحب الرسالة، الذي يؤمن أن الكلمة مسؤولية، بل هي أمانة يحملها المؤمنون.

مضى الرافعي  مع إبداعه الأدبي- يؤكد في كتاباته النقدية على أنه لا يكتب إلا من وحي دين هذه الأمة ومثلها وأخلاقها، وهو  في إيمانه برسالة الأدب النبيلة- لا يكتب إلا ما يربي النفس، ويسمو بها إلى الفضائل، ويرفعها عن السفاسف والدنايا.

إن تعريف الأدب الذي يفهمه الرافعي  مستمدا من أسلوب القرآن الكريم، وأغراضه- ولا يرى تعريفا سواه، هو: “أن الأدب هو السمو بضمير الأمة”(1).

وكان الرافعي يتجه في إبداعه الأدبي هذه الوجهة، وجهة السمو بضمير الأمة كما ذكر، ولذلك نجده يقول:

“القبلة التي أتجه إليها في الأدب إنما هي النفس الشرقية في دينها وفضائلها، فلا أكتب إلا ما يبعثها حية ويزيد في حياتها وسمو غايتها، ويمكن لفضائلها وخصائصها في الحياة، ولذا لا أمس من الآداب كلها إلا نواحيها العليا، ثم إنه يخيّل إليّ دائما أني رسول لغوي بعثت للدفاع عن القرآن ولغته وبيانه..”(2).

إن الأدب لابد أن تكون له رسالة عليا يأرب بتحقيقها، وإن مصداقيته لتتوقف على عظمة هذه الرسالة ونبلها، يقول الرافعي:

“الغرض الأول للأدب المبين أن يخلق للنفس دنيا المعاني الملائمة لتلك النزعة الثابتة فيها إلى المجهول، وإلى مجاز الحقيقة، وأن يلقي الأسرار في الأمور المكشوفة بما يتخيل فيها، ويرد القليل من الحياة كثيرا وافيا بما يضاعف من معانيه…”(3).

إن وظيفة الأدب إذن هي الكشف عن أسرار الحياة، وبيان الفلسفة التي تقوم عليها، والحكمة التي وجدت من أجلها، فليس يكون الكلام أدبا: “إلا إذا وضع المعنى في الحياة التي ليس لها معنى، أو كان متصلا بسر هذه الحياة فيكشف عنه، أو يومئ إليه من قريب…”(4).

الأديب إنسان كوني

إن الأديب إنسان متصل بأسرار الكون، وجمال الأشياء فيه، وهو يحس بالموجودات إحساسا عارما يميزه عن غيره، وفي ضوء هذا السمو الذي يرقى إليه الأديب، ويحاول أن يرقى بالمتلقي إليه، لا يبدو هذا الأديب إنسانا عاديا، يمارس صنعة الكتابة فحسب، ولكنه  بتسمية الرافعي- “إنسان كوني” إنه ليس مثل الآخرين. يقول الرافعي:

“لو أردت أن تعرف الأديب من هو، لما وجدت أجمع ولا أدق في معناه من أن تسميه الإنسان الكوني، وغيره هو الإنسان فقط، ومن ذلك ما يبلغ من عمق تأثره بجمال الأشياء ومعانيها، ثم ما يقع من عمق تأثره بجمال الأشياء ومعانيها، ثم ما يقع من اتصال الموجودات به بآلامها وأفراحها، إذ كانت فيه مع خاصية الإنسان خاصية الكون الشامل، فالطبيعة تثبت بجمال فنه البديع أنه منها، وتدل السماء بما في صناعته من الوحي والأسرار أنه كذلك منها، وتبرهن الحياة بفلسفته وآرائه أنه هو أيضا منها، وهذا وذاك وذلك هو الشمول الذي لا حد له، والاتساع الذي كل آخر فيه لشيء، أولٌ فيه لشيء.

وهو إنسان يدله الجمال على نفسه ليدل غيره عليه، وبذلك زيد على معناه معنى، وأضيف إليه في إحساسه قوة إنشاء الإحساس في غيره، فأساس عمله دائما أن يزيد على كلِّ فكرة صورة لها، ويزيد على كل صورة فكرة فيها، فهو يبدع المعاني للأشكال الجامدة فيوجد الحياة فيها، ويبدع الأشكال للمعاني المجردة فيوجدها هي في الحياة، فكأنه خلق ليتلقى الحقيقة ويعطيها للناس ويزيدهم فيها الشعور بجمالها الفني، وبالأدباء والعلماء تنمو معاني الحياة، كأنما أوجدتهم الحكمة لتنقل بهم الدنيا من حالة إلى حالة، وكأن هذا الكون العظيم يمر في أدمغتهم ليحقق نفسه…”(5).

فالأديب  الإنسان الكوني- وقاد المشاعر، حارُّ الأحاسيس، وهو  كما رأيت- أبعد رؤية للأشياء، وأعمق بصيرة في تعرفها وإدراك أسرارها، وفي تلمس جمالها وروعتها.

إن الجمال موجود، ولكن الإحساس به عند الأديب أكبر وأعمق، فأنت “ترى الجمال حيث أبته شيئا واحدا لا يكبر ولا يصغر، ولكن الحس به يكبر في أناس ويصغر في أناس…”(6).

ولعل الرافعي كان ينظر إلى ما قالته العرب عن الشاعر من أنه سمي بذلك لأنه “يشعر بما لا يشعر به الآخرون”.

والأديب الذي يرى الأشياء، ويرى الجمال أكبر مما يراه غيره، ممكِّن للآخرين من إدراك الأساليب التي تعين على الإحاطة بها، وتبيُّن صفاتها ومعانيها:

“وإذا كان الأمر في الأدب، على ذلك، فباضطرار أن تتهذب فيه الحياة وتتأدب، وأن يكون تسلطه على بواعث النفس دُرْبة لإصلاحها وإقامتها، لا لإفسادها والانحراف بها إلى الزيغ والضلالة، وباضطرار أن يكون الأديب مكلفا تصحيح النفس الإنسانية، ونفي التزوير عنها، وإخلاصها مما يلتبس بها على تتابع الضرورات، ثم تصحيح الفكرة الإنسانية في الوجود، ونفي الوثنية عن هذه الفكرة، والسمو بها إلى فوق، ثم إلى فوق، ودائما إلى فوق!..”(7).

وهذا الأديب  إذا كان عبقريا ملهما- يجيء في أدبه “من حقائق الفكر وبيانه، وأسرار الطبائع وأوصافها، بما يغطي على فلسفة الفلاسفة وعلم العلماء…”(8).

الأدب والدين:

من إدراك هذه الوظيفة السامية للأدب، وبصيرة الأديب وحكمته، يبدو الأدب  من أحد وجوهه- ملتقيا مع الدين في السمو بالنفس البشرية، والارتقاء بها إلى معارج الخير والفضيلة.

يقول الرافعي: “الأدب  من هذه الناحية- يشبه الدين، كلاهما يعين الإنسانية على الاستمرار في عملها، وكلاهما قريب من قريب…”(9).

ومن ثم “إن لم يكن للأديب مثل أعلى يجهد في تحقيقه، ويعمل في سبيله، فهو أديب حالة من الحالات، لا أديب عصر، ولا أديب جيل. وبذلك وحده كان أهل المثل الأعلى في كل عصر هم الأرقام الإنسانية التي يلقيها العصر في آخر أيامه ليحسب ربحه وخسارته…”(10).

اللذة والمتعة في الأدب

لاشك أن الأدب فن ممتع لذيذ، يبعث النشوة في النفس، ويثير فيها الطرب والسرور، ويملؤها بالبهجة والحبور، ولكن هذا لا يعني على الإطلاق أنه نشاط غير جاد، أو أنه لا وظيفة له ولا هدف.

إن اللذة التي يتحدث عنها في الأدب لا تعني اللهو أو العبث، لا تعني إضاعة الوقت به، أو التلهي بالباطل والإثم، بل إن للذة الأدبية عند الرافعي مفهوما غير هذا.

يقول الرافعي: “اللذة بالأدب غير التلهي به واتخاذه للعبث والبطالة، فيجيء موضوعا على ذلك، فيخرج إلى أن يكون ملهاة وسخفا ومضيعة، فإن اللذة آتية من جمال أسلوبه، وبلاغة معانيه، وتناوله الكون والحياة بالأساليب الشعرية التي في النفس..”(11).

اللذة بالأدب إذن من طبيعته، وهي لا تجرده من الوظيفة السامية، ولا تذهب بما فيه من نفع وفائدة، لأنها ليست لذة العبث والباطل، بل لذة الأسلوب الباهر الجميل، والأفكار العظيمة، لذة حسن العرض وسمو المعروض، وهذا الأدب عندئذ كالسوار الرائع النفيس، ولكنه  في الوقت نفسه- السوار المصنوع من الذهب الإبريز.

هذا الأدب عندئذ خير كله: “ثم هو بعد هذه اللذة منفعة كله كسائر ما ركب في طبيعة الحي، إذ يحس الذوق لذة الطعام مثلا على أن يكون من فعلها الطبيعي استمراء التغذية لبناء الجسم وحفظ القوة وزيادتها، أما التلهي فيجيء من سخف الأدب، وفراغ معانيه، ومؤاتاته الشهوات الخسيسة، والتماسه الجوانب الضيقة من الحياة، وذلك حين لا يكون أدب الشعب ولا الإنسانية بل أدب فئة بعينها…”(12).

2- الشكل والمضمونلا ينهض الأدب العظيم باللفظ وحده كما ذهب إلى ذلك أصحاب اللفظ، ولا ينهض بالمعاني الشريفة، والقيم النبيلة فحسب، كما ذهب إلى ذلك أصحاب المعنى، ولكنه ينهض بالأسلوب الرفيع، والمضمون الرفيع، وكأن الرافعي وهو يتبنى ذلك ينظر إلى قول ابن قتيبة وطائفة من نقادنا القدامى في أن أجود الشعر ضرب حسن لفظه وجاد معناه (13).

إن الأدب ليس تعبيرا عاديا عن المعاني والأفكار السامية، ولكنه تعبير جمالي متميز.

ولا يفتأ الرافعي يلح على أهمية الأدوات التعبيرية، وجودة الصياغة. وهو يفهم البلاغة على نحو ما فهمها الجاحظ من قبل عندما بيّن أنها ليست مجرد الإفهام، بل الإفهام بالأسلوب الجميل، والتعبير الفني المعْجِب(14).

وعلى هذه الشاكلة يقول الرافعي في بيان أهمية الأسلوب في الأدب:

“إن الإفهام ونقل الخاطر والإحساس ليست هي البلاغة وإن كانت منها، وإلا فكتابة الصحف كلها آيات بينات في الأدب، إذ هي من هذه الناحية لا يقدح فيها ولا يغض منها، وما قصرت قط في نقل خاطر ولا استغلقت دون إفهام…”(15).

والأسلوب الأدبي فن في حد ذاته، وهو ذو خصائص وجماليات لا يؤتاها إلا البلغاء والفصحاء، خصائص تقوم على التخييل والتصوير وأساليب البلاغة المختلفة، وهذه جميعها من طبيعته الفنية، ولا يسمى أدبا بغيرها، فهي ليست مجرد زخارف شكلية تزيد المعنى جمالا، وتضيف إليه، وتهيء النفس لاستقباله. يقول الرافعي:

“وما المجازات والاستعارات والكنايات ونحوها من أساليب البلاغة إلا أسلوب طبيعي لا مذهب عنه للنفس الفنية، إذ هي بطبيعتها تريد دائما ما هو أعظم، وما هو أجمل، وما هو أدق، وربما ظهر ذلك لغير هذه النفس تكلفا وتعسفا ووضعا للأشياء في غير مواضعها، ويخرج من هذا أنه عمل فارغ وإساءة في التأدية وتمحل لا عبرة به، ولكن فنية النفس الشاعرة تأبى إلا زيادة معانيها، فتصنع ألفاظها صناعة توليها من القوة ما ينفذ إلى النفس ويضاعف إحساسها، فمن ثم لا تكون الزيادة في صور الكلام وتقليب ألفاظه وإدارة معانيه إلا تهيئة لهذه الزيادة في شعور النفس، ومن ذلك يأتي الشعر دائما زائدا بالصناعة البيانية، لتخرجه هذه الصناعة من أن يكون طبيعيا في الطبيعة إلى أن يكون روحانيا في الإنسانية، والشعور المهتاج المتفزز غير الساكن المتبلد، والبيان في صناعة اللغة يقابل هذا النحو، فتجد من التعبير ما هو حي متحرك، وما هو جامد مستلق كالنائم أو كالميت..”(16).

وهكذا يبدو الأسلوب أساس الفن الأدبي، وإن اللذة به هي علامة الحياة فيه (17).

ولكن الأدب العظيم يتشكل  كما ذكرنا- من شكل ومضمون راقيين، والأديب البليغ التام “هو صاحب الفكر والأسلوب والذهن الملهم، وإنك تقف على المعنى من معانيه يملأ نفسك، ويتمدد فيها، ويهتز بها طربا وإعجابا..”(18).

ومقياس الكلام الفني العظيم هو تأثيره في النفس، وقدرته على الانسراب في أعماقها حتى تهتز له وتطرب.

يقول الرافعي:

“والفن إنما هو التأثير، والاحتيال على رجة النفس له واهتزازها بألفاظ الشعر ووزنه وإدارة معانيه وطريقة تأديتها إلى النفس، وتأليف مادة الشعور من كل ذلك تأليفا متلائما مستويا في نسجه لا يقع فيه تفاوت ولا اختلال، ولا يحمل عليه تعسف ولا استكراه، فيأتي الشعر من دقته وتركيبه الحي، ونسقه الطبيعي كأنما يقرع به على القلب الإنساني ليفتح لمعانيه إلى الروح…” (19).

الناقد يعنى بجميع العناصر

وما دام الأدب العظيم يُصنع من الأسلوب الفني الجميل، والمعاني الرفيعة، والعواطف النبيلة، وسواها، فإن الناقد لهذا الأدب لابد أن يكون معنيا كذلك بعناصره جميعها، وهو عند نقده نصا لا بد أن يتوقف عنده: شكلا ومضمونا وعاطفة، أسلوبا ورؤية وشعورا، لا يقف عند جانب واحد ويهمل الجوانب الأخرى كما يفعل بعض النقاد، لأن العمل الأدبي كله متكامل.

يقول الرافعي: “إذا كان من نقد الشعر علم فهو علم تشريح الأفكار، وإذا كان منه فن فهو فن درس العاطفة، وإذا كان منه صناعة فهي صناعة إظهار الجمال البياني في اللغة …”(20).

ولا ينتهي الناقد إلى درس متكامل للعمل الأدبي، والوقوف على موهبة الأديب، ومعرفة مدى عبقريته وإبداعه إلا كما يقول الرافعي: “بالبحث في الأغراض أي “المواضيع” التي نظم فيها الشاعر وما يصله بها من أمور عيشه وأحوال زمنه وكيف تناولها من ناحيته ومن ناحيتها، وماذا أبدع، ثم في أي المنازل يقع شعره من شعر غيره في تاريخ لغته وآدابها، ثم نظرته الفلسفية إلى الحياة ومسائلها واتساعه لأفراحها وآلامها وقوة أمواجه الروحية في هذا البحر الإنساني الرجاف المتضرب الذي يبلغ في نفوس بعض الشعراء أن يكون كالأقيانوس، وفي بعضها أن يكون كالمستنقع … ثم دقة فهمه عن وحي الطبيعة والإشراف على جلية معناها بالهمسة واللمسة”(21).

القرآن نبع الأدب العظيم:

والرافعي الذي تشرب حب القرآن الكريم منذ نعومة أظفاره، وتشبع به عقيدة وفكرا وأسلوبا تشبعا ملك أقطار نفسه، لا يرى في هذا الكتاب الجليل كتاب دين وتشريع فحسب، ولكنه يرى فيه الوجه الآخر الذي غفل عنه بعض الكتاب والأدباء، وهو جانبه الأدبي البلاغي الرفيع، بل إن الرافعي يرى أن القرآن الكريم هو الذي وضع الأصل الأصيل لكل أدب عظيم، إذ هو نبع غني، ومصدر ثري، يغترف منه الأدباء ما لا ينضب من الأساليب والأفكار، من الصور التعبيرية، والقيم العالية والمشاعر الخيرة.

ومع ذلك فإن مما يؤسف له أن قليلا أو كثيرا من الأدباء لم يصدروا عن هذا الكنز النفيس الصدور العميق المطلوب.

ومن يرجعْ إلى هذا الكنز العظيم يقعْ على دلالات كثيرة تتعلق بوظيفة الأدب، وشخصية الأديب، وأساليب القول، وطرائق البيان، وضوابط الفكر الذي ينبغي أن ينهض عليه الأدب الرفيع.

يقول الرافعي: “فإذا أردت الأدب الذي يقرر الأسلوب شرطا فيه، ويأتي بقوة اللغة صورة لقوة الطباع، وبعظمة الأداء صورة لعظمة الأخلاق، وبرقة البيان صورة لرقة النفس، وبدقته المتناهية في العمق صورة لدقة النظرة إلى الحياة، ويريك أن الكلام أمة من الألفاظ عاملة في حياة أمة من الناس، ضابطة لها المقاييس التاريخية، محكمة لها الأوضاع الإنسانية، مشترطة فيها المثل الأعلى، حاملة لها النور الإلهي على الأرض…

… وإذا أردت الأدب الذي ينشئ الأمة إنشاء ساميا، ويدفعها إلى المعالي دفعا، ويردها عن سفاسف الحياة، ويوجهها بدقة الإبرة المغناطيسية إلى الآفاق الواسعة، ويسددها في أغراضها التاريخية العالية تسديد القنبلة خرجت من مدفعها الضخم المحرر المحكم، ويملأ سرائرها يقينا، ونفوسها حزما، وأبصارها نظرا، وعقولها حكمة، وينفذ بها من مظاهر الكون إلى أسرار الألوهية…

… إذا أردت الأدب على كل هذه الوجوه من الاعتبار  وجدت القرآن الكريم قد وضع الأصل الحي في ذلك كله، وأعجب ما فيه أنه جعل هذا الأصل مقدسا، وفرض هذا التقديس عقيدة، واعتبر هذه العقيدة ثابتة لا تتغير، ومع ذلك كله لم ينتبه له الأدباء ولم يحذوا بالأدب حذوه، وحسبوه دينا فقط، وذهبوا بأدبهم إلى العبث والمجون والنفاق…

والقرآن بأسلوبه ومعانيه وأغراضه لا يستخرج منه للأدب إلا تعريف واحد هو هذا: إن الأدب هو السمو بضمير الأمة…”(22).

3- القديم والجديدمن القضايا النقدية التي شهدت خصومات عنيفة في أيام الرافعي “قضية القديم والجديد” هذه القضية الأزلية التي يعرفها كل عصر، حيث ينشب الصراع بين أنصار جديد يأتي به عصرهم، وأنصار قديم موروث يرون في الجديد خروجا على العرف، وانتهاكا للمألوف، وإفسادا لبعض القيم والمواضعات السائدة، وقد تشتد الخصومة بين الفريقين وتعنف عنفا شديدا، وقد تخرج عن جادة الموضوعية، فيأخذ كل فريق يكيل للآخر اتهامات يختلط فيها الحق بالباطل، والصحيح بالزائف..

عصر الرافعي إذن  ككل عصر- شهد خصومات فكرية عنيفة بين من دُعُوا بأنصار الجديد، ومن دُعوا بأنصار القديم، وصُنف الرافعي في الفريق الثاني، المدافعين عن الأصالة والتراث، الواقفين كالطود في وجه المجددين أو مدعي التجديد في عصره.

ولكن هل كان الرافعي حقا من الرافضين للتحديث؟ بل أي تحديث هذا الذي تصدى له، ووقف بيانه السامي الرفيع على فضحه وبيان الزيف فيه؟..

من ينظرْ فيما كتبه الرافعي  رحمه الله- يرَ بوضوح أن الرجل لم يكن ضد التجديد، ولا كان عدوا  كما صوره خصومه- للابتداع والتحديث، بل هو يعد التوليد سرا من أسرار النبوغ في الأدب وفي غيره. يقول: “سر النبوغ في الأدب وفي غيره هو التوليد، وسر التوليد في نضج الذهن المهيأ بأدواته العصبية، المتجه إلى المجهول ومعانيه كما تتجه كل آلات المرصد الفلكس إلى السماء وأجرامها..”(23).

ولكن التجديد لا يعني عند الرافعي الحرية المطلقة، والانفلات التام من الأنظمة والضوابط، حتى يصل إلى الهدم والاعتداء على الأصول والقواعد.

والرجل  في تفريقه بين ما هو تجديد وما هو تبديد، بين ما هو حرية وما هو هدم واعتداء- يعتمد على أصل شرعي يفهمه من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، المشهور: “إن قوما ركبوا في سفينة، فاقتسموا، فصار لكل رجل منهم موضع، فنقر رجل منهم موضعه بفأس، فقالوا له: ما تصنع؟ قال: هو مكاني أصنع فيه ما شئت، فلو أخذوا على يده نجا ونجوا، وإن تركوه هلك وهلكوا”.

فقوم من الذين يدعون التجديد  وتحت هذه الدعوى يهدمون الدين والأخلاق واللغة- يشبهون هذا الذي ينقر موضعه في السفينة، فهو مفسد لا مصلح، مبدّد لا مجدد، معرض نفسه والآخرين معه للهلاك.

بقول الرافعي: “كان لهذا الحديث في نفسي كلام طويل عن هؤلاء الذين يخوضون معنا البحر، ويسمون أنفسهم بالمجددين، وينتحلون ضروبا من الأوصاف: كحرية الفكر، والغيرة، والإصلاح، ولا يزال أحدهم ينقر موضعه من سفينة ديننا وأخلاقنا وآدابنا بفأسه، أي بقلمه، زاعما أنه موضعه من الحياة الاجتماعية يصنع فيه ما يشاء، ويتولاه كيف أراد .. فلا حرية هنا في عمل يفسد خشب السفينة، أو يمسه من قرب أو بعد، ما دامت ملجّجة في بحرها، سائرة إلى غايتها، إذ كلمة (الخرق) لا تحمل في السفينة معناها الأرضي، وهناك لفظة (أصغر خرق) ليس لها إلا معنى واحد وهو (أوسع قبر)…”(24).

وإن الانفتاح على المدنية الغربية، والاقتباس منها، لمما هو مطلوب ولكنه ينبغي أن يقوم على “الاختيار” لا على “التقليد”، أن يقوم على “اقتباس التحقيق” لا “اقتباس القليد”، وشتان بينهما.

الجديد المطلوب، والطريف المنشود، ما كان متفقا مع دين الأمة وقيمها ومثلها، ما كان فيه الخير، وليس لمجرد تقليد الآخرين ومحاكاة ما عندهم، فليس كل ما في هذه المدنية الغربية يؤخذ، ولا كله يترك. يقول الرافعي مبينا ضوابط الأخذ والترك.

“وإني أرى أنه لا ينبغي لأهل الأقطار العربية أن يقتبسوا من عناصر المدنية الغربية اقتباس التقليد، بل اقتباس التحقيق، بعد أن يعطوا كل شيء حقه من التمحيص، ويقلبوه على حالتيه الشرقية والغربية، فإن التقليد لا يكون طبيعة إلا في الطبقات المنحطة، وصناعة التقليد وصناعة المسخ فرعان من أصل واحد، وما قلد المقلد بلا بحث ولا روية إلا أتى على شيء في نفسه من ملكة الابتكار وذهب ببعض خاصيته العقلية، على أننا لا نريد من ذلك ألا نأخذ من القوم شيئا، فإن الفرق بعيد بين الأخذ في المخترعات والعلوم، وبين الأخذ من زخرف المدنية وأهواء النفس وفنون الخيال ورونق الخبيث والطيب، إذ الفكر الإنساني إنما ينتج الإنسانية كلها، فليس هو ملكا لأمة دون أخرى، وما العقل القوي إلا جزء من قوة الطبيعة.

فإن نحن أخذنا من النظامات السياسية فنأخذ ما يتفق مع الأصل الراسخ في آدابنا من الشورى والحرية الاجتماعية عند الحد الذي لا يجوز على أخلاق الأمة ولا يفسد مزاجها ولا يضعف قوتها.

وإذا نقلنا من الأدب والشعر فنلدع خرافات القوم وسخافاتهم الروائية إلى لب الفكر وروائع الخيال وصميم الحكمة، ولنتتبع طريقتهم في الاستقصاء والتحقيق، وأسلوبهم في النقد والجدل، وتأتيهم إلى النفس الإنسانية بتلك الأساليب البيانية الجميلة التي هي الحكمة بعينها.

وأما في العادات الاجتماعية فلنذكر أن الشرق شرق والغرب غرب، وما أرى هذه الكلمة تصدق إلا في هذا المعنى وحده، والقوم في نصف الأرض ونحن في نصفها الآخر، ولهم مزاج وإقليم وطبيعة وميراث من كل ذلك، ولنا ما يتفق ولا يختلف، وإن أول الأدلة على استقلالنا أن نتسلخ من عادات القوم، فإن هذا يؤدي بلا ريب إلى إبطال صفة التقليد فينا، ويحملا على أن نتخذ لأنفسنا ما يلائم طبائعنا، وينمي أذواقنا الخاصة بنا، ويطلق لنا الحرية في الاستقلال الشخصي…”(25).

التجديد ينهض على التراث

لا تقوم للأدب الأصيل قائمة، ولا يكون للتجديد قيمة إلا إذا استند إلى تراث عريق يقوم عليه، وجذور ضاربة في أعماق الأرض يسمق من خلالها، إذ “ليس يكون الأدب أدبا إلا إذا ذهب يستحدث ويخترع على ما يصرفه النوابغ من أهله، حتى يؤرخ بهم، فيقال: أدب فلان، وطريقة فلان، ومذهب فلان، إذ لا يجري الأمر فيما علا وتوسط ونزل إلا على إبداع غير تقليد، وتقليد غير اتباع، واتباع غير تسليم…”(26).

وإن التجديد في الشعر العربي ينطلق أولا من فهم طبيعة هذا الشعر ومزاجه الخاص “وخصائص فيه لابد من مراعاتها، والنزول على حكمها، وتلقيها بما يوافقها…”(27).

ولكن قوما ممن يدعون التجديد في الشعر العربي لا يزيد تجديدهم على تقليد الشعر الأوربي متجاهلين تراثهم الشعري، ومزاج هذا الشعر وخصائصه البيانية خارجين إلى مزاج غريب وأسلوب هجين، حتى: “تراهم يخلون بقوانين صناعته البيانية، وينزلون ألفاظه دون منازلها، ويرسلون معانيه على غير طريقتها الشعرية، ويبتلونه بفضول كثيرة هي كالآفات والأمراض، فيأتون بنظم تقرؤه إذا قرأته وأنت تتلوى كأنما يقرع على قلبك بقبضة يد أو يدق عليه بحجر .. وقد فشا هذا النوع من الشعر في هذه الأيام وأصبح لما فسد من ذوق الأدب، وما التاث من أمر اللغة، وما اعوجَّ من طرق الفلسفة، وما عمت به البلوى من التقليد الأوروبي، وكثيرا ما رأيت القصيدة من هذا الشعر كامرأة سلخ وجهها ووضعت لها جلدة وجه ميت..”(28).

وهكذا بدأ يصيب الشعر العربي على أيدي هؤلاء المقلدين في تجديدهم للشعر الأوربي كثير من الفساد في أساليبه ومعانيه، وهو فساد يشبه ذاك الذي أصابه في القديم على أيدي أصحاب الصنعة الزائفة، غير أن “القديم كان فسادا في الألفاظ بجعلها كلها أو أكثرها محالا في الصنعة، والحديث جاء فسادا في المعاني بجعلها كلّها أو أكثرها محالا في البيان..”(29).

تجديد أم فساد؟

والأمر في جملته  كما يراه الرافعي- ليس في حقيقته أمر تجديد وتقليد، ولا أمر ابتداع واتباع، فالتجديد  كما ذكر- مطلوب، وهو من صلب الفن، وهو سر النبوغ والعبقرية، ولكن طائفة من مدّعي التجديد عنى التجديد عندهم الخروج على الدين والأخلاق، والدعوة إلى الفساد والانحلال.

يقول الرافعي: “الذي بيننا وبينهم ليس الجديدَ والقديمَ، ولا التأخرَ والتقدمَ، ولا الجمودَ والتحولَ، ولكن أخلاقنا وتجردهم منها، وديننا وإلحادهم فيه، وكمالنا ونقصهم، وتوثقنا وانحلالهم، واعتصامنا بما يمكننا وتراخيهم تراخي الحبل لا يجد ما يشده …”(30).

بل إن فريقا آخر من هؤلاء المجددين الذين يحسبون أنفسهم من جبابرة العقول، ليبلغ إفسادهم  بدعوى التجديد وحرية الكلمة- مبلغا لا يكاد يتصور، يعبر عنه الرافعي بقوله:

“لقد قلنا من قبل إن جبابرة العقول هؤلاء الذين يأبون إلا أن يكونوا علماءنا وسادتنا وليصرفوا عقولنا ويغيروا عقائدنا ويصلحوا آدابنا ويدخلونا في مساخط الله ويهجموا بنا على محارمه ويركبونا معاصيه  إن هم في أنفسهم إلا عامة وجهلة وحمقى إذا وزنوا بعلماء الأمم وقيسوا إلى حكماء الدنيا، وما يكتبون للأمة في نصيحتها وتعليمها إلا ما يتحول من كلمات وجمل في الصحف والكتب إلى أن يصيروا في الواقع فساقا وفجرة وملحدين وساخرين ومفسدين، فالمصيبة بهم من ناحية الخلق الفاسد، وهاتان معا في وزن المصيبة الكبرى التي يجنون بها على الأمة لتهديمها فيما يعملون، وتجديدها فيما يزعمون…”(31).

ويسخر الرافعي مما ساد عصره  بدعوى التجديد والانفتاح- من فوضى النشر، واستهلاك الكتابة، حتى أصبح كل من يكتب ينشر له، وكل من ينشر له بعد نفسه أديبا، وكل من عد نفسه أديبا جاز له أن يكون صاحب مذهب، وأن يقول في مذهبه، ويرد على مذهب غيره .. حتى شاعت كلمات ضخمة تدور في الصحف بين الأدباء .. منها قولهم: أدب الشيوخ وأدب الشباب، ودكتاتورية الأدب وديمقراطية الأدب، وأدب الألفاظ، وأدب الحياة، والجمود والتحول، والقديم والجديد، ثم ماذا وراء ذلك من أصحاب هذه المذاهب؟ وراء ذلك أن منهم أبا حنيفة ولكن بغير فقه، والشافعي ولكن بغير اجتهاد، ومالكا ولكن بغير رواية…”(32).

لقد كان الرافعي  رحمه الله- حريصا على تجديد أصيل، يصون للأدب العربي شخصيته، ويحفظ عليه خصائصه في البيان والفكر، لا تجديدٍ يزهق روحه، ويغيب أصالته وملامح وجهه، تجديدٍ لا يعتدي على عقيدة الأمة وأخلاقها، ولغتها، بل ينطلق منها ليحلق بعد ذلك في سماء الإبداع والتجديد ما شاء أن يحلق، بل هو لن يحلق أصلا بغير ذلك، لأن المقلد لا يحلق، لأنه تابع غير متبوع، ولاحق غير ملحوق، والتقليد “لا يكون إلا في الطبقات المنحطة، وصناعة التقليد وصناعة المسخ فرعان من أصل واحد”(33).

رحم الله الرافعي رائدا عظيما من رواد الأدب الإسلامي في الإبداع والتنظير النقدي، وفي الدفاع الحار عن أصالة الكلمة ونبل الفكر، وشرف التعبير.

—————————-

(1) وحي القلم 3/210، طبعة المكتبة العصرية، لبنان، 1424هـ / 2003م.

(2) السابق: 3/243.

(3) السابق: 3/203.

(4) السابق نفسه.

(5) السابق: 3/205.

(6) السابق: 3/206.

(7) السابق نفسه.

(8) السابق: 3/216.

(9) السابق: 3/207.

(10) السابق نفسه.

(11) السابق: 3/209.

(12) السابق نفسه.

(13) انظر الشعر والشعراء: 1/65.

(14) انظر البيان والتبيين: 2/113.

(15) وحي القلم: 3/173.

(16) السابق: 3/175.

(17) السابق: 2/209.

(18) السابق: 3/215.

(19) السابق: 3/228.

(20) السابق: 3/233.

(21) السابق: 3/232.

(22) السابق: 3/210.

(23) السابق: 3/220.

(24) السابق: 2/7.

(25) السابق: 3/167.

(26) السابق: 3/197.

(27) السابق: 9/229.

(28) السابق نفسه.

(29) السابق نفسه.

(30) السابق: 3/237.

(31) السابق: 3/236.

(32) السابق: 3/197.

(33) السابق: 3/167.