مغفرة الله وعفوهعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما سأل الله العباد شيئاً أفضل من أن يغفر لهم ويعافيهم).

قال الشوكاني رحمه الله: الحديث أخرجه البزار، وقال في مجمع الزوائد: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير موسى بن السائب وهو ثقة.

وقال: أخبر صلى الله عليه وسلم بهذا القول العام والكلام الشامل بأنه ما سأل العباد ربهم من المسائل المتعلقة بأمور الدنيا والآخرة أفضل من أن يسألوه أن يغفر لهم ويعافيهم،…. من أن العمدة الكبرى في نيل السعادة الأخروية: هي مغفرة الذنوب وعفو الله عنها. والعمدة العظمى في نيل السعادة الدنيوية:هي العافية، وهذه الكلمات كما ترى فيها ما يبعث رغبات الراغبين إلى إدامة الطلب من رب العالمين أن يغفر ويعافي، فمن رزق الاستكثار من هذا السؤال، وحظي بتكرار هذا الدعاء، فقد لاح له عنوان السعادة، وفتح له باب الفوز، وأخذ بطرفي النجاة.

حقيققة الاستغفارالاستغفار: طلب المغفرة من الله، والمغفرة هي وقاية شر الذنوب ومحوها وإزالة أثرها مع سترها.. أي أن الله عز وجل يستر على العبد في الدنيا ويستر عليه في الآخرة فلا يفضحه في عرصاتها ويمحو عنه عقوبة ذنوبه بفضله ورحمته.

وفوق ذلك أن الاستغفار عبادة وطاعة لله عز وجل واستجابة له سبحانه.

وقد كثر ذكر الاستغفار في القرآن فتارة يؤمر به كقوله تعالى: “واستغفرواْ الله إن الله غفور رحيم”. وكقوله تعالى: “واستغفر لذنبك وللمومنين والمومنات”. وقوله تعالى: “فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توابا” [آخر سورة النصر]. وقوله سبحانه: “ربنا اغفر لي ولوالدي و للمومنين يوم يقوم الحساب”.

وتارة يحذرنا من الإعراض عنه كقوله تعالى: “ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون” [الحجر: 56]. وتارة يرغبنا فيه أشد الترغيب لقوله تعالى: “قلْ يا عباديَ الذين أسرفواْ على أنفسهم لا تقنطواْ من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم”.

وتارة يمدح أهله كقوله تعالى: “والمستغفرين بالأسحار”. [آل عمران: 17]. وقوله تعالى: “وبالأسحار هم يستغفرون” الذاريات: 18.

وتارة يذكر الله عز وجل أنه يغفر لمن استغفره كقوله تعالى: “ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيما”.

وتارة يحث عليه كقوله عز وجل: “ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين” [آل عمران: 43 ].

وقوله تعالى: “ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفرواْ واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم” [الممتحنة: 4].

– وعن ابن عباس رضي الله عنه كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم) أخرجه الحاكم وقال صحيح إن كان أبو عبيدة سمع من أبيه.

– قال بعض الحكماء: العبد بين ذنب ونعمة لا يصلحهما إلا الحمد والاستغفار.

أهمية الاستغفار وحاجة العبد إليهيقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “الاستغفار يخرج العبد من الفعل المكروه إلى الفعل المحمود، ومن الناقص إلى العمل التام، ويرفع العبد من المقام الأدنى إلى الأعلى منه والأكمل، فإن العبد لله في كل يوم، بل في كل ساعة، بل في كل لحظة، ويزداد علماً بالله وبصيرة في دينه وعبوديته بحيث يجد ذلك في طعامه وشرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله، ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات العالية وإعطائها حقها، فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار، بل هو مضطر إليه دائماً في الأقوال والأحوال، في الغوائب والمشاهد، لما فيه من المصالح وجلب الخيرات ودفع المضرات، وطلب الزيادة في القوة في الأعمال القلبية والبدنية”.الترغيب في الاستغفارقال الله عز وجل: “وسارعواْ إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين، الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين، والذين إذا فعلواْ فاحشة أو ظلمواْ أنفسهم ذكرواْ الله فاستغفرواْ لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصرواْ على ما فعلواْ وهم يعلمون، أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين” [آل عمران: 133  136].

قال ابن مسعود: أربع آيات في كتاب الله عز وجل أحب إلي من حمر النعم وسودها. قالواْ: وأين هي؟

قال: إذا مر بهن العلماء عرفوهن. قالواْ له: في أي سورة؟

قال في سورة النساء قوله: “إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً” [النساء:40]. وقوله تعالى: “إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثماً عظيماً” [النساء:48]. وقوله: “ولو أنهم إذ ظلمواْ أنفسهم جاءوك فاستغفرواْ الله واستغفر لهم الرسول لوجدواْ الله تواباً رحيما” [النساء:64]. وقوله تعالى: “ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفوراً رحيما”[ النساء: 110]، والخبر في الزهد لهناد(903)، شعب الإيمان(2426).

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن إبليس قال لربه عز وجل: وعزتك وجلالك لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت الأرواح فيهم، فقال الله تعالى: فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني) يقول الشوكاني رحمه الله: الحديث أخرجه أحمد وأبو يعلى، وفي مجمع الزوائد رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه، وقال: لا أبرح أغوي عبادك، والطبراني في الأوسط، وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح & وفي الحديث دليل على أن الاستغفار يدفع ما وقع من الذنوب بإغواء الشيطان وتزيينه، وأنها لا تزال المغفرة كائنة لهم ما دامواْ يستغفرون. وأخرج أبو يعلى من حديث أبي بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عليكم بلا إله إلا الله والاستغفار، فإن إبليس قال: أهلكت الناس بالذنوب فأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار فلما رأيت ذلك منهم أهلكتهم بالإغواء والأهواء وهم يحسبون أنهم مهتدون) وفي إسناده عثمان بن مطر، وهو ضعيف.

وفي الجامع الصغير أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ما من الذكر أفضل من لا إله إلا الله، ولا من الدعاء أفضل من الاستغفار) والرمز [طب] عن ابن عمر [ح]. [تحفة الذاكرين ص:319].

وعن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: “إن الله تبارك وتعالى يقول: يا عبادي كلكم مذنب إلا من عافيت، فاستغفروني أغفر لكم، ومن علم أني أقدر المغفرة فاستغفرني بقدرتي غفرت له ولا أبالي، وكلكم ضال إلا من هديت، فاستهد وني أهدكم،وكلكم فقير إلا من أغنيت، فاسألوني أغنكم، ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميتكم ورطبكم ويابسكم اجتمعواْ فسألني كل سائل منهم ما سأل ما بلغت أمنيته فأعطيت كل سائل منهم ما سأل ما نقصني، كما لو أن أحدكم مر بشفة البحر فغمس فيه إبرة ثم انتزعها، كذلك لا ينقص من ملكي، ذلك بأني جواد ماجد صمد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إذا أردت شيئاً فإنما أقول له كن فيكون”رواه أحمد(5/154، 177)، والترمذي(2495)، وابن ماجة(4257).

وعن سلمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أكثرواْ من الاستغفار فإن الله لم يُعلمكم الاستغفار إلا وهو يريد أن يغفر لكم ) الدر المنثور للسيوطي (8/280) وعزاه لابن مردويه.

وعن علي بن ربيعة قال شهدت عليا أتي بدابة ليركبها فلما وضع رجله في الركاب قال بسم الله فلما استوى على ظهره قال الحمد لله ثلاثا ثم قال سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين [ إلى قوله ] وإنا إلى ربنا لمنقلبون ثم قال الحمد لله ثلاثا الله أكبر ثلاثا سبحانك إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ثم ضحك قلت من أي شيء ضحكت يا أمير المؤمنين قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت ثم ضحك فقلت من أي شيء ضحكت يا رسول الله قال:( إن ربك ليعجب من عبده إذا قال رب اغفر لي ذنوبي قال علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري), رواه الحاكم وأحمد والترمذى وقال حسن صحيح.

وعن حديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صل الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشرواْ، وإذا أساءواْ استغفرواْ)، أخرجه أحمد وابن ماجة وأبى يعلى.