للشباب قيمة كبرى إذ هم المستقبل ومهندسو قاطرته. ففتيان اليوم هم رجال الغد وأطره ومؤطروه، وقادته وموجهوه في شتى مناحي الحياة وميادينها..

وللشباب أهمية قصوى باعتباره سن الحيوية الدافقة والعزيمة الماضية ومرحلة القوة بين ضعفين: ضعف الصبا، وضعف الشيخوخة، قال عز من قائل: “الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة، ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة.” (سورة الروم، الآية 54).

وإذا كنا لا نشك طرفة عين في ما للشباب من أهمية ووظيفة عظمى في البناء والتشييد والإعداد وتقديم الخدمات والتخطيط للمستقبل وهندسته فإن السؤال الذي يتطلب تفكرا وتدبرا هو: كيف نقارب قضايا الشباب؟ وكيف نقرأ واقعه؟ وعلى من تقع المسؤولية في معاناته؟ وما هي أبرز الموضوعات التي تختزل مشاكله الحالية، ومطالبه وتطلعاته المستقبلية؟ وأي إسهام للشباب في النهوض بأعباء الحاضر وبناء المستقبل؟

هذه بعض الأسئلة  عزيزي القارئ- التي يمكن اعتبارها ضرورية وأساسية لمقاربة قضايا الشباب واهتماماتهم إذ السؤال مفتاح لتراكم المعرفة بموضوع ما. وهذا التراكم نراه شرطا أساسيا وأوليا لإضاءة هذا القضايا وتفكيك معضلاتها.

ومن جانب آخر لا يمكن أن نقارب قضايا الشباب مقاربة حقيقية منسجمة مع فطرة الله التي فطر الناس عليها ما لم تنسلك هذه القضايا في القضية الأم للإنسان، قضيةِ العبد مع ربه، “عندئذ تأتي القضايا الأخرى في مرتبتها حيث تخدم الوسائلُ الغاية، وحيث يلتحق الفرع بالأصل، وحيث لا تغطي الشروط على المشروط.”(خطبة كتاب تنوير المومنات، ذ.عبد السلام ياسين.)

وأمامنا في ذلك النموذج المشع الخالد للصحابة رضي الله عنهم، الذين انسلكت حياتهم وقضاياهم كلها في مسلك واحد، وقصد واحد، ووجهة واحدة، هي إرادة وجه الله تعالى. والى هذا الباب الجامع اتجه التعليم والتربية النبويين للشباب. فعن أبي العباس عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ” كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما، فقال: يا غلام، إني أُعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سأَلت فاسأَل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أَن ينفعـوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف. (رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح). وتعبيرا منهم عن استيعاب هذه القضية يقول سيدنا عبد الله بن جندب تحدثا بلسان الصحابة رضي الله عنهم جميعا: “كنا مع النبيّ ونحن فتيانٌ حَزاوِرَةٌ (نشِطون). فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانا”. (رواه ابن ماجة رحمه الله).

وثمة جانب آخر في القضية يتمثل في أن أي فصل للشباب وقضاياهم عن باقي قضايا المجتمع وفئاته يعد ضربا من العسف، وفصلا لما لا يقبل الفصل والتجزيء. بل ينم في العمق بتعبير أحد المفكرين عن حالة مرضية وخَبْل وجنون. فالمجتمع السليم كالجسم السليم تتداخل أجزاؤه تداخلا لا يجعل الإنسان يشعر بهذا العضو أو ذاك. وفي هذا يقول أحد حكماء الهند: “لو تأملت جسمك وأنت في صحة جيدة عادية لما وعيت أجزاءه المتعددة، فالإنسان يعي جسمه عضوا موحدا. ومتى حصل الخلل ولحق المرض بهذا الجهاز، يحس المرء بوجود هذا الجفن أو ذاك”.

بعبارة أخرى فإننا إذا تحدثنا عن معاناة شبابنا وتدهور أوضاعهم، فهذا يعني أن مجتمعنا يعاني بأكمله، وأن أوضاعهم تدهورت بتفاقم أزمات البلاد ومعضلاتها. فهذه من تلك، وإن العصا من العصية كما يقال في المثل العربي الذي يُضرب في مجيء بعض الأمر من بعض. ومن ثم فلابد من الإقرار أنه لا يمكن فصل موضوع الشباب عن مجموع قضايا البلاد. لأن من شأن ذلك أن يجعلنا أقدر على فهم واقعهم واهتماماتهم وتقويمها تقويما موضوعيا.

وقبل طي هذه الكلمات ألفت نظر القارئ اللبيب إلى أن اختياري لهذا الموضوع في هذا المقال هو فرصة تتيح الاقتراب أكثر من أكثر فئات المجتمع بروزا على خارطة البلاد الديموغرافية. ولست أعني باختياره حصر الأهمية والأولوية والعناية بقضاياهم فقط واعتبارها ملخصة لكل قضايا المجتمع. بل إن البحث في مواضيع الشباب لوعيها وإدراكها لا يغني عن دراسة القضايا الأخرى ومعالجتها في إطار من التكامل والتناغم الذي لا يلغي الخصوصيات.إذ المجتمع أشبه بالذات الواحدة إذا اشتكى منها عضو تداعى لها سائر الجسد بالسهر والحمى.