أولا: استهلالنستهل هذه المقالة بحديث متفق عليه لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْل،ٌ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِد،ِ وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْه،ِ وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ”.

كما نستهل بآية تعظيم حرمات الله سبحانه، قال تبارك وتعالى: (ذَلِك، وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ)[الحج: الآية 30]، وذلك لما يترتب عليها من فضل عند الله تعالى وأجر يكرم به العبد في الدنيا والأخرى. وكما أن تعظيم شعائر الله تعالى حاصل بحكم التقوى في قلوب المؤمنين المتقين، فكذلك يكون تعظيم شعائر الله من وسائل حصول التقوى في القلب وتقوية زاد المؤمن منها تقربا إلى الله تعالى بذلك. قال سبحانه: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)[الحج: الآية 32].

وقال صلى الله عليه وعلى وآله وسلم: “يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر”(رواه الترمذي[2260]، وصححه الألباني في الجامع الصحيح برقم [8002]).

حينما يصور الحبيب المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم حرص العبد على دينه عبادة لربه سبحانه وتعالى كالقابض على الجمر، فليس المقصود فقط تصوير مستوى المعاناة والألم، لأن هذا لم يكن أبدا مقصود الدين، بل ما في القبض على الدين من ذلك شيء إلا مخالفة الهوى والطبع الجارف. وعليه فالمقصود بيان الأجر العظيم عند مخالفة الهوى والعادة المجتمعية الجارفة بنية العبادة والامتثال لأوامر رب العباد العالم سبحانه بأحوال عياله في الأرض وما يخرجهم من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة جهادا في سبيله للنفس والواقع طلبا للاستقامة الكاملة. (وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ)[العنكبوت: الآية 6].

ثانيا: آثار نعمة غض البصرلنتخيل الصورة واقعية: أنت أيها الشاب وأنت أيتها الشابة بين يديك جمرة من نار ملتهبة، وليس هناك خيار إلا القبض على تلك الجمرة، وما بين القبض والنجاة من النار إلا الصبر على القبض حيث يحصل الرضى فيكون أمر: يانار كوني بردا وسلاما فينقلب الألم لذة ويغمر القلب حلاوة الإيمان وطلاوته.

في زماننا هذا، وفي أيامنا هذه، تكون عند الشباب المؤمنين، ذكورا وإناثا، عبادة غض البصر من أعظم العبادات لما يترتب عليها من جهة إتيانها من عظيم لذة الإيمان وسلامة المجتمع، ولما يترتب عليها من خطير المفاسد، الخاصة والعامة، من الجهة الأخرى.

ولنقف على معاني هذه العبادة العظيمة في زمن القبض على الجمر، وبين يدي البشارة الربانية النبوية للصابرين على القبض، نعرض نصوصا قرآنية نبوية ونتدبرها عسى نهتدي إلى بعض الفضائل السلوكية المساعدة على النجاة والفوز بإذنه سبحانه وتعالى المتفضل على عباده بجزيل نعمه وعظيم عطاياه جل جلاله.

قال الله تعالى: (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُون، وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاَ)[النور: الآية 30-31].

الله تبارك وتعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم، وكلما سمعنا الخطاب الإلهي يتوجه إلينا من خلال خطاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلنستمع إليه بكليتنا لأنه نداء عظيم. يا محمد- صلى عليك الله تعالى وملائكته، ياسيدنا وحبيبنا نرجوا شفاعتك لنا عند ربنا- قل للمؤمنين أنّ غض أبصارهم عن المحارم وحفظ فروجهم يورث التزكية والطهارة.

وليظهر التنبيه النبوي على عظمة غض البصر عن المحارم نهى صلى الله عليه وآله وسلم عن الجلوس في الطرقات؛ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَال:َ « إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِى الطُّرُقَاتِ ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ». قَالُوا: وَمَا حَقُّه؟ُ قَالَ: «غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى وَرَدُّ السَّلاَمِ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْىُ عَنِ الْمُنْكَرِ». وفي رواية مسلم عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَال:َ قَالَ أَبُو طَلْحَة:َ كُنَّا قُعُودًا بِالأَفْنِيَةِ نَتَحَدَّثُ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَامَ عَلَيْنَا فَقَالَ:«مَا لَكُمْ وَلِمَجَالِسِ الصُّعُدَاتِ، اجْتَنِبُوا مَجَالِسَ الصُّعُدَاتِ». فَقُلْنَا إِنَّمَا قَعَدْنَا لِغَيْرِ مَا بَاس.ٍ قَعَدْنَا نَتَذَاكَرُ وَنَتَحَدَّثُ. قَال:َ «إِمَّا لاَ فَأَدُّوا حَقَّهَا: غَضُّ الْبَصَرِ وَرَدُّ السَّلاَمِ وَحُسْنُ الْكَلاَمِ». (حديث رقم 5773).

حديث جامع، فإذا كان لا بد من الجلوس في الطرقات فلتكن هذه الوظائف العبادية:

1- غض البصر.

2- كف الأذى عن المسلمين والناس أجمعين.

3- رد السلام.

4- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فيكون بهذا أن كل الوقت المضطر إليه للجلوس في الطرقات تملؤه العبادة التي تقرب العبد إلى الله تعالى وتبني المجتمبع السليم، مجتمع الرفق والرحمة والحكمة.

كما أن عدم غض البصر سلوك قبيح ومشين، كانت الحكمة النبوية بالغة في النهي عنه لأن الأذى لا يقتصر على المنتحل له بل يؤثر كليا على بناء العلاقات الفردية والمجتمعية، وهو خطر عظيم. فَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِىَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلاً اطَّلَعَ فِى جُحْرٍ فِى بَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَال:َ «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِى لَطَعَنْتُ بِهِ فِى عَيْنِكَ». وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِذْنُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ».(رواه مسلم: رقم 5764).

وهكذا، فنعمة غض البصر لا ينحصر أثرها على الفرد بل يشمل المجتمع، لذلك كان هذا التشديد النبوي في تأديب منتحلها وزجره لما تعمد النظر من الجحر.

إن آثار عدم غض البصر مدمرة للعبد والمجتمع؛ فبالنسبة للعبد تدمر إيمانه، وبالنسبة للمجتمع تنخره بالمفاسد العظمى، بل إنها تأتي على أصله وهو الحفاظ على سلامة نسله، والحفاظ على العلاقات الأخوية بين أعضائه. لذلك كان التشديد في تأديب من لا يغض البصر.

عن حذيفة رضى الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة فمن تركها من خوف الله أثابه جل وعز إيمانا يجد حلاوته في قلبه. (أخرجه الحاكم في مستدركه، حديث رقم: 7875). وقال: “هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه”. [في الحديث كلام لأهل الحديث كثير، لكن تجاوزا ندرجه بما نحن في حديث عن الرقائق وبما أنه له شواهد كثيرة وإن كان فيها كلام كذلك].

ويمكن القول إن الحكم الوارد في الحديث مستمد من الإجماع، حيث تجمع الأمة على أن من غض بصره خوفا من الله تعالى يحصل له بذلك إيمان وحلاة في قلبه، وهو مجرب. ولذلك نجده صلى الله عليه وآله وسلم أخبر سيدنا عليّا أن الأولى له والثانية عليه: « يَا عَلِىُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ ».(رواه الترمذي في سننه: رقم 2151). وقال الشاعر:كل الحوادث مبدؤها من النظر *** ومعظم النار من مستصغر الشررفالمعنى السلوكي لنعمة غض البصر يتجلى من حيث إتيانها في كون قلب المؤمن تنكت فيه نكت بيضاء عبارة عن حلاوة وطلاوة إيمانية. وفي زماننا الذي يتعرض فيه العبد لكثير من المشاهد المحرمة لكونها تستفز الشهوة سلبا، فإن نعمة غض البصر تصير وسيلة عظمى في جلب النكت البيضاء إلى القلب حتى يصير كله بياضا.

وهنا كانت الحكمة الربانية في أن جعل من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله شابا نشأ في عبادة الله تعالى، ورجلا دعته امرأة ذات جاه وجمال فقال: إني أخاف الله رب العالمين.

وفي حديث لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “كل عين باكية يوم القيامة إلا عين بكت من خشية الله وعين غضت عن محارم الله”. حيث الأولى ذرفت دموعها رقة من جلال الله وخشية منه سبحانه، والثانية غضت خوفا من الله واستحياء منه، لذلك جاء في آية غض البصر: “إن اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُون”، حيث عبادة غض البصر مسألة باطنية في حقيقتها وإن كانت لها تجليات عملية. فهي تثمر جيدا إذا كانت خوفا من الله تعالى ورجاء فيه سبحانه، إذ يمكن أن يوهم المرء غيره بسلوكات تنم عن حرصه على هذه العبادة، لكن الله تبارك وتعالى ما يرضيه هو أن يكون الباطن فيه الخشية مع الظاهر الممتثل لأوامره ونواهيه جل وعلا. ففي هذا الحديث الجمع بين عين الخشية وعين الغض موافق لجمع صاحبيهما في حديث ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله سبحانه وتعالى.

وبهذا الاستقراء في النصوص الواردة في الباب، وما يعضدها، نستنبط أن نعمة غض البصر في هذا الزمان، زمن القبض على الجمر، من أعظم العبادات التي تقرب العبد إلى الله تعالى وتصلح المجتمع والأسرة وتطهرهما من الفاحشة والفساد.

ثالثا: وسائل حصول نعمة غض البصر

لاشك أن مسألة غض البصر مسألة تربوية سلوكية لتعلقها بالباطن أساسا، أي لا يكفي فيها العلم بالأمر فقط، بل لا بد من بيئة وحوافز إيمانية تساعد على أن تنقل العبد من مرحلة مزاولة النعمة بالاضطرار إلى مرحلة مزاولتها بالعبادة حيث تصبح سمة خُلقية مصاحبة له كما تصاحبه صفاته الخِلقية.

ولحصول هذا المعنى السلوكي الجهادي لنعمة غض البصر يمكن تسطير بعض الوسائل:

1- الرفقة الصالحة ومجالسة الذاكرين لله سبحانه.

قال تعالى: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)[التوبة: الآية 119]. فالكينونة مع الصادقين تعلم الصدق وتورث الخشية من الله تعالى وتعظيم حرماته سبحانه.

وقال عز وجل: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)[الكهف:الآية 28].

وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل”(أخرجه الحاكم في مستدركه، رقم: 7320).

وقال عليه الصلاة والسلام: “إنما مثل الجليس الصالح و جليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحْذِيك، و إما أن تجد منه ريحاً طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً منتنة”.

2- الدعاء والرجاء منه سبحانه وتعالى.

يسأل المؤمن والمؤمنة الله الكريم أن يتفضل عليهم بنعمة غض البصر بما هي نعمة منه سبحانه وإكرام، خاصة في أوقات الاستجابة مثل جوف الليل. قال تبارك وتعالى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ )[النمل: الآية 62].

وقال سبحانه: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)[غافر الآية 60].

كما أن التماس الدعاء من الصالحين وسيلة لجلب المنافع في الباب.

3- إطالة النظر في المصحف الكريم قراءة وحفظا وتدبرا، والإكثار من ذكر الله تعالى.

إن إطالة النظر في كتاب الله تعالى والتدبر فيه يورث نورا لا يعلمه إلا من يتمتع به، فهو لذة يشعر بها العبد عندما يصير القرآن ربيع قلبه ونور صدره.

قال تبارك وتعالى: (إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيرا)[الإسراء: الآية 9].

وقال سبحانه: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِين وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)[الأحزاب: الآية 35].

وبذكر الله تطمئن القلوب.

4- الصوم ونوافل الصلاة.

قال صلى الله عليه وسلم: “يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ”(رواه مسلم: رقم 3466). فالحكمة من الصوم هنا أنها تحقق ما جعله الله تعالى موضوع آية غض البصر وهو غض البصر وحفظ الفرج لغاية الطهارة والتزكية. ثم إن نوافل الصلاة تساعد على حصول لذة العبادة خشوعا وخشية لله تعالى، فيتزود المؤمن والمؤمنة بزاد التقوى والخشوع مما يسهل عليهما عبادة غض البصر في زمن القبض على الجمر.

5- عدم الإمعان في النظر إلى المحرمات.

قال أهل التربية والسلوك: الإصرار على الصغيرة من المعاصي يصيرها كبيرة. وقد أجاب صلى الله عليه وسلم من سأله عن نظرة الفجأة فقال له عليه الصلاة والسلام: “اصرف بَصَرَكَ”. رواه مسلم.

بل المطلوب العمل على كف كل الجوارح عما يفضي إلى ما يفضي إليه إمعان النظر وتكراره. قال صلى الله عليه وآله وسلم: “العين تزني وزناها النظر، والأذن تزني وزناها الاستماع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، واللسان يزني وزناه الكلام، والقلب يهوى ويتمنى والفرج يصدق ذلك أو يكذبه”.

6-الاشتغال بقضايا الأمة والإنسانية تفكرا وتفكيرا وجهادا عمليا.

فهذا النوع من العمل، فضلا عن كونه مطلوبا شرعا، فهو إعمار للوقت وشغل القلب والفكر بما لا يترك مجالا للاشتغال بالسفاسف والترهات وما يشغل عن الله تعالى.

بل الأمر أعظم من ذلك حين يكون عبادة لله تعالى وجهادا مع المؤمنين خدمة لدين الله وبناء للأمة المحمدية ورحمة بالإنسانية. فحين يكون هكذا فإن الله تبارك وتعالى يورث به العبد من العلوم والمعارف والأنوار ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فيدخل في دائرة الحفظ الإلهي التي تكفل الله بحفظها لأن ماهية هذا العبد صارت من ماهية ما تكفل الله بحفظه. قال تبارك وتعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)[الحجر: الآية9]. فماهية هذا العبد الخاشع المجاهد صارت من ماهية هذا الوحي المحفوظ حيث صار القرآن ربيع قلبه ونور صدره اتباعا كاملا لسيد المرسلين وإمام المتقين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله الذي كان قرآنا يمشي بين الناس وكان خلقه القرآن. وحاشا من هذا شأنه أن يجعله في الرذائل منغمسا وعلى المعاصي مصرا. وكان هذا شأن الصحابة رضوان الله عليهم جميعا ففتح الله لهم كنوز معارفه وآفاق أرضه حتى سجل التاريخ أن أرض العراق على مر التاريخ البشري لم تنعم بالاستقرار والأمن إلا زمن كانت تحت رعاية سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان إذا مر من طريق لا يمر منها الشيطان.

وإن الأمة والإنسانية لفي حاجة مصيرية إلى أهل هذا النور الذي يطرد به الشياطين ويخرج به الناس من الظلمات إلى النور رحمة ورفقا وحلما.

جعلنا الله جل شأنه من عباده المتقين المجاهدين المحفوظين.

ولا حولة ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.