كلمة “الاحتقلال” هي من صياغة البطل الريفي المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي. كلمة مركبة تركيبا مزجيا من “الاحتلال” و”الاستقلال”. فهي بتركيبتها وغرابتها تدل على شك الخطابي في حقيقة ما حصل عليه المغاربة المفاوضون في إكس لبان، وتدل على إنكار الخطابي لاستحواذ الحزب الوحيد  الفارض وحدانيته بالعنف الذي قرأناه-، وعنفه.

لا يميز الخطابي شقا في حزب الاستقلال من شق في إدانته، لأن الانشقاق، وإن كانت بوادره ظاهرة، لم يعلن إلا بعد ثلاث سنوات من الاستقلال، كان أثناءها الشق العلالي يغطي ويسكت.

وكان هوى الخطابي مع حزب الشورى والاستقلال، وكان بزعيمه الوزاني رحمهما الله انعطاف ومودة وتفاهم، بل اتفاق وتعاون.

فكتب الخطابي من القاهرة رسالة مطولة إلى صديقه الوزاني بتاريخ 27 يوليوز 1960، أوردها الأستاذ معنينو في ذكرياته، نقتطف منها جملا تقطر أسى وأسفا على “الاحتقلال”.

كان حزب الاستقلال يحتفل  ومعه الشعب المغربي المنتشي بالاستقلال- متفائلا، مصارعا للإرادة المخزنية، تسقط حكومة لتعقبها حكومة، في بجث دائم عن “انسجام” يتصوره حزب الاستقلال انفرادا بالحكم، ويتصوره القصر ولاء غير مشروط للقصر. أما الخطابي الذي كان يراقب من قريب رغم بعده المكاني، فكان له هم آخر، هم المقاتل الذي يرى جيش فرنسا لا يزال يحتل الديار، وأناس في حفلاتهم ومحاولاتهم بناء الدولة، وتسيير عجلات الإدارة وملء الفراغات. والناس في نشوة لا يفطنون للاحتلال الآخر، احتلال صانعي الفظائع في دور الفظائع وكهوف التعذيب.

يكتب الخطابي إلى صديقه: “فلا تدشين ولا احتفال، ولا تعبيد الطرق، ولا بناء القناطر، ولا استرداد الأملاك المغصوبة، ولا إنشاء مناصب جديدة، ولا تعديل في الوزارة، ولا في القضاء، ولا مستشفى، ولا ملكة جمال، ولا ملكة حب الملوك، ولا تفكير في إنشاء سفارات في أطراف المعمور. كل هذا هراء في هراء، وعبث في عبث. إننا في غنى عن كل هذا ما دمنا لم ننجز قضية الجلاء. لتهبط درجة الحرارة من 41 إلى 37 “.

ويرصد الخطابي حركة “عكاكيز” المروق من الدين وانحلالهم الخلقي، وسفكهم وبطشهم في الجو المحموم. فيكتب: “إن ما أصابنا ويصيبنا، وما نراه يحدث في بلادنا من المناكر والفحشاء ومن الاتجاه الذي تسير فيه بعض الطبقات من التقليد الأعمى والمروق من الدين الحنيف، منشأه عدم الاهتمام من الذين يعنيهم الأمر في الحقيقة، وعدم الاكتراث بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف الواجب على كل مسلم عاقل يريد الخير لأمته وبلاده”.

ويستشهد المجاهد الريفي المومن بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية على ما فرض الله على عباده المؤمنين. ويعدد مظاهر الفساد والزندقة والإلحاد، -وهو كان على علم دقيق بما يجري- فيكتب: “أما فشو الخلاعة والزندقة والإلحاد، والانحلال في الأخلاق الذي نراه من خلال الوقائع، فشيء تنفطر منه الأكباد. وشيء ينذر بالفناء والدمار والهلاك والتلاشي لأمتنا الكريمة. أصبحنا في وضعية لا ناهي فيها ولا منتهي”. ويأتي بآيات الله الشاهدة على انحراف الناس، وطغيان الناس.

سبق الخطابي، زمنا، علالا الفاسي رحمهما الله في التعبير عن خيبة أمل الرواد المؤسسين في الاستقلال. شجب علال المسخ الثقافي وانتقده من جذوره في كتابه “دفاع عن الشريعة”. ويشجب الخطابي المغربين وينتقد ضلوعهم وانخذالهم في مفاوضات إكس لبان وخذلانهم لإخوانهم في الجزائر بما أتاحوا لفرنسا أن تتفرغ لهم.

يغضب ويكتب: “كيف نسمح لأنفسنا أن نعيد تاريخ 1830تاريخ مصالحة السلطان المغربي المولى عبد الرحمان مع فرنسا، وخذلانه جهاد عبد القادر الجزائري الرجل الفذ رحمه الله، ونترك الجزائريين يقاتلون وحدهم، حتى نمكن الإفرنسيين الغاصبين من هذا القطر الذي هو رأس القنطرة لابتلاع بلادنا بعدها. ألا سحقا للظالمين، وتبا للمنافقين، وخسرانا للمذبذبين، وهلاكا للانتفاعيين الذين داسوا كرامتهم وكرامة أمتهم، مفضلين الراحة والتمتع بالشهوات”.

قال: “أليست مفاوضة إكس لبان بين الوطنيين المغاربة وفرنسا واتفاقية جي مولي  بورقيبة في مفاوضات استقلال تونس هي التي كانت في حقيقتها مؤامرة القضاء على البلاد. نجح فيها العدو وعملاؤه قلت: وهم من سماهم الفقيه البصري “القوة الثالثة” بتخدير الشعب التونسي والمراكشي حتى يطمئن للاستقلال المزيف. هذا الاستقلال الفارغ الذي يجب أن نطلق عليه “الاحتقلال””.

ويرصد البطل الريفي فسولة المفاوضين، وتفاهة الغادين الرائحين إلى حفلات التدشين وسفك الدماء وهتك الأعراض، فيكتب: “لقد ذهب منا كل شيء بسبب الأطماع الشخصية، والغباوة المظلمة، والجبن الفاضح، والنفاق الأسود. ألم يان لنا أن نقف هنيهة لنتخذ طريقا ينقذنا من هذه الآلام التي نعانيها؟ لقد تيتمت أطفالنا، وانتهكت حرماتنا، وسلبت أموالنا، وعذب رجالنا، وملئت السجون والمعتقلات بعشرات الآلاف من المجاهدين والمجاهدات، وآلاف منهم قد أقبروا أحياء، وتركوا هذه الدنيا”.

كان مركز جيش التحرير، وموطن قوته، وعرين أسوده، في جبال الريف. وكان ضباط هذا الجيش وجنوده ينتمون إلى العقيدة الجهادية الخطابية، أو إلى الجيش الخطابي أيام مجده. فلا عجب أن نجد ابن عبد الكريم على اطلاع شامل بما يجري، وبالمذابح التي عانى منها الرجال والنساء من جيش التحرير، ومن كل معارض لفكرة الحزب الوحيد اللينينية البلشفية.

يعجب الخطابي، المطلع من منفاه بالقاهرة على الشاذة والفاذة من شؤون بلده، من قلة معلومات صديقه الوزاني القاطن في المغرب. فيكتب إليه: “إننا قد حصلنا على معلومات دقيقة ومفصلة تفصيلا كافيا لكشف كل المؤامرات المصطنعة التي دبروها للمجاهدين والعاملين، مما جعلنا نأسف لحدوث ما شوه سمعة بلادنا، ومسخ تاريخنا، وسود صحيفة وجودنا كأمة شريفة ذات التاريخ المجيد الوضاء السامي”.

كيف لا يعتبر الخطابي أفعال القتلة سفاكي دماء المجاهدين مسخا للتاريخ وتسويدا للصحائف الناصعة فيه، وهو كان المجاهد الشريف ذا التاريخ المجيد الوضاء السامي يوم قاتل دولتين، ودوخ جيوشا أوربية يقودها سبعون جنرالا وآلاف الضباط، ومليون ونصف مليون من الجنود، وما لا يحصى من البواخر والطائرات والمدافع والآليات؟

كيف لا تتقطع أكباد الرجال المؤمنين حسرة وألما أمام ما فعله ويفعله السفهاء الملحدون؟

يكتب الخطابي المطلع إلى صديقه خبر الوثائق المفصلة التي كانت تصله من شبكة  لا شك- كانت منتشرة منظمة أحسن تنظيم: “وهي وثائق من الأهمية بمكان، نحتفظ بها عبرة وذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد”.

وهل للذئاب قلب يا من يستشهد بآيات كتاب الله !

ويفضي المجاهد الأسد إلى صديقه ببعض )ببعض فقط( من المعلومات “الدقيقة التي لا يتطرق إليها الشك أبدا. معلومات تحمل بين طياتها مآسي تفتت الأكباد، وتذيب العقول، وتشمئز منها النفوس، وتقشعر منها الجلود، وتحار لها العقول”.

ويعطي الخطابي قوائم بثمانين مركزا للتعذيب والتقتيل، بعناوينها المضبوطة. منها الدور والكهوف والسراديب والضيعات ونقط البوليس ومراكز السلطة.

ويعد 9672 معتقلا جلهم مجاهدون.

قال: “والغريب أ، جل هذه الضحايا كانت في مقدمة العاملين الذين ساهموا بنصيب وافر في الجهاد ضد الاستعمار، ومن أجل تحرير البلاد من الاستعباد. وأخيرا كان جزاؤهم “جزاء سنمار”. ومن الغريب أيضا أن نرى الآن المسؤولين تجاهلوا حل هذه المشكلة التي تعتبر من أهم المشاكل التي تحقق الاستقرار، وتوطد الأمن”.

ويختم الخطابي رسالته إلى “أخيه الكريم” الوزاني، رحمهما الله، فيذكره: “باستئناف الجهاد والنضال حتى تطرد الجيوش الإفرنسية المعتدية على بلادنا. فسيروا على بركة الله، وشجعوا العاملين في هذا السبيل”.

لكن جيش التحرير الذي كان الخطابي يعلق على جهاده الآمال، ما لبث أن تم احتواؤه وحل نظامه وإخماد جذوته.

وبقي في الساحة جيش محتل من بني جلدتنا، نجد الوزاني يندد به وينتقده بمرارة من خابت آماله، بعد أن قتل رجاله.

الاستعمار الداخلي

قرأنا في فقرة سابقة كيف انتقد الأستاذ محمد بن الحسن الوزاني زعيم حزب الشورى والاستقلال ومؤسسه رحمه الله البند الذي يقول في الدستور: المغرب دولة إسلامية. وعبر عن “فخره وافتخاره” لو كان في المغرب دولة تحكم بالقرآن والسنة من نوع الحكم الشوري على عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم.

في هذه الفقرة نستعرض تعبير السياسي المحنك المؤمن بالله وكتابه ورسوله وسنته عن خيبة أمله في الاستقلال، لقب صديقه الخطابي ما حدث بأنه “احتقلال” ويفسر هو بتدقيق ظواهر الاحتلال الداخلي وبواطنه وأمراضه.

كتب في العدد الأول من جريدة الدستور بتاريخ 05/11/1962: “وإذا أردنا أن نصور ما عليه حقيقة الوضع العام القائم في البلاد منذ الاستقلال، فلا نجد أصح وأصدق وأبلغ من عبارة: الفساد الداخلي الذي قد يستحق أن يدعى كذلك بالاستعمار الداخلي. باعتبار أن طبقة أهلية سائدة حلت  بعد انقراض الحماية- محل رهط المستعمرين الأجانب. فكان لها النصيب الأوفر  أو حظ الأسد- في امتلاك الموارد، واحتلال المراتب، وانتزاع المغانم”(…)

ويكتب الوزاني في العدد الأول من “الدستور” خيبة أمله وأمل المغاربة: “وبعبارة صريحة: إن عهد الاستقلال لم يكن بالنسبة للمغرب والشعب ذلك العهد الذي طالبنا به وخضنا من أجله معركة دامت أكثر من ربع قرن. فليس من تسمية الشيء بغير اسمه القول بأن المغرب في عهد الاستقلال عرف محنة ربما أنسته ما تحمله زمن الاستعمار إن تلك الثورة التحريرية المباركة سرعان ما تغيرت بكل أسف واستحالت إلى ما لم يكن يظنه أحد. فأحدثت خيبة الأمل وفتور الحماس وفقدان الثقة. ما أفرغها من مدلولها، وصيرها مع توالي الأيام والتجارب اسما بدون مسمى، إلا بالنسبة للفئة التي طفت على الوجه بعد الاستقلال بوسائل المكر والاحتيال والاختلاس”.

قال: “فكان لها الاستقلال استغلالا، وجعل لها غنية ومكتسبا، واتخذته سلما لتتسلق به الجدران وتصل إلى أعلى الرتب”.

ويتطرق ابن الحسن الوزاني رحمة الله عليه إلى قضية تؤرقه، ألا وهي القضية الاجتماعية. يكتب تحت عنوان: “المحظوظ والمحروم”: “وبسبب ما قامت به هذه الفئة من احتكار الثروة القومية واختلاس مكاسبها وتسخير ثروة البلاد وجمهرة الشعب التي تتألف من المغلوبين والمحرومين والمنبوذين. وهم من نوع ما يسمى “بالمعذبين في الأرض”.

قال: “أصبح المغرب في عهد استقلاله مغربين اثنين: أحدهما مغرب المحظوظين الذين أظهرهم عهد الاستقلال، وبر بهم، وأغدق عليهم النعم، ويسر لهم من وسائل الإثراء والرفاهية والتعاظم ما جعل منهم طبقة متميزة  لا نقول ممتازة- وصيرهم  في ثرائهم الفاحش الحرام وعلوهم على الناس واستكبارهم في الأرض- ينظرون إلى كل المخلوقات وكأنها لم توجد إلا لخدمتهم وإرضاء شهواتهم”.

قال: “وهكذا أصبح أولئك المنعمون في الأرض وكأنهم فقدوا كل تمييز بين ما هو حق وباطل، وبين ما هو منفعة أو مفسدة. لكنهم فاتهم أنهم في دنياهم أشبه بالطحلب الذي لا يطفو إلا على سطح الماء الراكد المتعفن. كما فاتهم أن الدهر قلب ويومان: يوم لك ويوم عليك…”

قال: “والمغرب الثاني مغرب المحروم، وهم السواد الأعظم من أبناء الشعب الذين يعتبرون أنفسهمضحايا الاستقلال، بل القطيع الذي ليس له من حق إلا أن يؤمر فيطيع، ويحرم فيقنع، ويساق فيسير راضيا حامدا شاكرا ربه الذي لا يحمد على مكروه سواه. هذا هو الواقع السيء المؤلم الذي أراد المغرب الأول للمغرب الثاني الشقي العاني”.

عبارات متألمة مؤلمة عن واقع ما ازداد منذ أربعين سنة إلا استفحالا(…)

إننا على صفحات هذا الكتاب عرضنا المشكلة الاجتماعية، وتساءلنا عما يجمعنا ويجعلنا دولة بين الدول إن كان المحروم فينا لا يزداد إلا حرمانا والمحظوظ لا يزداد إلا رفاهية وثراء وترفا.

تحدثنا عن مبادئ العدل وضرورة إقامة دولته. فمع الوزاني رحمه الله، السياسي الخبير المحنك، نتأمل الوجه البشع للفساد الداخلي، والاستعمار الداخلي، والاستقلال الاستغلال، لنعرف طبيعة الفساد وأصله ومنبته، وطبيعة العواقل والعقبات المنتصبة في الأرض، المانعة أن تتجسد المبادئ الطيبة العادلة في واقع الناس(…)

يحرك فينا حزب أمس الذي يتحدث عنه المؤمنون أحزان اليوم بعد أن تضاعفت المؤلمات المخزيات، وازدادت تعفنا أجهزة الحكم، واتسعت رقعة الفساد وهوة الفوارق الاجتماعية بين محظوظ ومحروم. شعر محمد المختار السوسي بالوحشة والغربة في عهد الاستقلال، وغضب الكتاني، وامتعض الخطابي من “الاحتقلال”، وندد علال بـ”المسخ”، وتأوه معنينو من فظائع دور الفظائع. وها هو الوزاني يكشف لنا عن مباذل إدارة “الاحتلال الداخلي” ورذائله، وطوامه.

كتب رحمه الله في العدد الأول من “الدستور” هذا الجرد الواسع. قال تحت عنوان “أزمة الدولة”: “وإذا كان يتعذر الآن الحديث عن كل ما للمغرب من أزمات، فجدير بنا أن نذكر الخطوط العريضة مما سميناه بأم الأزمات أو أزمة الدولة. وهي تعني: ضعف الإطارات وهزالها وعجزها، وانتشار الرشوة والسمسرة، واستغلال النفوذ، وتسخير الوظيفة العمومية للإثراء غير المشروع، والمحسوبية، وإضاعة الأوقات والأعمال، وإتلاف المواد، وتبذير الأموال، والفوضى داخل الإدارة، وانحلال السلطة، وفقدان الحرمة والهيبة لدى الحكام، والمماطلة والتسويف في التنفيذ، والارتجال والتردد، والعجلة في التدبير”.

قال: “والإخلال في التسيير، والهروب من المسؤوليات، واتخاذ الحلول السهلة، والتغيب عن الوظائف في أوقات العمل الرسمي، وتحويل المكاتب الإدارية إلى أندية للتلاهي وتجاذب أطراف الحديث وقراءة الصحف، أو إلى مقاصف لشرب الشاي والقهوة وغيرها وأكل ما لذ وطاب أثناء أوقات العمل الإداري وعلى مرأى ومسمع من الرواد الذين يقصدون الإدارة في صالح الدولة أو لصالحهم”.

قال: “ومعاملة الناس  غير الأجانب- ومخاطبتهم بغلظة وغطرسة وجفوة وخشونة، وفقدان ما يسمى بالشعور المهني الذي يجعل الموظف واعيا لواجبه، مقدرا لمسؤوليته، مؤديا لأمانته، والتمييز العنصري أو الحزبي في معاملة الرؤساء المرؤوسين أو معاملة الناس في صلتهم بالإدارة، والبراعة في التزوير والتدليس والتفنن في ابتزاز أموال الناس، واختلاس ما للدولة من أموال ومواد عن طريق استغلال النفوذ، وتسخير الوظيفة مما يدر على بعضهم مآت الملايين بل المليارات  فيما يقال- وإرهاق الميزانيات بمصارف الحفلات والضيافات والرحلات والتبرعات والوفود، والتفاخر بهذا كله في غير حشمة ولا خجل، والتظاهر  في غير خشية من العقاب- بالثراء الفاحش والرفاهية المكشوفة”.

قال: “وكثرة الإجراءات الشكلية والروتينية المعرقلة للأعمال والمضيعة للأوقات والمكلفة للمصاريف، ونقص الإنتاج الإداري بسبب سوء التصرف والغش، والخلل في الأعمال، وقيام القطاعات السياسية والإدارية داخل الدولة، وتسرب الفساد الخلقي، والإعراض عن عبر ودروس التجارب الماضية، وعدم الاكتراث بالملاحظات والانتقادات الوجيهة، وازدراء الرأي العام، واستطابة الحياة في الأبراج العاجية والفيلات الفخمة، والتصابي السياسي: أي إتيان أعمال وتصرفات ذات طابع صبياني، وعدم إضفاء حلة الجد والوقار والهيبة على الوظيفة والسلطة”.

قال: “فهذا بعض من كل، وقليل من كثير يرسم لنا لوحة مختصرة الخطوط والألوان لفساد الجهاز الإداري، بإطاراته إلا النادر منها الذي لا حكم له. وهذا الفساد يؤلف عنصرا أساسيا في أزمة الدولة”. قال: “وهي أزمة تنذر بسوء المنقلب والمصير لا قدر الله”.

ويضيف رحمه الله تحت عنوان “لا حل بمعجزة”: “ومن المؤسف بل من المؤلم أن يفتضح أمر الفساد، وتشتهر عناصره، وتنكشف أخطاره وتستشري إذاياته، وتبح الأصوات في التظلم والشكوى، ولا تتحرك همة المسؤولين الذين بيدهم الأمر لوضع حد نهائي لذلك الفساد والضرب على أيد المفسدين الكبار منهم والصغار على السواء. )…(

قال رحمه الله: “وفي انتظار معجزات لا تقع نقيم البرهان قويا على أننا عاجزون عن كل إصلاح”. قلت: وكيف يصلح المفسدون، وينقلب الداء دواء؟

وننهي هذا الفصل بالترحم على الصالحين من عباد الله. رحم الله تلك الطائفة من المسلمين الوطنيين من جيل العظماء: المختار والخطابي وعلال والوزاني، وسائر فرسان الوطنية المؤمنة الأبرار. آمين.