أولا: السياق.

بداية تجدر الإشارة إلى السياق الذي يدعو إلى ضرورة تكرار النقاش والحوار حول فكرة الميثاق. وهو نقاش لا يروم إقامة الحجة بالمنطق الجدالي، إذ لم يبق للأمة من وقت تضيعه في ترهات التنابز والاشتغال الصبياني بقضايا الكبار، وهي دوما قضايا كبرى، بقدر ما يهدف إلى التأسيس للوعي بحتمية الخطاب الجامع كخيار عملي مصيري.

والخطاب الجامع لا يعني البتة تجاهل الواقع التعددي، بل هو جامع لكونه يستحضر البناء التعددي من حيث هو حقيقة وقيمة إيجابية تضفي الفاعلية والجدوى على حركة الأمة ومضمونها.

ففي لحظة معينة، تميزت بعدم النضج التربوي والفكري من تاريخ الأمة، عولج الواقع التعددي بقصور فكري وعدم الوعي الكامل بالذات، مما أدى إلى تكريس الواقع الانشطاري العمودي في جسم الأمة، وهو ما جعلها باقية لقمة سائغة بين يدي الخصوم والأعداء.

إن الخطاب الجامع يتميز بخاصيتين كليتين:

الأولى: الاستناد إلى عمق أخلاقي سام وجامع ينبني عليه عمق فكري مستوعب لتفاصيل الواقع، وناظر للمستقبل من خلال نظريات علمية عملية على قواعد صناعة شروط الحرية والقوة والاستقلال.

والثانية: امتلاك قدرة فائقة على صناعة واقع حواري تواصلي متأسس على مرتكزين أساسيين. الأول: الوضوح الكامل في تدقيق وتحديد كليات العملية الحوارية ووسائلها الجامعة. وهو ما يقتضي الكفاءة في استعمال مضامين هذه الكليات عبر المرتكز الثاني: وهو القدرة على النظر في الجزئية الواقعية من خلال علاقتها بالكليات ومكان اندراجها ضمنها وعلاقتها التفاعلية مع باقي جزئيات الواقع في أبعاده المحلية والدولية المستقبلية.

ومقتضى هذا هو ضرورة الحسم في تحديد وتدقيق المرجعية المعنوية التي هي الوعاء الجامع والمحتضن للعملية الحوارية التواصلية، بحيث يتحدد بناء على ذلك مضمون الرسالة التي تكون المعنى القيمي للأمة وتشكل مضمون حركتها، فضلا عن كونها تميز منظومة القيم التي تؤطر العلاقات الفردية والجماعية.

فالسياق الذي دعا إلى ضرورة فتح حوار واسع ونقاش عميق حول فكرة الميثاق في حركة الأمة في واقعها الحالي هو حجم التحديات ونوع المطالب التي يفرضها المستقبل الجامع المنظور.

ثانيا: الميثاق الجامع عمق استراتيجي وخيار مصيري.

بناء على معطيين سلبيين نقرأ موقع فكرة الميثاق.

الأول: ما جنته الأمة بحكم هيمنة العقلية الاستبدادية التسلطية على مر قرون من الزمن، التي انضافت إليها في القرن العشرين الميلادي العقلية الانقلابية المتهورة المتميزة بفقدانها أي معنى استراتيجي في أفعالها الحركية والسياسية، والتي أدخلت الأمة في دائرة الخوف من نفسها عن نفسها حتى صار الآخر عندها قوة لا تقهر وجيوشا لا تهزم، فدخلت في مرحلة الانهيار الشامل معنويا وماديا، والانبهار الكامل بالغير، فضلا عن واقع التشرذم والفسيفسائية السياسية والمجتمعية والفكرية والإرادية التي كرسها واقع الاستبداد.

والثاني: كون الغالب على النخبة المفكرة أنها لم تستطع أن تخوض معركة الوعي بالذات والمستقبل بناء على فقه سليم للماضي من تاريخ أمتها، مما كون واقعا مبنيا على الريبة والشك وعدم القدرة على إدارة عملية التحاور والتدافع والتواصل واختراق الواقع السلبي وإعادة تشكيله بناء على نتائج عملية حوارية فكرية عميقة وصريحة ومؤسسة لعملية سياسية جامعة.

ولعل أبرز مؤشر على المسألة هو الموقع السلبي الذي أصبح يحتله العلماء ضمن حركة المجتمع ومؤسساته، كما الموقع الذي وجدت النخبة المفكرة نفسها فيه، بحيث فقدت جل الوسائل، إن لم نقل كلها، للتأثير على الواقع، فحصلت شبه قطيعة بينها وبين الحركات السياسية التي من المفروض أن تقوم بدور التأطير والإصلاح والتغيير.

فأمام هذا الواقع السياسي والمجتمعي والفكري والنفسي ما هو الاقتراح المناسب لصناعة واقع جامع إيجابي يضمن شروط الحرية ويصنع عناصر القوة والاستقلال ويحافظ عليها؟

إن الوعي الكامل بأن الاستبداد فعل فعلته في كبح قوى الأمة حتى حجب تماما عن الكثيرين، لا يعني التسليم بالأمر الواقع والخضوع والاستسلام للقوى المهيمنة مهما صورت حجم عنفها وشراستها في القمع والبطش والتنكيل والمسخ والتدجين. ذلك أنه تأتي على الأمة لحظات تاريخية وفرص تكون فيها الضرورة تدعو إلى اقتراح جامع وتوظيف جميع الإمكانيات لتنفيذه على أرض الواقع بناء على وعي دقيق وفهم سليم لتفاصيل التنزيل ومآلاته، لكن هيمنة الاستبداد تمنع من ذلك وتتشبث باحتكار المواقع والمجالات إلى أن يحصل الانهيار الشامل، وهو ما يدعو إلى ضرورة الوعي بحتمية تقويض روح الاستبداد والقمع لتمكين الأمة من صناعة حركتها التلقائية ضمن فضاء الحرية والمسؤولية.

وعليه، فإن التاريخ يسجل أن الأمة حينما تكون على مرحلة معينة من تاريخها يظهر كبارها وعقلاؤها باقتراحات جامعة، قد تختلف من حيث واقعيتها وشمولها ومدى قدرتها على إيجاد الوسائل الناجعة لتصبح واقعا معيشا، لكنها تأخذ الاعتبار من كونها تجيب عن السؤال المصيري المتعلق بالحفاظ على كيان الأمة وإعادة بنائه وتجديده. ولعل أقرب مثال على هذا، دون أن نغوص في التاريخ، هو فكرة الكتلة التاريخية في الفكر الغربي خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. وقد كان صاحبها ابتداء غرامشي. دون أن نغفل هنا أدوار الأنبياء والرسل والدعاة في الباب، وهو أمر يحتاج إلى دراسة خاصة نظرا للفارق بين هذا الخط الممتد في العمق الإنساني وبين الاجتهادات الفكرية لهذا المفكر أو ذاك في هذا الزمان أو ذاك.

فالأمة حينما تصبح واقعا انشطاريا، وقد تتقاتل فيما بينها، تكون الضرورة إلى اقتراح جامع يعالج الواقع بناء على حاجة الجمع في المستقبل مسألة حياة أو موت. وهو الأمر الذي ميز أوربا خلال القرنين المذكورين، وهو ما يميز الأمة الإسلامية اليوم.

فأساس الميثاق التعدد، لأنه لولا وجود التعدد فلا معنى للميثاق. لكن التعدد الذي يعطي مضمونا سليما وبانيا لحركة الميثاق هو التعدد الإيجابي، أي المبني على التنوع التكاملي الوظيفي، لا التعدد السلبي الذي يكرس واقع الانشطار العمودي في جسم الأمة. وهو العمودي مظهر التقسيم لجسم الأمة وقد يؤدي إلى نهايتها ما لم تحصل عملية تجديد شاملة تنهض بها من جديد. والتقسيم لا يشبه بوجه من الوجوه التعدد الذي يعني التنوع الإيجابي لفاعلية مكوناته.

وأساسه الثاني الحوار الصريح والواضح، حيث الحوار أداة تواصلية تصنع الواقع التفاعلي بين جميع الأفكار والاقتراحات والإرادات التي تجسد تنوع التعدد وتكامله. لذلك فحركة الميثاق لا تقبل صنفين:

الأول: المستبد، لأنه ينطلق دوما من موقع أنا ربكم الأعلى ولا أريكم إلا ما أرى.

والثاني: المغرور الذي يدعي امتلاك الحق والصواب وحده. إذ عملية التواصل معه تكون عديمة الجدوى، لأنها تتحول إلى عملية اتصال من جهة واحدة حيث لا يهمه إلا ما في جعبته بما هو حق مطلق لا يحتاج تنزيله إلا لآذان صاغية وأداة طاغية. وقد كان هذا عاملا حاسما فيما وصلت إليه الأمة اليوم.

فالميثاق بهذا المعنى هو جواب عن سؤال المرحلة التاريخية المعيشة في علاقتها بالمستقبل. ولذلك إذا لم يسمح للعملية التواصلية بين المكونات التعددية الإيجابية لصناعة مضمون الميثاق، على قواعد الوضوح والصدق والمسؤولية، تكون خسارة الأمة عظيمة حينما تتغير المعطيات الواقعية إلى درجة يصعب فيها إيجاد الآذان الصاغية حيث لا ينفع الندم حينها. ويكفي في هذا أن ننظر اليوم إلى أغلب دول عالمنا العربي، إذ في الوقت الذي تنمو فيه عوامل الصراع غير الصحي بين المكونات، لم تكن حركة بناء الميثاق الجامع على وضوح بين أحضان الأمة لتنظيم عملية التدافع بين هذه المكونات بناء على ضوابط مصلحية ومقاصد جامعة وأهداف نبيلة، حتى يتم التقويض الكلي للعوامل السلبية وتنمية العوامل الصحية والإيجابية في تأطير وبناء الحياة السياسية والمجتمعية على وضوح ومسؤولية. وما لم ينهض العقلاء لفرض حركية جديدة ميثاقية جامعة فالنتيجة كارثية على كل الأصعدة.

ومن هنا ندرك، تمام الإدارك، أن معركة صناعة شروط الحرية لفعل فكرة الميثاق في الحياة السياسية والمجتمعية خيار مصيري يروم البحث عن بلورة الخطاب الجامع لبناء الجسم المنجمع والقوي.

وهذا الاعتبار المصيري لفكرة الميثاق يحيل على ضرورة جعل صياغته أولوية سياسية تفرض نفسها على الفاعلين السياسيين والمفكرين والعلماء وكل المهتمين. بمعنى أن مضمون الحركة السياسة والفكرية والعلمية والمجتمعية والاجتماعية يجب أن يكون عامرا بروح الميثاق ومتجها عمليا إلى تحقيق مقاصده وأهدافه بالأولوية نظرا لموقعه ضمن صياغة وبناء مضمون حركة الأمة الممتد في المستقبل.

ثالثا: المرتكزات الاستراتيجية لفكرة الميثاق في مشروع العدل والإحسان.

إن تكرار نداءات جماعة العدل والإحسان لفكرة الميثاق، وصياغة برامجها العملية عن طريق الدائرة السياسية وهياكلها لخدمة هذا المعنى الجامع لم يكن صادرا عن وضع سياسي تعيشه الجماعة اضطرارا بسبب القمع والحصار، بل نجد أدبيات الجماعة لا تخرج عن دائرة العمل على صياغة واقع جماعي يتميز بالمسؤولة والوضوح.

ولذلك، ففكرة الميثاق ما هي إلا تجسيد عملي للروح الجماعية لمشروع العدل والإحسان.

فالفكرة تأخذ قيمتها من كونها صادرة عن رجل من طينة الأستاذ عبد السلام ياسين، ومن كون تنظيم من حجم تنظيم جماعة العدل والإحسان يحرص على بلورة مقتضياتها ويرعاها، على الرغم من الظروف الواقعية التي لا تسمح لمثل هذه الأفكار أن تجد طريقها التلقائي في العملية السياسية والمجتمعية. بحيث لو كان هَمُّ مثل هذا التنظيم المنصب والموقع السياسيين كسقف، لكانت وضعية الجماعة النوعية والكمية اليوم تفرض عليها التحول إلى حزب سياسي مسلم بقواعد اللعبة القائمة ويحتل تلك المنصب والمواقع بسهولة، لكن الأمر غير ذلك لأنه يتعلق بالتأسيس لمشروع إنقاذ حقيقي جامع يقتضي الصبر والمصابرة والعمل الدؤوب حتى تتهيأ شروط إنجازه المرحلية والاستراتيجية.

وبما أن لهذه الفكرة علاقة مصيرية بمستقبل الأمة ومصالحها العليا، فهي تأخذ موقعها المناسب في صياغة الحركة الواقعية لهياكل الدائرة السياسية للجماعة ومضمونها.

ويمكن رصد المعنى المصيري لفكرة الميثاق ضمن حركية مشروع العدل والإحسان ضمن سياق نهوض الأمة ويقظتها وولادتها الجديدة من خلال رصد بعض مرتكزاته المصيرية.

1-أصل فكرة الميثاق: الوعي المرجعي.

لبيان مصدر فكرة الميثاق ينبغي التنبيه إلى الفارق التالي: وهو الحاصل بين التفكير بروح الحزبية الضيقة وبين التفكير بروح الجماعة التي تروم بناء الأمة التي لها وظيفة رسالية تاريخية؛ فهو ليس تفكيرا مبعثرا من خلال التعميم في معاني الأمة، ولا هو سجين عملية تعصبية حزبية، بل ينطلق من الوعي بالمعنى الحقيقي لمفهوم الجماعة ضمن حركة الأمة.

فالجماعة هنا لا تعني هذا التنظيم الإسلامي دون ذاك، بما فيه تنظيم جماعة العدل والإحسان، ولا هذا المكون المجتمعي دون الآخر، وإنما تعني طبيعة الولاية الجامعة لحركة الأمة وعناصرها الطليعية. لأن مشروع العدل والإحسان مشروع الأمة يسعى تنظيم جماعة العدل والإحسان أن يحظى هذا المشروع بوجوده في مكانه المناسب، وهو أن يصبح مجسدا لمضمون حركة الأمة.

فالجماعة تعني ولاية خاصة منظمة من خلال قوانين وضوابط وقيم كبرى مجمع عليها، تسري في كل تفاصيل الحياة ومؤسساتها المتنوعة داخل الأمة، وتعني ولاية عامة بين كل الناس ومصالحهم.

ويكون دور الميثاق أن ينظم معنى الولاية الخاصة لصناعة الطليعة المجتمعية السياسية القيادية التي تسهر على تنظيم الحياة العامة في أحضان الأمة المراقبة والمحاسبة والواعية والمختارة. وهكذا يحصل التكامل ضمن حركة الأمة على وعي تام بالذات ووظائفها الداخلية والخارجية ووسائلها الكلية في ذلك. أي هو وعي وقدرة على تنظيم عملية التدافع الداخلي وتجلياته وعقباته الخارجية، كما هو تأسيس لنوع نظام مؤطر لطبيعة العلاقات الدولية المنشودة.

فأصل فكرة الميثاق في مشروع العدل والإحسان يرجع إلى معنى الجماعة والأمة والقضية الجامعة التي تميز هذه الأمة من خلال منظومة قيمها وقيامها ووظيفتها.

فالميثاق صادر عن تفكير بروح الأمة عن طريق الجماعة التي تعني تنظيم واقع التعدد الإيجابي لتقويض روح الاستبداد والقمع والتعدد السلبي الذي يراهن غالبا على المصالح الضيقة والعصبية السلبية؛ كالقبلية والطائفية والحزبية والعائلية وغير ذلك من سجون الفكر والعاطفة والحركة.

2-مجال حركة الميثاق: الوعي التاريخي.

تتميز أدبيات جماعة العدل والإحسان بإحاطتها بوعي تاريخي، سواء من جهة تاريخ الأمة الإسلامية أو من جهة التاريخ الإنساني.

والمقصود بالوعي التاريخي ليس الإحاطة بالمعطيات التفصيلية التاريخية، فهذه في متناول الجميع، وإنما المقصود العلم بالأسباب والسنن التاريخية والكونية على صورة دقيقة ومتناسقة تفضي إلى حصول تحليل إيجابي للتاريخ من حيث هو ماض وحاضر ومستقبل ينبني عليه اقتراح إعادة التركيب السليم لحركة الأمة والواقع الإنساني جملة.

وهذا الوعي التاريخي العميق خول لهذه الأدبيات شحنة علمية استطاعت أن تميز بدقة بين طبيعة الهدف القريب والمقصد المراد والغاية المؤطرة، كما مكنت من التمييز بين هذه الأمور والوسائل لها، فلا يمكن أن تجد في خطاب العدل والإحسان وعملها المقاصد وسائل إلا من حيث علاقتها بالغاية التي تجلب الحركة في كليتها مثلا. وكل هذا أعطى لعمل مشروع العدل والإحسان مقصدية وقصدية في الواقع، فضلا عن كونه انتظمت بسببه عملية التفكير المتجلية في الحكمة البالغة في اتخاذ المواقف المناسبة في الزمن والمكان المناسبين واعتماد الوسائل المناسبة لذلك.

إن الوعي التاريخي السامي الذي يميز خطاب العدل والإحسان جعلها تتوفر على قدرة كبيرة في استيعاب الواقع فضلا عن الكفاءة في تحليله. وهذه الكفاءة في التحليل مكنت من القدرة على إعادة التركيب عن طريق ضرورة إحداث تحول تاريخي مستند على الوعي المرجعي السابق ذكره. وفي هذا الإطار تأتي فكرة الميثاق كوسيلة وضرورة مصيرية تفضي عملية إقامتها إلى تحول تاريخي عبر مراحل تمرض وتعالج بروح جماعية حوارية تواصلية قاطعة جملة وتفصيلا مع العنف بكل أشكاله والاستبداد بكل ألوانه.

فالوعي التاريخي مرتكز واضح يعطي للأمة مكانتها الطبيعية ولا يتساهل في قضايا حريتها واستقلالها وقوتها وعزتها لما لهذا من أثر مباشر على الواقع الإنساني عامة.

إن فكرة الميثاق ناتجة عن وعي تاريخي يفضي بالضرورة إلى حدوث تحول تاريخي. وهناك فرق شاسع بين من يريد انتقالا ديموقراطيا يحافظ على قواعد اللعبة القائمة وبين من يريد ويعمل على تحول تاريخي يعيد بناء القواعد ويجدد في مضمونها العلمي والحركي. وهنا تكمن قيمة فكرة الميثاق ومعنى الإصرار على ضرورة إنجازه.

3-الغاية من حركة الميثاق: الوعي الغائي.

إن ما ينسجم مع حصول الوعي المرجعي الواضح والوعي التاريخي المستقيم هو أن يبنى كل ذلك على وعي غائي. أي أن حركة الميثاق في المجال التاريخي المحلي والدولي تسعى إلى تحقيق غاية، وهذه الغاية تسري مضامينها بشكل تفصيلي في كل جوانب الحياة الفردية والجماعية.

وبهذا يكون المقصود بالوعي الغائي أمران:

أ-العلم بالغاية الجامعة لحركة الميثاق في مجاله التاريخي.

ب-حصول التفكير الغائي. أي امتلاك عملية تفكير مبنية على غاية جامعة كلية واضحة.

ومن هذا المنطلق، فالغاية في عملية التفكير هذه تتحدد بناء على الوعي المرجعي. فبالنسبة للفرد تكون عملية التفكير غائية إذا تميزت بالحكمة البالغة التي تجمع في الفهم والعلم من حيث النتيجة بين ثلاث مستويات مستوعبة لغيرها من المستويات منفردة أو مجتمعة، وهي: مستوى قصد الله من كونه تعالى، وهذا سر فهم السنن والقوانين والأسباب الكونية. وقصده من شريعته، وهذا السر في فهم مقاصد الشارع وحكمه. وقصد المكلف، وهذا هو السر في حصول العلم بحقيقة الإنسان وكيف يتخلص من القيم السلبية ليصبح عنصرا كريما مكرما بقيمه السامية، فيتوافق قصده الفردي مع قصدي الله من كونه وشرعه. وبهذا كله تحصل عملية الاستقامة الكاملة في الفهم والعلم والسلوك الفردي والجماعي سواء في حركة الأمة أو الإنسانية.

أما على المستوى الجماعي، فعملية التفكير غائية لأنها تروم غاية جمع الأمة وصناعة واقع عالمي ببناء نظام عادل ومستقر وآمن يضمن الحقوق ويبين الواجبات بوضوح ومسؤولية. ومن هنا تأتي قيمة فكرة الخلافة ومحوريتها.

إن فكرة الخلافة ليست كما يتصور البعض نسخا لنظام أحادي أميري كما كرس فهمنا السلبي لتاريخنا، وإنما هو نظام جامع مستوعب لكل القيم الإنسانية النبيلة يدور على غاية تكريم الإنسان من خلال استنباط الأشكال التنظيمية والهيكلية المناسبة. وتكون فترة الصحابة مضافة إلى الفترة النبوية الفترة الزمنية الوحيدة التي تمكن دراستها من استنباط أصول هذا النظام الكلية، أما التفاصيل الهيكلية والتنظيمية والإدارية وغيرها فهي محط الاستنباط والاستفادة من كل مجهود إنساني يضمن كرامة الإنسان ويحقق العدل والحرية في الأرض.

ففكرة الميثاق من جهة الوعي الغائي وسيلة مقصدية جامعة تؤسس لصناعة الجسم المنجمع في أفق البناء الكلي لجسم الأمة خطوات من بعد خطوات وأجيال من رواء أجيال حتى تكتمل المراحل وتستقر المباني وتعلم المعاني.

إنها معكرة طويلة الأمد مع النفس والواقع.