تقديم:أحد أهم الحقوق الإنسانية الفردية والجماعية الحق السياسي. الحق السياسي للأفراد في الاختيار والانتماء والاقتراع والعزل، والحق السياسي للجماعة في بناء اللحظة التأسيسية واختيار السلطة الأصلية وصياغة التعاقد المجتمعي وإنهاء كل ذلك.

وأحد أكبر المحركات السياسية للأحزاب والقوى والتيارات الحق السياسي. حقها السياسي الطبيعي والشرعي والدستوري في نقد الوضع السائد داخل بلدانها إن اختل، والمنهج المعتمد من قبل نظمها السياسية إن زاغ، واقتراح البدائل والمشاريع الأصلح لسلامة الإنسان والوطن والدولة.

وأحد أصدق المؤشرات القياسية لسلامة وظيفة ومسار الدولة الحق السياسي، ومدى صونها لهذا الحق تشريعا وتنفيذا وتدبيرا وقضاءً.

تُسائل هذه المقالة الحقوق السياسية في المغرب كيف هي، وهل كفل الدستور المغربي أصلها وفروعها؟ وماذا عن احترام النظام المغربي في تدبيره السياسي لها؟

جاء في الفقرة 1 من المادة 1 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي أقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1966: “لجميع الشعوب حق تقرير مصيرها بنفسها. وهى بمقتضى هذا الحق حرة في تقرير مركزها السياسي وحرة في السعي لتحقيق نمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي”.

طبيعي جدا، في تقديري، أن تلحق حرية الشعوب في السعي لتحقيق النماء الاقتصادي والاجتماعي والثقافي حريتها في تقرير مركزها السياسي.

وطبيعي أيضا أن يستتبع هذا الحق المركزي-أي التقرير بشأن المركز السياسي- حقوقا أخرى تبعية هي من صميم الحقوق السياسية الإنسانية، كحرية الرأي والتعبير وحق التنظم والانتماء والاعتراض والمعارضة.

ولأن هذا الحق السياسي المركزي غير ممكن في المغرب دستوريا فإن باقي الحقوق السياسية خاضعة لمقص الرقيب وعصا القمع في التدبير السياسي الرسمي.

الحق السياسي المركزي.. أصل دستوري مانعتنص المادة الأولى من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية على حق كل الشعوب في تقرير المصير، واستنادا لهذا الحق لها الحرية الكاملة في اختيار كيانها السياسي ومواصلة نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

ومن المسلم به في الفقه الحديث أن لهذا الحق وجهين أولهما ما يمكن تسميته بالمظهر الخارجي لتقرير المصير وهو ينصرف أساساً إلى حق الشعوب في الاستقلال، أما المظهر الداخلي فهو حق الشعوب في أن تقرر بحرية وتختار نظامها السياسي والاقتصادي.

ورغم أن المملكة المغربية انضمت إلى اتفاقيات الأمم المتحدة الرئيسية السبع المعنية بحقوق الإنسان فإن حق الشعب المغربي في تقرير مصيره واختيار مؤسسة المركز السياسي وقائدها ومشروعها وتحديد وجهتها غير ممكن. إذ النصوص الدستورية تمنع ذلك صراحة، بل تحضر كل إمكانية المراجعة والتعديل.

فالنص الدستوري، وهو الوثيقة المرجعية العليا الحاكمة، بعد أن تمت صياغته في بداية “الاستقلال” في دهاليز الحسن الثاني وعلى يد رجالاته بعيدا عن أعين المجتمع وطاقته وقواه، أحاط “المركز السياسي”/المؤسسة الملكية بسياج من الكوابح القانونية والسياسية وأضفى عليه هالة من القدسية إلى الحد الذي أصبح معه طبيعة نظام الحكم ومشروعه ومشروعيته في حكم الأصل “القطعي الثبوت والدلالة” والذي يعتبر النقاش حوله خروجا عن “الإجماع الوطني”.

ولمعرفة شعب ما إن كان يملك هذا الحق المركزي المصيري أم لا وجب بتحديد الصورة بوضوح على ثلاثة مستويات مترابطة، هي: حق الشعب في اختيار طبيعة نظامه السياسي، وحقه في تنصيب الحاكم وعزله، وحقه في صياغة مشروعه المجتمعي الكبير.

طبيعة نظام الحكم: ينص الدستوري في الفصل الأول من الباب الأول “نظام الحكم بالمغرب نظام ملكية دستورية ديمقراطية واجتماعية”. قُضي الأمر إذا وحسم دستوريا وسياسيا وتاريخيا، ومن حاول إثارة النقاش، ولو فكريا أو نظريا أو أكاديميا، فتحت له الملفات القضائية والمضايقات الأمنية، وما ملف الأستاذة ندية ياسين الذي ما زال رائجا أمام المحاكم عنا ببعيد.

الغريب في المغرب الغريب أن نظام الحكم هذا صالح منذ زمن بعيد وإلى زمن غير محدود فهو نظام “أزلي” و”سرمدي” ! اختاره، كما قيل، أجداد الأجداد وآباؤهم أو فرض عليهم.

وهو اختيار “قرآني” لا يصح مناقشته ولا يجوز الطعن فيه، رغم أن من حق كل جيل جديد أن يعيد مساءلة الاختيارات السالفة للاقتناع بها أو رفضها إذ لا إكراه في الدين، خاصة إن كان الاختيار نظام حكم يسري عليه ما يسري على الاجتهادات البشرية من الضعف والعجز والتقادم.

اختيار الحاكم: الفصل العشرون وهو الفصل الثاني من باب الملكية فَصل في المسألة وحسم فيها بقوله “إن عرش المغرب وحقوقه الدستورية تنتقل بالوراثة إلى الولد الذكر الأكبر سنا من ذرية جلالة الملك الحسن الثاني، ثم إلى ابنه الأكبر سنا وهكذا ما تعاقبوا، ما عدا إذا عين الملك قيد حياته خلفا له ولدا آخر من أبنائه غير الولد الأكبر سنا، فإن لم يكن ولد ذكر من ذرية الملك فالملك ينتقل إلى أقرب أقربائه من جهة الذكور ثم إلى ابنه طبق الترتيب والشروط السابقة الذكر”.

اختيار الحاكم إذن ليس حقا من حقوق الشعب، ولا يمكن الرجوع إليه، كما في غيره، في هذا الشأن العظيم، فالأمر ل”أولي الأمر” وراثة “ثم إلى ابنه الأكبر سنا وهكذا ما تعاقبوا”. ما تعاقبوا هذه دالة على الاستمرارية.

الاستثناء في المعادلة أعلاه، دستوريا دائما، لا يصنعه إلا الملك عندما يعين “قيد حياته خلفا له ولدا آخر من أبنائه غير الولد الأكبر سنا …”.

أما الشعب فلا محل له في إعراب النص الدستوري ولا اختيار له في مصيره ومساره.

مشروع الحكم: يدل مشروع الحكم استراتيجيا على المشروع المجتمعي الكلي الذي يعكس هوية الشعب وإرادة مواطنيه واختياراتهم، ويعني إجرائيا البرامج التدبيرية التي تُفعِّل المشروع الكبير وتُمرحله إلى أهداف واضحة وخطط محكمة.

لا أعلم، وأنا مغربي، أنه فتح ورش كبير للنقاش حول طبيعة المشروع المجتمعي الذي تسير عليه البلد وانخرط فيه الشعب نقاشا وتوجيها واختيارا، ولا أعرف أننا معاشر المغاربة اختارنا طواعية من يطبق مشروعنا ويؤجرؤه ليثمر لنا حقوقا سياسية ورغدا اقتصاديا وكرامة اجتماعية.

إذ لا حق للشعب في اختيار المشروع ولا حق له في مراقبة البرامج التدبيرية للمشروع، فالمشروع الكلي يصوغه الملك مستعينا ببلاطه الخاص والخطط الإجرائية التي تضعها اللجان التخصصية (قضايا: التعليم، المرأة، الصحراء، التنمية البشرية…)، بعيدا عن الحكومة “المنتخبة”، حَقٌّ ملكي ومِلك شخصي.

ويكفي أن نستحضر أن “الخطاب الملكي”، باعتباره آلية مهمة لإخبار الشعب بملامح المشروع وتدابير البرامج، خطاب مقدس، كما شخص الملك، ما دام “للملك أن يخاطب الأمة والبرلمان ويتلى خطابه أمام كلا المجلسين، ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش” كما يقر الفصل 28 من دستور المملكة.

إن الحق السياسي الطبيعي للشعوب في اختيار مركزها السياسي، سواء من حيث نظام الحكم أو شخص الحاكم أو مشروع الحكم، ومنحه الثقة وإمكانية سحبها منه أصبح حقا معدوما، ولم يعد له حديث إلا في “الأساطير السياسية”.

في مغربنا المُصاغ بإرادة ملكية منفردة لا حق للشعب في أحد من هذه الحقوق المحورية التي تشكل حقيقة تقرير “المصير” وحرية اختيار “المركز السياسي”.

هذه الحقيقة التي تسري على الشعب المغربي وتحكم الطوق والخناق على حقه السياسي الأول في “تقرير مركزه السياسي”، يجعل بقية الحقوق السياسية التبعية لهذا الأصل، تحت ضغط الاستسلام لهذا الطرح الأحادي، محتشمة ومجتزئة ومنتقاة بل ومقموعة عند حديثنا عن التدبير السياسي.