مـقـدمـةبسم الله الرحمن الرحيم، الملك الوهاب العليم، خلق الإنسان في أحسن تقويم، وألهمه أسباب السعادة والتكريم، وتنعم عليه بوحي التنزيل، ودعاه إلى عبادته بحق ويقين لتكون له العزة والتمكين. وصلى الله وسلم وبارك على سيد الخلق أجمعين، محمد بن عبدالله الأمين، الداعي إلى الله برحمة وصبر ويقين، وعد أصحابه بالفتح المبين، فرأوه يتنزل رأي العين، وبشر إخوانه بخلافة التمكين، فهم في رباط إلى حين.

أما بعد: فقد خلق الله عز وجل آدم من تراب وماء، ونفخ فيه من روحه العلياء، وعلمه من الأسماء، وأنزله بقدر إلى أرض البلاء ليتخذ من ذريته عليها خلفاء، وأوصاهم بما أوصى به الأصفياء، قال تعالى: “وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّين فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون” (132)، ففاز وسعد من سار مسار الأنبياء على الحنيفية البيضاء التي ختم الله بنبيها محمد صلى الله عليه وسلم، وخاب وخسر من نكص على عقبيه وناء.

ثم إن استواء الإنسان على هذه البسيطة وعمله بمقتضى ما خلق من أجله، استخلافا وتعبدا لله عز وجل، وتدرجا في معرفته وسلوك الطريق إليه، يقتضي من هذا المخلوق البشري المستخلف أن يتربى وفق ما أراده واقتضته شريعة المنعم المكرم، فهما و تمثلا وتعبدا وحتى يتماسك المجتمع و تستقر وحدته، ولا تنصرم حلقات عقده، كان واجبا على أهل الدعوة والدولة فيه أن يوضّحوا للأمة وأجيالها سبل السلام التي بها تهتدي وتسعد، وأن يبنوا لها منابر بها تتربى وترشد، بناءا مستمدا من كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، بناءا يؤسس الأمة في حاضرها ومستقبلها، ويحفزها للقاء ربها تعالى يوم العرض عليه.

وإننا ونحن على أبواب الخلافة الثانية الموعودة بوعد الله تعالى ووعد رسوله صلى الله عليه وسلم، لحري بنا أن نعد العدة كي نبني صرح هذه الأمة على ما بنيت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد خلفائه الراشدين رضوان الله على الصحب أجمعين، فنعدّ الرجال كما أعدّ وربى رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، وحتى لا تنخرم منا وحدة الأمة ويتصدع البنيان وينكسر بعد جبر، كان لزاما أن نستشف تلك المنابر التي يعهد إليها، بفضل الله ومنه، إعداد وتربية النشئ، لنجعلها منارا للأمة عليه تسير وبه تنهض وتتزكى، مرتكزة على فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مما أوصى به وارتضى لأمته، وما سار عليه الأصفياء من بعده من الصحابة الكرام، وما استشفه علماء الأمة الأخيار على قدر حاجة الزمان، وما يلوح للناظر في أفق التغيير على وفق المراد وسبيل السلام.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه.

قال تعالى: “أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ” (22).

رجالُ ُورجال!العبارةُ العنوانُ مقتبسة من جملة كان يرددها كثيرا إمام أهل الرأي أبو حنيفة النعمان، فقد كان رحمه الله ورضي الله عنه كلما روجع في فتواه بدعوى مخالفتها رأي بعض الصحابة أو التابعين قال “ما جاء عن الله تعالى فعلى الرأس والعينين، وما جاء عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فسمعاً وطاعة، وما جاء عن الصحابة -رضي الله عنهم- تخيَّرنا من أقوالهم، ولم نخرج عنهم، وما جاء عن التابعين فهم رجال ونحن رجال”، ما كان رضي الله عنه وأرضاه ينتقص من اجتهادات وفتاوى الصحابة والتابعين رضي الله عنهم وما ينبغي له ولا لغيره. لكنه رضي الله عنه وأرضاه كان حصيفا بعيد الأفق، كان يرجو لزمانه -وكان زمانه زمان التابعين رضي الله عنهم- أن تكون فيه شعلة الرجال العظام كما كانت في عهد النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وفي عهد الصحابة الكرام، وأن تستمر سائرة في الأرض، كما كان يقر بمبدإ الاجتهاد للزمان على وفق ما خلفته وأثلته الشرعة الغراء، ولم يكن في هذا المبدإ فريدا وحيدا، بل كان هناك من كبار التابعين من كانت له همة عالية في التمثل برسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، فهذا سيد التابعين أبو مسلم الخولاني عندما يحس من نفسه الفتور والتكاسل يزجرها ويردد “أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يستأثروا به من دوننا، والله لنزاحمنّهم فيه زحاما شديدا حتى يعلموا أنهم خلفوا من بعدهم رجالا”.

كان ديدن الكبار البحث والحث على تربية الرجال وصناعتهم على وفق ما صنع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام وربتهم عليه آيات الله المتلوة عليهم، وانظر إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يفتخر برجالٍ عاشوا في كنف وحضن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول “وددت أن لي رجالاً مثل عمير بن سعد، أستعين بهم على أعمال المسلمين”.

ليست الرجولة المطلوبة عند الكبار صفة خِلقية تتكون مع المرء منذ منشئه ومولده، بل هي صفة يربى عليها المسلم و ينشأ، ويعيشها مع أهل الفلاح والصلاح ويتكون عليها في منابر التربية والتزكية التي تُبث في الأمة وتزرع و تستنبت حتى تفيض على الأجيال تربية وافرة تستثمر فطرة الله في الخلق لتقربهم إلى الله وتجعلهم رجالا كما كان الصحب الكرام عليهم رضوان الله. تربى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال في بيت الأرقم بن أبي الأرقم، وتعلموا في أحضان الهجرتين، وترقوا في معين التآخي بين الأنصار والمهاجرين، وتزكوا في مسجد النبي الكريم، وهذبتهم المعارك مع أهل الشرك والضلال، وهم في كل ذلك يستمعون للوحي الحي يتنزل على قلب الحبيب المحبوب محمد صلى الله عليه وسلم فيزيدهم علما وتربية وتزكية، وساروا يستمعون ويتمثلون ويطبقون ما ورد عن رب العزة وعن نبي الرحمة حتى تكونت فيهم سجية الرجولة، ثم أنزل الله عليهم قرآنا يتلى تمجيدا لما بلغوه في ذروة التربية والحب لله تعالى. قال الحق سبحانه واصفا أهل المسجد من المؤمنين: “لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّل يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فيه رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ” (108). أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع!

وهم كذلك حتى أفضى رسول رب العزة إلى الرفيق الأعلى، فصاروا هم القدوة وهم الأسوة وهم المدرسة التي يتلقى منها الجيل الجديد، وكم كانت أمنية التابعين أن تكون لهم من أصحاب الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم صحبة ورؤية ومجالسة، وقد قرؤوا قول ربهم عز وجل: “مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا” (23). فتتلمذوا وتشربوا وتفقهوا وتعلموا وصاروا مثلا تهفو وتتوق النفوس لأن تشم نسمة من ذلك العبق الفريد.

في زماننا انطفأت الجذوة وكلت الأفهام، وصار الحديث عن الرجال وعن أهل الفضل والسبق معضلةً أمام تأله العقل وغطرسته وتجبره، واستفراده بالفهم عن المادة دون تعلق بالمولى، ودون تعرض لذكر الجنة والنار، وصارت التربية الحديثة تَعرض لنماذج الفكر المادي الغربي، فكان لزاما علينا المراوغة مع أهل المادية-مراوغة الحق حتى يتقوى لا مراوغة الباطل المنافق- باحثين عن تكوين منابرَ لتزكية الأمة وردها إلى المعين الصافي، معين معدن الرجال الذين وصفهم الحق جلّ وعلا بقوله: “فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38).

كيف لنا بتربية رجال بين يدي الله تعالى كما كان السلف الصالح رجالا، كيف لنا بتكوين منابع يتربى فيها الخلف ويستمعون من خلالها لكلام الله غضا طريا، يحرك القلوب ويهز الأفئدة، ما المسلك الرشيد المتين الذي به وعليه نبني ونربي الثلة الباقية من أمة الرحمة المرسلة دعوة إلى الناس جميعا. قال تعالى: “ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” (29).