أعلنت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية عن تنظيم مبارة للأئمة والمرشدات، وحددت شروط اجتياز هذه المبارة، وقد نشرت بعض وسائل الإعلام النبأ. لكن مأساة السنة الماضية، والجريمة التاريخية التي ارتكبت في حق طلبة متفوقين تم إقصاؤهم بسبب انتمائهم لجماعة العدل والإحسان المعارضة، تقتضي أن يعلن ضمن شروط الترشيح عن ضرورة عدم انتماء المرشحين لجماعة العدل والإحسان، أو يذيل الإعلان بملحوظة مفادها أن ملفات الترشيح ستحال على أجهزة المخابرات قبل استدعاء أصحابها للامتحان، وسيكون هذا أخف من الجريمة النكراء للسنة الماضية، حيث لم تحل ملفات الترشيح، بل نتائج الامتحانات هي التي أحيلت على المخابرات لإزاحة أهل العدل والإحسان، المواطنون من الدرجة الدنيا. وهكذا يحرم جزء من أبناء وبنات الوطن من مزاولة وظيفة عمومية بسبب انتمائهم السياسي.

وليست هذه المبارة مما يستحق أن يتحسر عليه المقصيون من طلاب وطالبات العدل والإحسان ظلما وعدوانا، خاصة في ظروف الميوعة المفروضة على الوعظ والإرشاد، والمأساة التي تعيشها منابر المساجد في المغرب. لكنه عمل إجرامي وهضم لحقوق المواطنة في كواليس البوليس، وفي دهاليز هذه الوزارة التي كانت ولا زالت ورشة مخابراتية بامتياز. وإن الكتاب الذي أصدره مؤخرا وزير الأوقاف السابق في هذا السياق لمفيد.

من حق الوزارة أن تقول بأن وظائفها خاصة بالمسلمين، فلا يمكن لمواطن مغربي يهودي أو نصراني أو لا ديني (إن وجد) أن يتولى مهمة الوعظ والإرشاد أو الإمامة أو الأذان…وقد تعطي الوزارة لنفسها حق وضع دفتر التحملات فتشترط على من تتعاقد معهم ليتولوا مهام الوعظ والإمامة شروطا كالقراءة برواية ورش والالتزام بالمذهب المالكي في فقه الصلاة والحيض والنفاس، أما الدنيا والسياسة والاقتصاد والمجتمع فمجالات لها أهلها وهم يستقون من المذهب الأمريكي عوض المالكي، والمؤسسة التشريعية العليا في البلاد محاطة بالخمارات من كل جانب لا يأبه أصحابها بما قاله مالك في الخمر… وللوزارة أن تسلم خطبا جاهزة فيلتزم الإمام المتعاقد معه بقراءتها، مع ضرورة تصنع التفاعل مع مضمونها، ولها أن تختار المضمون من دروس التربية الوطنية، ومن شروح “منبت الأحرار”، ففي كل أسبوع عيد أو مناسبة، ولها أن تخرج عن المذهب المالكي متى شاءت، فتفرض من الأدعية ما تشاء عقب الصلوات أو في ختام الخطبة، ولها أن تعطي الامتياز للحالقين أو لأصحاب الشوارب وتفضيلهم على الملتحين، إلا أن يؤكد هؤلاء مزيدا من الولاء والانبطاح…أليس هذا كافيا لتسييج الحقل الديني؟ فما الدافع لإقصاء أهل العدل والإحسان؟ أليسوا مغاربة؟

مهلا أيتها الوزارة المحترمة، فلولا البؤس الاجتماعي، والفقر المادي ما طرق بابك طارق. فما الذي يدفع بالمرء إلى اجتياز هذه المبارة؟ أهم الدنيا، أم هم الآخرة؟ أما الدنيا فأي حظ يناله من يقضي حياته متعاقدا مع جهة يمكنها أن تسرحه في أية لحظة، نظير دريهمات تجعله في أسفل مراتب الأجور تحت عتبة الفقر، إنها مكانة الدين عند أهل الدنيا. وأما الآخرة فأي حظ يناله الخطيب الواعظ وقد حول منبر بيت الله إلى حصة للدعاية المخزنية؟ وينثر القرآن الكريم والسنة النبوية نثر الدقل مخافة أن يتهم بالتطرف، أو بانتقاد النظام. وإلى أي حد يستطيع الجمع بين رضى الله ورضى المخزن في مؤسسة أريد لها أن تكون تحت وصايات متعددة؟

فسجل يا تاريخ، إن ملائكة الرحمان مسجلة، مآسينا من أفعال قوم باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، فإلى الله المشتكى وهو سبحانه المستعان.

“ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين، لهم في الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم” صدق الله العظيم