… وأخيرا ستتنفس قرية “مرزوكة” هذه المنطقة السياحية المعروفة عالميا والمنكوبة من جراء الفياضانات التي اجتاحتها شهر يونيو الماضي، وحولت أهاليها إلى لاجئين في خيام الجنوب المغربي المنسي والغير النافع منذ زمن بعيد حسب تصنيف المخزن، ستتنفس المنطقة لتشم رائحة التنمية على مقاس دولة المبادرات الفريدة، تنمية من نوع أخر ستشهدها البلاد ويصل خيرها وخبرها إلى كل العباد، إنه برنامج استعجالي لإنقاذ الغرقى والفقراء والجياع والمنكوبين في الخيام، سيشاركنا همه وتنفيذه “جان ميشال جار” الفنان الموسيقي الفرنسي الكبير.

يتعلق الأمر بحدث عظيم كما هو الشرك ظلم عظيم، لا سيما والحدث ليس ككل الأحداث لأنه حسب خبرائنا في التنمية البشرية سيبدل وجه المنطقة وسيجلب السياح والاستثمار، حدث يختلف تماما عن الزيارات الرسمية لتدشين مقبرة أو صنوبر مائي أو دار خيرية للطلبة.

.. عبقرية تنمويةلست أدري أي عبقرية هاته التي تفتقت، وأي “فقهاء” هؤلاء في التنمية البشرية الذين أشاروا على حكومتنا الموقرة بفهمهم العميق وعزمهم الماضي، وأفتوا بتنظيم المهرجان الكبير، الذي نشطه الفنان العالمي الفرنسي “جان ميشال جار”، حفل تجندت له الدولة المغربية بكل مؤسساتها لإنجاحه، لا سيما والوارد هذه المرة فنان من نوع آخر يشترط في أمسياته حضور الآلاف من العشاق، ومن أجل ذلك طفقت دولة التنمية في تجييش الشعب كل الشعب لحضور الحدث، فاستدعت جمعيات المنطقة وفروع الأحزاب والنقابات والفعاليات لتتدارس عفوا لتنفذ أوامر المخزن التي تفرض على كل هيئات المجتمع المدني أن يحددوا عددا من الأعضاء لحضور التظاهرة الفنية الفريدة التي ستفك المنطقة من عزلتها وتحولها إلى ورش كبير من أوراش التنمية.

.. مسيرة التحررذاع خبر المهرجان، في كل حي وحارة، وزينت شوارع مدن إقليم الراشيدية باللافتات والملصقات الإشهارية للمهرجان، وأعدت الدولة المغربية الغنية ما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات المتنوعة المادية والروحية لكل المتطوعين لمسيرة التحرير، عذرا لمسيرة التحرر، واستطاع المخزن الكريم المعطاء أن يسوق “لجان ميشال جار” ورفقائه الأوربيين بأن المغرب بلد التنمية والحرية، كيف لا والحمد لله كل أبناء المنطقة لا ينقصهم شيء، وانطلقت المسيرة في وقتها المحدد، بعدما أخذ كل الركاب مقاعدهم في الحافلات التي كانت مخصصة لنقل شباب الأمة وشاباتها، ولم يعد مشكل التنقل مطروحا فالحافلات متوفرة بكثرة ومن يعتقد أن المغاربة يعيشون أزمة النقل فهو واهم” …

انطلقت المسيرة المظفرة من كل مناطق الإقليم إلى “مرزوكة” عروسة الجنوب المنكوبة، كان الجمهور على موعد مع الفضاء الرحب على بساط التلال الرملية الذهبية حيث المنصة العجيبة والأضواء الأسطورية الساحرة والآلات الموسيقية الحديثة والشاشات الليزرية العاكسة التي احتاج جلبها عشرات القاطرات، والتغطية الإعلامية المتميزة التي حضرتها 40 قناة تلفزية أجنبية، بالإضافة إلى النقل التلفزي المباشر لقنواتنا المغربية.

ولحماية المهرجان من كل مكروه، طوق المكان وكل الطرق المؤدية إليه على مسافة عشرات الكيلومترات بالآلاف من عناصر الجيش والدرك والبوليس السري والعلني وما لا يعلم حقيقتهم من وجوه جديدة، ملامحها غريبة عن السحنة المغربية ..

.. وتنطلق الحفلةانطلقت الحفلة التاريخية الواعدة بالتنمية والتحول، على إيقاع الموسيقى الهادئة والكلمات الملتزمة للفنان الكبير الذي خص الأمسية لقضية الماء، وعبر عن استيائه من سياسة بوش في غزوه للعراق لاهثا وراء البترول، وبعبقريته الفريدة علق على هذه السياسة قائلا: “لو كان بوش حكيما لغزا دولة كندا للتنقيب على المياه والحفاظ على البيئة بدلا من غزو العراق”، ويا له من عبقري حكيم يستبلد ضمير آلاف المغاربة الذين دوختهم دعاية المخزن ليحضروا حفل الرقص على جراح نكبات “مرزوكة” المنكوبة ونواحي المنطقة التي جرفتها الفياضانات وحولت سكانها إلى مشردين فقراء لم يهتم لحالهم أحد إلى حدود الآن.

انتهت المسيرة التي تنورت بحضور وزرائنا الموقرين، الذين سهروا على تنفيذ السياسة التنموية في سياق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وبذرت أموال طائلة على المهرجان كانت كافية لبناء عشرات الوحدات الإنتاجية وتشغيل آلاف الشباب المعطلين بالمنطقة الذين ضاقوا درعا بهروات المخزن التي تنهال عليهم كلما طالبوا بحقهم في التشغيل، انفض الجمع وقد نهبت باسم الشعب ملايين الدراهم لتغطية مصاريف “الفشطة التنموية” ويعلم الله كم هربت من الأموال إلى جيوب المحظوظين، في الوقت الذي يتحدث فيه عن الحكامة الجيدة وعقلنة التدبير المالي .

انتهى الحدث، واستفاق مواطنو الراشيدية على سراب التنمية ليواجهوا واقع الفقر المذقع والبطالة الكاسحة، وعاد كل واحد أدراجه، وسجلت ملائكة الرحمن في الصحائف على كل نفس ما كسبت وحسبت كل الأنفاس “ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد” وسيعلم الذين كذبوا على الأمة وجروها إلى مستنقع الرذيلة، وحملوا شباب المنطقة وزر السكر والمجون بدل إنقاذهم من أوضاعهم المزرية، سيعلم هؤلاء أي منقلب ينقلبون..