أولا: السياقدعت قبل أيام وزارة تدبير الشأن الديني إلى إقامة صلاة الاستسقاء يومه الجمعة 22 ذي الحجة 1428، الموافق لـ:2007.01.12م، التماسا لمطر يحيي به الله تعالى الأرض بعد موات، ويغيث به سبحانه العباد والبلاد؛ والطريف كما تتناقله ألسنة المغاربة، هو توقيت هذه الصلاة، وذلك من جهتين:

من جهة محاولة استباق سقوط المطر بعد أن أعلنت مصالح الأرصاد الجوية احتمال نزول مطر في الأيام القريبة القادمة، ومن جهة ثانية تقررت إقامة صلاة الاستسقاء يوم الجمعة وهو يوم عمل رغم أنف الإمام مالك رحمه الله، في حين كانت الأولى أن تقام هذه الصلاة يوم أمس الخميس، وقد كان يوم عطلة حتى تكون المشاركة أوسع، والوقت أنسب للاسترسال في الدعاء لمدة أطول رجاء استجابته سبحانه، لكن مرة أخرى يطارد الهاجس الأمني الدولة، وهي غير مستعدة لتهييء فرصة لتجمهر المغاربة، وبدعوة منها ليعبروا -وما أكثر ما يمكن أن يعبر عنه المغاربة!- مثلا عن الغلاء في الأسعار، عن تزايد نسبة وأنواع الضرائب، عن خيبة الأمل في مخططات التنمية وتوفير مناصب الشغل، عن مشروع إصلاح التعليم الجامعي، عن الاستنكار لتلاعب الاحتلال الأمريكي بمشاعر المسلمين وتوقيت صدام حسين، وعن..، وعن..، مما تعرفه أجهزة الدولة، وقد لا يخطر على قلب مغربي.

هذا عن السياق، أما متطلبات صلاة الاستسقاء، وهي ما يضمن استجابة جل وعلا، ويرحم العباد بالغيث النافع، فهو ما لم سكتت عنه وزارة تدبير الشأن الديني؛ فإذا كانت صلاة الاستسقاء سنة نبوية مؤكدة، فقد حدد لها ديننا الحنيف شروطا، وأحاطتها السنة النبوية بهيبة وقدسية خاصة، نستقصيها تذكيرا وتعليما وتصحيحا للنيات، فبها الأعمال تثبت وتنبت النبات الحسن.

ثانيا: حكم صلاة الاستسقاءسنة مؤكدة، فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلنها في الناس، وخرج لها إلى المصلى. قال عبد الله بن زيد: “خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي، فـتـوجه إلى القبلة وحول رداءه (قلبه)، ثم صلى ركعتين، جهر فيهما بالقراءة.” (متفق عليه)

ثالثا: صفتهاتشبه صلاة العيدين وقتا وصلاة، وبعد التسليم يستقبل الإمام الناس، فيخطب خطبة يكثر فيها من الاستغفار والدعاء، ويحول الإمام وبعده المصلون أرديتهم، فيجعلون ما اليمين على اليسار والعكس، ثم يدعون ساعة وينصرفون.

رابعـا: متطلباتهايستحب أن يعلن عنها الإمام قبل الموعد بأيام، وأن يدعو الناس إلى التوبة من المعاصي ورد المظالم، والإكثار من الصدقات، وترك المشاحن والخصومات، لأن المعاصي سبب الجدب وانحباس المطر، يقول صلى الله عليه وسلم: “لم ينقص قوم المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين (المجاعة) وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا” (رواه ابن ماجة).

لقد خرج أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يستسقي، فلم يزد على الاستغفار، فقال الناس: ما رأيناك استسقيت. فقال: لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء (أي أنواؤها) الذي يستنزل به المطر. ثم قرأ قوله تعالى: “واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه، إن ربي رحيم ودود..” (سورة هـود:90)، وقوله تعالى: “استغفروا ربكم إنه كان غفارا، يرسل السماء عليكم مدرارا، ويمددكم بأموال وبنين، ويجعل لكم جنات، ويجعل لكم أنهارا، ما لكم لا ترجون لله وقارا، وقد خلقكم أطوارا..” (سورة نوح:14،10).

التوبة إذن شرط وجوب في صلاة الاستسقاء، والاستقامة أس الدعاء وقاعدتـه، وقد منع قوم موسى عليه السلام الغيث، ولم يستجب الحق سبحانه دعاءهم وتضرعهم وفيهم نبيه وكليمه عليه السلام، لأن فيهم ببساطة رجل عاص، حبست معاصيه نزول رحمة الله، ولما تاب نزل الغيث.

فـأين صلاتنا من صلاة الأنبياء والخلفاء والصالحين، والموبقات والمعاصي وما يوجب خسف العمران تجاوز حدود المجاهرة، بل غدت له مؤسسات راعية وداعمة، أين قناتانا التلفزيتان من التوبة، ومهرجانات العري والفاحشة الملونة تغزونا صباح مساء؟ وأين المسؤولون ورؤساء المصالح الإدارية الذين يتوافدون على المصليات ولم يجف قلم تزوير أو تعسف على أرزاق العباد خيرات البلاد بعد؟ وأين الانكسار والتذلل بين يدي القهار الجبار وصلاة الاستسقاء تتحول إلى معرض للتباهي بأفخم السيارات، وأرقى الجلابيب، وأنعم النعال، يد تحمل أصغر هاتف محمول، ويد تمسك أنكه سيجارة أنتجتها شركات العم سام؟ ألم يكن حريا بوزارة تدبير الشأن الديني أن تخصص أسبوعا يتنادى فيها للمساجد لتلاوة القرآن، وترقيق الأفئدة بالمواعظ والابتهالات،عسى أن تتهيأ القلوب للوقوف بين يدي بارئها ورازقها تستغيثه، وتستمطر رحمته، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون تدويخا للمستضعفين باسم الدين.

فاللهم اسق عبادك، وانشر رحمتك، واحي بلدك الميت، ولا تؤاخذنا بما يفعله السفهاء فينا ومنا. آمين.