كان لنا أن نتوقع أن يكون التركيز عند مصطفى صادق الرافعي منصبا على تاريخ الأدب العربي، وهو لون من الأدب، كما أنه لون من التاريخ، لكننا لا نستطيع أن نعالجه على أنه طريق كاف للاستدلال به على مفهوم الرافعي للتاريخ، وعلى منهجه في تناوله.

بيد أن ذلك لا يعني أن تراث الرافعي قد خلا من التعامل مع التاريخ، بمعناه المعروف لدى أصحابه، ولا سيما في مفهومه الحديث، وهو أنه التاريخ الحضاري الذي يرصد التاريخ السياسي والعسكري، لكنه لا يغفل تاريخ الأفكار ولا المذاهب، ولا النشاطات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

لكن شيئا أساسيا يجب أن نشير إليه في تعامل الرافعي مع وقائع التاريخ، فالرافعي لم يستطع قط أن يتخلص من بيانه المشرق، وقدرته البلاغية، وأسلوبه المتميز، الذي يكاد يعرب به دون أن يذكر اسمه إلى جانبه، وهو بحق  كما قال سعد زغلول: “بيان كأنه تنزيل من التنزيل، أو قبس من نور الذكر الحكيم”.

صياغة الوقائع بيانيا وتربوياوقد اهتم الرافعي بالتاريخ من جوانب عدة على رأسها: إعادة صياغة الوقائع بطريقة بيانية تربوية، تترك تأثيرها في القلب والعقل معا، وثانيها: الدفاع عن التراث العربي الأصيل، الذي تقوم عليه النهضة الإسلامية، وثالثها: رصد النهضة العلمية في التاريخ الإسلامي، بدءا من زمن بني أمية، ومرورا بعصور التاريخ الإسلامي التالية، ورابعها: معالجة القصص القرآني، الذي كان الرافعي يرى أن جهودا كثيرة قد بذلت فيه، وأن هذه الجهود قد ضاعت، وهو يضرب مثلا على ذلك بما ورد في بعض الروايات من التاريخ من أن “أبا علي الأسواري” القاص البليغ، فسر القرآن بالسير والتواريخ ووجوه التأويلات، فابتدأ في تفسير سورة البقرة، ثم ما لبث يقص ستا وثلاثين سنة، ومات ولم يختمه، وكان ربما فسر الآية الواحدة في عدة أسابيع، لا يني ولا يتخلف، وليس في هذا الخبر شيء من المبالغة أو التزيد، بل عسى أن يكون الأمر مع أهل التحقيق والاطلاع أبلغ منه، وهذه كتب التفسير التي عدها صاحب (كشف الظنون) وسرد أسماءها في كتابه، تبلغ ثلاثمائة ونيفا، والرجل إنما عد بعضها كما يقول (…). وذكر الفيلسوف (أرنست رنان) أنه وقف على ثبت يدل على أنه قد كان في إحدى مكتبات الأندلس التي أحرقت تفسير للقرآن في ثلاثمائة مجلد. وذكر الشعراني في كتابه (المنن) تفسيرا قال: إنه في ألف مجلد(1) … وهو يرى أن حظ التاريخ من هذه المجلدات كبير.

ومن المعروف أن كثيرا من الباحثين في إعجاز القرآن قد جعلوا حديث القرآن عن قصص الأنبياء والأمم السابقة من وجوه الإعجاز، التي يتحدى بها، لكن الرافعي مع اهتمامه بالجانب القصصي في القرآن، ضمن الوجوه التي عرض لها، لم يذهب إلى أنه وجه من وجوه التحدي، فالقرآن لم يهدف إلى أن يكون كتاب تاريخ، كما لم تكن المعاني التاريخية مقصدا من مقاصده، مع أن ما جاء فيه من التاريخ حق وصدق، لا يتطرق إليه شك، كما أن القرآن عني بالقضايا الكلية، والحقائق الثابتة، والنظريات العامة، التي لا تحتمل اختلافا ولا افتراقا(2)، وهو الأمر الذي وقع فيه كتاب العهد القديم، مما عرضه لكثير من النقد والتجريح(3).

وعلى الرغم من أن الرافعي لم يعد الجانب القصصي ضمن الوجوه التي رد الإعجاز إليها، فإنه بسط القول في ظاهرة التكرار في القرآن الكريم.

وقد ناقش الرافعي رأي القدامى، كالجاحظ وأبي هلال العسكري، حول ظاهرة التكرار، مبينا أن ما ذهبوا إليه من أن التكرار في القصص القرآني لم يكن يصار إليه إلا مع بني إسرائيل لضعف أفهامهم وقلة بصيرتهم، بينما لم يستعمل في خطاب العرب لذكائهم وفطنتهم وعدم احتياجهم إلى ذلك، حُكمٌ فيه قصور، ورأيٌ يحتاج إلى توضيح، لأن اليهود كان منهم البلغاء، وفيهم الفصحاء، ولم يكونوا من العي والغباوة كما يتصور، ثم يقرر الرافعي أن هذا التكرار الوارد في القرآن إنما هو في الحقيقة سر من أسرار الأدب العبراني، جرى القرآن عليه في أكثر خطابهم خاصة ليعلموا أنه وضع غير إنساني، وليحسوا معنى من معاني إعجازه فيما هم بسبيله، كما أحس العرب فيما هو من أمرهم(4).

فالرافعي إذن لا يخالف الجاحظ فيما قرره من وجود التكرار في الآيات التي خوطب بها بنو إسرائيل، ولكنه يخالفه في التعليل لذلك، فالجاحظ يرده إلى قلة أفهامهم، والرافعي يعلل  كما رأينا- بأن القرآن خاطبهم بما يعرفون، فالتكرار ضرب من ضروب بلاغتهم، ولون من ألوان أدبهم، ولم يكونوا من الغفلة والسذاجة كما يظن، وإن فيهم لمتكلمين وإن منهم لشعراء، والخطاب في القرآن كله يسمعه العرب واليهود جميعا، فلا هؤلاء ينكرون من أمره ولا أولئك(5).

أما بالنسبة للجانب الأول الذي يعد  بالنسبة لبحثنا- معلماً أساسا في تقويم منهجية الرافعي في تعامله مع التاريخ، فالحق أن الرافعي في بيانه وبلاغته، وإضفائه على الواقعة التاريخية كثيرا من إشراقات نفسه، وفقهه بالبيئة الإسلامية وبالمناخ الإسلامي بصفة عامة.

توقيت ظهور الرافعيوالحقيقة أن الرافعي جاء في وقته المناسب، فقد كانت السنوات التي تألق فيها فكره سنوات مضطربة، يقوم فيها الصراع على أشده بين دول عربية وإسلامية ابتعدت عن القرآن، وابتعدت عن الحقيقة الإسلامية، وبين قوى صهيونية كانت قد أقامت الجامعة العبرية في فلسطين، وبدأت تضع الأسس التوراتية موضع التطبيق، لتقيم دولة يعقوب (إسرائيل) على أساس الفكر التوراتي التلمودي، وبينما كان محمد أحمد خلف الله يطعن في القصص القرآني، في أطروحته التي قدمها إلى جامعة فؤاد الأول (القاهرة) تحت عنوان: الفن القصصي في القرآن، ويجد مؤيدين ومدافعين عن مزاعمه التي يذهب فيها إلى أن الأحداث التاريخية في القرآن، التي وردت عن أحوال الأمم الماضية، لم تكن جديدة، وأن معظمها كان معروفا لأهل الكتاب، وأنها جاءت مخالفة لوثائق التاريخ … وفي الوقت نفسه كان طه حسين يطعن في قصة إبراهيم وإسماعيل وبناء الكعبة، في التوراة والقرآن معا، (والقرآن هو المقصود) ..

في هذا الوقت ظهر مصطفى صادق الرافعي مزودا بأسلحة قوية، زوده الله بها، ليتمكن من الوقوف في وجه هذا الزحف، الذي يحاول مسخ القديم كله، وضرب الثوابت كلها، ونسف التاريخ العربي والإسلامي ..

ومن هنا لجأ الرافعي إلى الوقائع التاريخية، التي تمتلئ بصفحات رائعة، وأخذ يبرزها، وكأنه يكشف لنا بعض جوانب فلسفة التاريخ الإسلامي العظيم، وهو ذلك التاريخ الذي يمتزج فيه عمل الدين بالدنيا. ورشح الإيمان على الحياة.

وبينما كان “جرجي زيدان” يحاول تشويه تاريخ الإسلام من خلال سلسلته المعروفة “روايات تاريخ الإسلام” القائمة على التدليس وتحريف الوقائع، وتفسير التاريخ الإسلامي تفسيرا اقتصاديا ودنيويا، بعيدا عن الغايات الإيمانية، كان الرافعي من خلال ما أورده في كتابه (وحي القلم) بخاصة يعيد الأمور إلى نصابها، ويكشف الأعماق الإيمانية في حركة المسلمين في التاريخ، وكيف أنها كانت الدافع الأساس، والهدف الأسمى، وأن ما أفاء الله به على المسلمين إنما كانت نتيجة لا سببا، وثمرة لا جذرا، ومنحة ربانية للذين خلصت نياتهم، وقدموا أعمالهم خالصة لوجهه تعالى.

وكانت الوسائل عندهم كالغايات، في شرفها وأبعادها الإنسانية، ولم تكن الغاية عندهم تبرر الوسيلة.. فلحروبهم آداب لا يستطيع المحارب المسلم أن يخرج عليها، والكلمة عندهم عهد وميثاق، وجزء من دينهم، والحياة الاجتماعية عندهم تقوم على التراحم، وتقوم على الغايات الإسلامية كما طبقها إمام المتقين، صاحب السيرة العطرة، رسول الله، محمد صلى الله عليه وسلم.

الرافعي والسيرة النبويةإن الرافعي لا يتحدث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا عن ظهور الإسلام وفلسفته كما يتحدث أساتذة التاريخ، وكتاب السير، بل يتحدث مازجا بين ظاهرة الوحي والظواهر الكونية الكبرى، واضعا النبي في موضعه الصحيح، فمحمد وجد في الإنسانية ينبوعا للنور المسمى بالدين، كما تطلع الشمس بأنوارها، فتفجر ينبوع الضوء المسمى بالنهار، وليس النهار إلا يقظة الحياة تحقق أعمالها، وليس الدين إلا يقظة النفس تحقق فضائلها، وليس النبي إنسانا من العظماء يقرأ تاريخه بالفكر معه المنطق، ومع المنطق الشك، ثم يدرس بكل ذلك على أصول الطبيعة البشرية العامة، ولكنه إنسان نجمي يقرأ بمثل “التلسكوب” في الدقة، معه العلم، ومع العلم الإيمان، ثم يدرس بكل ذلك على أصول طبيعته النورانية وحدها.

والحياة تنشئ علم التاريخ، ولكن هذه الطريقة في درس الأنبياء صلوات الله عليهم تجعل التاريخ هو ينشئ علم الحياة، فإنما النبي إشراق إلهي على الإنسانية، يقومها في فلكها الأخلاقي، ويجذبها إلى الكمال في نظام هو بعينه صورة لقانون الجاذبية في الكواكب(6).

وينتقل الرافعي من الحديث العام عن ظاهرة النبوة، وعملها في الحياة، إلى الحديث عن نبي الإسلام، محمد صلى الله عليه وسلم وهو يرى أن الإنسانية، عندما ظهر رسول الله، كانت تريد امتدادا غير امتدادها التجاري في الأرض، وتحتاج إلى معنى، يقود إنسانها غيرُ الحيوان، الذي فيه، وما كان لإنسانية العالم أن تصل إلى ذلك، إلا إذا عاشت مع نبيها الطبيعي، نبي أخلاقها الصحيحة، وآدابها العالية، ونظامها الدقيق، وأين تجد هذا المحبوب الأعظمَ إلا في محمد، ودين محمد؟!. وعجيب أن يجهل المسلمون حكمة ذكر النبي العظيم خمس مرات في الأذان، كل يوم ينادى باسمه الشريف ملء الجو، ثم حكمة ذكره في كل صلاة من الفريضة والسنة والنافلة، يُهمس باسمه الكريم ملء النفس! وهل الحكمة من ذلك إلا الفرض عليهم ألا ينقطعوا من نبيهم ولا يوما واحداً من التاريخ، ولا جزءا واحدا من اليوم، يمتد الزمن مهما امتد والإسلام كأنه على أوله، وكأنه في يومه لا في دهر بعيد، والمسلم كأنه مع نبيه بين يديه، تبعثه روح الرسالة، ويسطع في نفسه إشراق النبوة، فيكون دائما في أمره كالمسلم الأول الذي غير وجه الأرض(7).

ويتتبع الرافعي شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم من جوانبها المختلفة مازجا بينها وبين حقيقة الإسلام، ولهذا جمع المسلمون بين كلام الله في كتابه وكلام رسوله، كما يتلقون الحكم النافذ المقضي، وحققوا في كماله صلى الله عليه وسلم وجودهم النفسي، فكانوا من زخارف الحياة وباطلها، في موضوع الحقيقة الذي يُرى فيه الشيء لا شيء، ورأوا في إرادته صلى الله عليه وسلم النقطة الثابتة فيما يتضارب من خيالات النفس، فكانوا أكبر علماء الأخلاق على الأرض، لا من كتب ولا علم ولا فلسفة، بل من قلب نبيهم وحده (8).

ويقف الرافعي عند موت خديجة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم مع إلماعة إلى الدور الذي قامت به في فترة المحنة المكية، وكيف أنها كانت قلبا مع قلبه، كما كانت لنفسه كقول “نعم” للكلمة الصادقة التي يقول لها كل الناس “لا”، وبموتها خرج النبي من أيام الاستقرار في أرضه إلى الأيام المتحركة في هجرته، مرة يذهب إلى الطائف فيناله منها ما هو معروف، ومرة يلتقي بالأشراف الوافدين وسفهائهم فلا يجد منهم إلا معاني الظلم والشر، أو يلتقي بالأشراف الذين يذهب إليهم في رحالهم، عارضا نفسه عليهم، فلا يجد  غالبا- إلا الصدّ نفسه.

وهنا يأتي “الإسراء والمعراج”، أو حسب تسمية الرافعي “فوق الآدمية” وهي من خصائص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، هذا النجم الإنساني العظيم، وهذا النور المتجسد لهداية العالم في حيرة ظلماته النفسية، فالنبي لا يكون نبيا حتى يكون في إنسانه إنسان آخر بنواميس تجعله أقرب إلى الملائكة في روحانيتها، وما ينزل إنسانه الظاهر من الإنسان الباطن فيه إلا منزلة من يتلقى ممن يُعطى، فذاك الباطن هو للحقائق التي لا تحملها الدنيا، وهذا الظاهر لما يمكن أن يبلغ إليه الكمال في المثل الإنساني الأعلى، ولولا ذلك الباطن ما استطاع نبي من الأنبياء أن يحمل هموم أمة كاملة، لا تضنيه، ولا تغيره، ولا تعجزه(9).

ولاشك أن الرافعي كتب في “الإسراء والمعراج” بدافع من إيمانه، وإن كان التسليم بالمعجزات لا يحتاج إلى العلم، فالمعجزة قدرة ربانية عليا تستعصي على قدرة البشر، ويجب أن تقبل كجزء من الإيمان قبل كل شيء، ولئن كان قد ظهر في عصرنا من يفكر في الصعود إلى القمر، ومن يعمل للمخاطبة مع الأفلاك، فذلك شيء خاضع للوسائل والأسباب، وبينه وبين المعجزة ما بين السماء والأرض، ولاسيما أن المعجزة حصلت في عصر، لا وسائل فيه ولا أسباب، ولهذا صح تعليق أستاذنا الدكتور “مصطفى الشكعة” عندما اختلف مع الرافعي حين حاول ن يقارن بين معجزة الإسراء والمعراج وبين المنهج العلمي، وما وصل إليه البشر حديثا(10).

وتحت عنوان (الإنسانية العليا) يواصل الرافعي حديثه عن شخصية النبي صلى الله عليه وسلم فيصفه بأنه كان متواصل الأحزان دائم الفكرة، ليست له راحة، طويل السكوت، لا يتكلم في غير حاجة، ليس بالجافي ولا المهين، يعظم النعمة وإن دقت، لا يذم منها شيئا، ولا تغضبه الدنيا ولا ما كان لها، فإذا تعدى الحق لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، وكان خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه.

ولو جمعت كل أوصافه صلى الله عليه وسلم ونظمتها بعضها إلى بعض، واعتبرتها بأسرارها العلمية  لرأيت منها كونا معنويا دقيقا قائما بهذا الإنسان الأعظم(11).

وهل ينبئك مجموع صفاته صلى الله عليه وسلم إلا أنه يعيش معيشة القلب إذا اختلف ما حوله، وفجأته بغتات الوجود، فتجاوز أن يكون منبعا للحياة إلى أن يكون حافظا للحياة في منبعها.

وفي النهاية يرى الرافعي أنه: على هذا النمط يجب تفسير كل أوصافه صلى الله عليه وسلم فهي بمجموعها طابع إلهي على حياته الشريفة، يثبت للدنيا بكل برهانات العلم والفلسفة: أنه الإنسان الأفضل، وأنه الأقدر، وأنه الأقوى(12).

حسن العرض والاختياروحول سمو الفقر في المصلح الاجتماعي الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم يقول الرافعي: كان النبي صلى الله عليه وسلم على ما يصف التاريخ من الفقر والقلة، ولكنه كان بطبيعته فوق الاستغناء، فهو فقير لا يجوز أن يوصف بالفقر، ولا تناله المعاني النفسية التي تعلو بعرض من الدنيا وتنزل بعرض، فما كانت به خلة تحدث هدما في الحياة فيرممها بالمال.

إن فقره صلى الله عليه وسلم كان من أنه يتسع في الكون لا في المال، فهو فقر يعد من معجزاته الكبرى التي لم يتنبه إليها أحد إلى الآن، وهو خاص به، ومن أين تدبرته رأيته في حقيقته معجزة تواضعت وغيرت اسمها، معجزة فيها الحقائق النفسية والاجتماعية الكبرى، وقد سبقت زمنها بأربعة عشر قرنا، وهي اليوم تثبت بالبرهان معنى قوله صلى الله عليه وسلم في نفسه: “إنما أنا رحمة مهداة”(13).

وهذا المصلح الاجتماعي الأعظم يلقي فقرُه اليوم درساً على الدنيا العلمية الفلسفية، لا من كتاب ولا فكر، ولكن بأخلاقه وعمله وسيرته، إذ ليس المصلح من فكر وكتب، ووعظ وخطب، ولكنه الحي العظيم الذي تلتمسه الفكرة العظيمة لتحيا فيه.

ويعلق على هذه الكلمات أستاذنا الدكتور الشكعة بقوله: “لكأني بالرافعي يريد أن يغمز بعض المذاهب الاجتماعية المعاصرة، المنبثقة من أفكار مكتوبة، لها بريق يجلب الأنظار، ولكنها عند التطبيق لا تؤتي الثمرة التي أرادت الفكرة أن تتمخض عنها، ذلك أنها أرضية، أما فلسفة محمد وإصلاحه الاجتماعي فمستمدة من السماء”(14).

وإذا كانت هذه الومضات التي أشرنا إليها كافية في الدلالة على رؤية الرافعي ومنهجيته في معالجة الباب الأول والأهم والأعلى من أبواب التاريخ الإسلامي، وهو السيرة النبوية، -على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- فإن هناك جهودا مبثوثة في أثناء (وحي القلم) وغيره تتصل برؤية الرافعي ومنهجيته في معالجة قضايا التاريخ الإسلامي في عصوره المختلفة، “فاليمامتان”(15)* التي صدّر بها كتاب “وحي القلم” تتصل بموقف من مواقف فتح عمرو بن العاص لمصر، اعتمد فيها الرافعي على خبر جاء في تاريخ الواقدي، ولئن كان الخبر الذي أثبته الرافعي عن الواقدي لا يخلو من مأخذ عند بعض المؤرخين، إلا أن الرافعي اعتمد عليه في استنتاج قصة يؤكد فيها وقوف جيش عمرو بن العاص احتراما ليمامتين جثمتا على فسطاط عمرو، فأوقف عمرو الجيش حتى لا يروع اليمامتين، مستنتجا من هذه القصة الرائعة، التي دار فيها الحوار بين أرمانوسة بنت المقوقس عظيم القبط في مصر، ومارية القبطية وصيفتها أروع المعاني الدالة على رحمة الفاتحين المسلمين وسمو إنسانيتهم!!.

وقد ذكر الأستاذ سعيد العريان أن قسيسا في المغرب أسلم بسبب هذه القصة.

ومن التاريخ الأموي يلتقط الرافعي ثلاث قصص بالغة الروعة: أولاها عن ذلك المفتي الأسود، الأعور، الأفطس، الأشل، الأعرج، المفلفل الشعر الذي كان ملوك بني أمية لا يأتمنون غيره على الفتوى في مواسم الحج وهو عطاء بن أبي رباح، الذي ولد سنة 72هـ، ومات سنة 115هـ، وهو عند الناس أرضى أهل الدنيا، ومن أزهدهم.

وأما حديث القصة الثانية فهو الحديث المعروف، الذي يتصل بسعيد بن المسيب، ففيه أهل المدينة الذي رفض أن يزوج ابنته لولي عهد عبد الملك بن مروان، الوليد وتحمل في ذلك غضب بني أمية، وزوجها لتلميذه الفقير أبي وداعة.

وقد بسط الرافعي القصة بأروع أسلوب في أكثر من عشرين صفحة(16)، وقد ختمها بقوله على لسان سعيد بن المسيب: أف! أف! أتريدون أن أزوج ابنتي من ابن أمير المؤمنين فيخزيها الله على سقوط نفسه، فتكون زوجة جسمه ومطلقة روحه في وقت معا؟ ألا كم من قصر هو في معناه مقبرة، ليس فيه من هؤلاء الأغنياء، رجالهم ونسائهم  إلا جيف، يبلي بعضها بعضا!”(17).

ومن هذا التاريخ الاجتماعي أيضا قصة زوجة إمام، وتدور حول علاقة الزوجة سيئة الخلق بزوجها الذي حلم عليها، فلا تزداد إلا تماديا!!

ونحن نلحظ أن هذه القصص تتصل بالحياة الاجتماعية والتربوية التي تكشف عن معدن النفوس الكريمة التي سيطرت عليها قبل الإسلام، فوقفت بقيمها في وجه تقلبات الزمان.

ومن الدولة الطولونية، التابعة للعصر العباسي يضع الرافعي يده على قصة تتصل بأحمد بن أيمن، كاتب ابن طولون مع مسلم بن عمران، التاجر الأديب ومن هذه القصة يتضح أن المرأة الذميمة تستطيع أن تكون أفضل زوج عندما تصبح ملائكية الأخلاق، ولهذا جاءت القصة تحت عنوان “قبح جميل”(18).

ومن العصر العباسي المتصل بالدولة الطولونية يرصد الرافعي قصة أبي الحسن بنان الحمال الواسطي، شيخ الديار المصرية المتوفى سنة 216هـ، والذي ذهب في تعنيف أحمد بن طولون، وهو يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر لدرجة طاش معها عقل ابن طولون فأمر بإلقائه إلى الأسد ليبتلعه، واجتمع الناس ليروا هذا المشهد الرهيب، لكن الأسد الجائع أقبل على الشيخ يحتك به، يلحظه، ويشمه، كما يصنع الكلب مع صاحبه الذي يأنس به، وكأن الأسد يعلن أن هذه ليست مصاولة، بين الرجل التقي وبينه، ولكنها مبارزة بين إرادة ابن طولون وإرادة الله.

وبعد أن انصرف الأسد سأل ابن طولون الشيخ “ما الذي كان في قلبك، وفيم كنت تفكر؟ فقال الشيخ(19) لم يكن علي” بأس، وإنما كنت أفكر في لعاب الأسد، أهو طاهر أم نجس؟!!!.

وأخيرا نشير إلى قصة من العصر المملوكي، تناولها الرافعي بأسلوبه الأدبي الرائع وهي القصة المعروفة، والتي قام فيها سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام المتوفى سنة 660هـ ببيع أمراء المماليك والوقوف ضدهم، وأخذ فائض أموالهم منهم قبل الدخول في موقعة عين جالوت، فكان ذلك من أكبر أسباب النصر، وقد وضع لها الرافعي عنوانا هو: “أمراء للبيع”(20).

القرآن الكريم سر النهضة الإسلاميةوفي تحليله وعرضه للنهضة العلمية الإسلامية في شتى فروعها عبر التاريخ، يعزو الرافعي هذه النهضة إلى القرآن الكريم، مؤكدا أن القرآن الكريم كان سبب العلوم الإسلامية ومرجعها كلها، وأنه ما من علم إلا وقد نظر أهله في القرآن الكريم، وأخذوا منه مادة علمهم، أو مادة الحياة له، معللا ذلك بأن سطوة الناس في الأجيال الأولى  من العامة وأشباه العامة- كانت شديدة على أهل العلوم النظرية، إلا أن يجعلوا بينها وبين القرآن نسبا(21).

وكما تكلم المفسرون في القرآن، وتكلم الأصوليون، وتكلم البلاغيون، فكذلك تلمحت طائفة ما في القرآن من قصص القرون السالفة والأمم الخالية، ونقلوا أخبارهم، ودونوا وقائعهم، حتى ذكروا بدء الدنيا، وأول الأشياء وسموا ذلك بالتاريخ والقصص(22).

ويذكر الرافعي أن النهضة العلمية كانت قائمة بأكثر العلوم الإسلامية في عهد بني أمية، حتى امتهد أبو جعفر المنصور، ثم الرشيد من بعده للنهضة العباسية الكبرى، التي نشأت من جمع كلمة أهل الفقه والحديث بعد انشقاقهم زمنا، وافتراق الكلمة بينهم  ومن إقبال الناس على الطلب والاستيعاب، فكان ذلك تهيئة لانشقاق علوم الفلسفة والكلام وما إليها، وظهور أهلها، وانحياز السنة عنها جانبا، ثم اجتماعها على مناظرتها(23).

وبالنسبة لجهود الرافعي في تاريخه لمسيرة الأدب العربي، فإننا نتفق مع أستاذنا الدكتور محمد رجب البيومي في أن جهود الرافعي في التاريخ للأدب العربي، تعدل جهود محمود سامي البارودي في بعث الشعر المعاصر، حين أنقذ البارودي هذا الشعر من هوة الركاكة والسطحية، وتنسيق المحسنات، وارتفع به إلى مستوى الشعر العباسي، حيث عارض الفحول من السابقين ولم يكد يختلف عنهم في إبداعه الرائع.

ولئن جاءنا اليوم من يقول لنا: “إن الرافعي في كتابه “تاريخ آداب العرب” قد خرج عن حدود هذا التاريخ إلى بحوث أخرى، ثم يقرنه بباحث أتى بعده بستين عاما فإن ردنا عليه أن هذا هو غبن جائر متعمد مقصود، لأن المسألة بهذا الفارق الزمني، من الوضوح بحيث لا تحتمل اللجاج.

على أن بعض الذين يضيقون بالكتاب الآن، إنما يضيقون به لأسلوبه البياني، فالرافعي في كتابته جاحظي في أسلوبه، يهتم بالديباجة العربية، اهتماما يرتفع بقارئه، ولا يحاول أن يهبط إلى مستوى الأسلوب الصحافي العام(24).

وفي رأينا أن هذا لا يحسب على الرافعي، بل يحسب له، فهذا أسلوبه الذي تميز به في كل كتاباته، ما يتصل منها بتاريخ السيرة، أو التاريخ العام، أو تاريخ العلوم، فضلا عن تاريخ الأدب، وكما كان للرافعي أسلوبه، كذلك كان لعباس العقاد أسلوبه، ولأحمد حسن الزيات أسلوبه، ولمصطفى لطفي المنفلوطي أسلوبه، وكلهم حاولوا أن يعيدوا للبيان العربي رونقه وعظمته في وجه العجمة الزاحفة، والأسلوب الصحفي الضعيف.

وأخيراها هو ذا (مصطفى صادق الرافعي) يعتمد ضمن كتابه (تحت راية القرآن) مقالة لأمير البيان شكيب أرسلان مدارها أن (التاريخ لا يكون بالافتراض) (لأنها توافق رأيه في معالجة التاريخ) … يقول أرسلان فيها:

“لقد ولع بعض الأدباء باتهام التاريخ الإسلامي الذي لدينا، وسلوك طريقة في التعليل لم يسلكها الأولون، ارتياء لوجوه جديدة وأسباب للحوادث لم تكن معروفة بحيث يقال إنهم كشفوا حقائق تاريخية لم يعرفها غيرهم، أو عرفوا أسرارا أعماها التاريخ الديني أو أعمتها السياسة وأهواؤها على الجمهور، ويسمون ذلك تمحيصا وتحقيقا، ويظنون أن التمحيص والتحقيق هما بمجرد المخالفة والخروج عما عليه الرأي العام، ولكننا نعرف التاريخ بالأدلة العقلية والنقلية، وملاحظة ما سبق وما لحق واستنباط النتائج من المقدمات، ولا نعرفه تخرصات، وافتراضات، وأبنية على غير أساس، فإن كان هذا هو التمحيص التاريخي، الذي يتوخى بعض العصريين أن يقلد به الإفرنج، فلا كان هذا التمحيص الذي هو عبارة عن قلب الحقائق لأجل الإتيان بالبدع، ويجل علماء الإفرنج عن أن يكون تمحيصهم من هذا النمط، وقد خلط منهم من خلط في معرض التمحيص ولكن نبه المدققون منهم على أنهم خلطوا.

فعندما يقوم واد فيذهب إلى أن تاريخ حرب اليمامة محاط بالغموض، وأن مقاتلة أبي بكر لأهل الردة لم تكن من أجل إقامة الدين، بل من أجل تأسيس الملك، وما أشبه ذلك من التوجيهات التي لم يقم عليها أدنى دليل، نعلم أنه حاول أن ينهج مناهج الممحصين فظن التمحيص مجرد الخروج عن الإجماع ولو كان الإجماع صحيحا، فلم يصب المرمى.

وفي النهاية يلتقي أرسلان والرافعي في توجيه هذا النداء إلى هؤلاء المتجرمين على التاريخ. قائلين لهم:

– يا إخواننا: إن التاريخ لا يكون بالظن، وإن الظن لا يغني من الحق شيئا. فإن كنتم مع هذا تصرون على المخالفة لأجل المخالفة، فليس هذا مما يزيد الثقة بعلمكم، بل هو مما ينقصها، وبدلا من أن يضع العلم على قواعد اليقين، يضعه على قواعد أوهى من بين العنكبوت(25).

——————————————–

*بعض هذه القصص وغيرها نوردها في باب الإبداع للإفادة والإمتاع

(1) مصطفى صادق الرافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، المكتبة التوفيقية، مصر، عام 1997م، ص 126-127.

(2) د. فتحي عبد القادر فريد، بلاغة القرآن في أدب الرافعي، ص 106، ط. دار المنارة بالقاهرة، 1985.

(3) انظر موريس بوكاي، الكتب المقدسة في ضوء العلم الحديث، نشر دار المعارف بمصر.

(4) بلاغة القرآن في أدب الرافعي، مرجع سابق، ص 106-107.

(5) المرجع السابق، ص 108.

(6) مصطفى صادق الرافعي، وحي القلم، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، الجزء الثاني، ص3.

(7) وحي القلم، مرجع سابق، الجزء الثاني، ص10.

(8) الرافعي، وحي القلم، ج2، ص 14-15.

(9) الرافعي، وحي القلم، ج2، ص 33.

(10) د. مصطفى الشكعة، مصطفى صادق الرافعي، كاتبا عربيا ومفكرا إسلاميا، ط3، ص 121، الدار المصرية اللبنانية عام 1419هـ، (وانظر الرافعي: وحي القلم 34/2).

(11) الرافعي، وحي القلم، ج2، ص 39-40.

(12) المرجع السابق، ج2، ص 42-48.

(13) المرجع السابق، ج2، ص 48-49.

(14) مصطفى صادق الرافعي، كاتبا عربيا ومفكرا إسلاميا، ص 119، مرجع سابق.

(15) الرافعي، وحي القلم، ج1، ص 17-29.

(16) المرجع السابق، ج1، ص 126-148.

(17) المرجع السابق، ج2، ص 147-148.

(18) المرجع السابق، ج1، ص 168-179.

(19) المرجع السابق، ج3، ص 58.

(20) المرجع السابق، ج3، ص 58-66.

(21) الرافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص 122.

(22) المرجع السابق، ص 128.

(23) المرجع السابق، ص 120.

(24) محمد رجب البيومي، تاريخ الأدب العربي للرافعي، دراسة في مجلة الأدب الإسلامي، العدد 13، رجب 1417هـ.

(25) مصطفى صادق الرافعي، تحت راية القرآن الكريم، المكتبة التجارية، ص96.