ولطالما تحدث الناس بذلك الحوار الذي كان يجري بين “أبي حازم ابن دينار” وبين الخليفة الأموي “عبد الملك بن مروان” فيعتزون به، ويعزون، ويرون فيه إعلانا لسيادة كل مؤمن في كل صقع ومكان. بل إن “الخليفة عبد الملك” نفسه، كان ينبهر بروح “أبي حازم” وكلماته، فلا يترك فرصة يظفر فيها بمجلس معه إلا اهتبلها مخاطرا بكل ما تتعرض له هيبته من اهتزاز تحت وقع الكلمات القواطع التي يرسلها “أبو حازم” في وجه الخليفة، ماضيات كالسيوف المرهفة!!

ذهب “عبد الملك” يوما لزيارة المدينة. ودعا “أبو حازم” للقائه، فما كاد يراه حتى دار بينهما هذا الحوار؟

الخليفة: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟

أبو حازم: أي جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟

الخليفة: وجوه الناس زاروني ولم تزرني ..

أبو حازم: ما عرفتني قبل هذا، ولا أنا رأيتك.

الخليفة: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟

أبو حازم: لأنكم عمرتم الدنيا، وخربتم الآخرة فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب.

الخليفة: صدقت .. ترى ماذا لنا عند الله غدا؟

أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله تعرف مكانك غدا ..

الخليفة: وأين أجده في كتاب الله؟

أبو حازم: عند قوله تعالى “إن الأبرار لفي النعيم، وإن الجار لفي جحيم”.

الخليفة: فأين رحمة الله إذن؟

أبو حازم: قريب من المحسنين ..

الخليفة: وكيف لنا أن نصلح أنفسنا؟

أبو حازم: تتركون الصلف، وتتمسكون بالمروءة، وتقسمون بالسوية، وتعدلون بين الناس، وتأخذون المال بحقه، وتضعونه في حقه.

الخليفة: يا أبا حازم، ألا تصحبنا، فننفع بك وتنتفع بنا؟

أبو حازم: لا ..

الخليفة: ولماذا؟

أبو حازم: إني أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلا، فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا أجد لي منه نصيرا.

الخليفة: إذن فارفع إلي حاجتك أقضها لك ..

أبو حازم: تدخلني الجنة، وتحرم عليّ النار.

الخليفة: ليس ذلك لغير الله ..

أبو حازم: وليس لي حاجة سواها!!

الخليفة: يا أبا حازم، ما رأيك فينا؟

أبو حازم: ألا تعفيني من هذا السؤال؟

الخليفة: إنها نصيحة تلقيها إلينا.

أبو حازم: “إن آباءك اغتصبوا هذا الأمر من الناس.

أخذوه عنوة بالسيف من غير مشورة ولا اختيار  يعني بذلك الخلافة والحكم- وقد قتلوا من أجله خلقا كثيرين، وبعد حين رحلوا، فلو تدري مصيرهم عند الله؟!..”

وهنا ضاق الحاضرون أو بعضهم، أو تظاهروا بالضيق، فقال أحدهم لأبي حازم: “بئس ما تخاطب به الخليفة”.

فلفحه “أبو حازم” بصوت غضوب:

“كذبت ..

“إن الله أخذ على العلماء ميثاقه ليبين للناس أمره ولا يكتمونه!!”

وأمسك الخليفة زمام الحديث مسرعا قبل أن يفلت الزمام ويتفجر غضب “أبي حازم” فتكون كارثة!! وعاد يسأله النصح.

الخليفة: يا أبا حازم، أوصني ..

أبو حازم: نعم سأوصيك وأوجز ..

“نزه الله تعالى وعظمه، بحيث لا يراك حيث نهاك .. ولا يفتقدك حيث أمرك” ..

وهم “أبو حازم” بالانصراف، فقد منح الخليفة من وقته الثمين ما لم يكن سيظفر منه لولا رغبة “أبي حازم” في أن يوقظه بتلك الكلمات.

وإذ هو ينهض ذاهبا، تناول الخليفة صرة منتفخة بالدنانير وقال لأبي حازم على استحياء: ألا تقبل منا هذه؟ ..

ونظرها “أبو حازم” باشمئزاز وقال:

“والله ما أرضاها لك، فكيف أرضاها لنفسي”؟

يريد بذلك أنها ليست حلالا فيرضاها للخليفة ينفقها على دنياه .. فكيف إذن لأبي حازم، والدنيا كلها لا تزيد في نفسه عن حفنة تراب؟.

ولأهل الله في هذا المقام مواقف كان أبطالها على يقين من أنها ستنتهي بقتلهم واستشهادهم فما جزعوا وما لانوا .. ولا تلفتوا باحثين عن خلاص أو نجاة .. ذلك أنهم لم يروا الخلاص قط في استبقاء الحياة، بل في استبقاء إيمانهم وفضائلهم واستعلائهم فوق الحياة!!

من هذا الطراز، وتلكم المواقف، “سعيد بن جبير” وموقفه من الحجاج ..

لقد صمم الحجاج على قتله، بيد أنه أراد أن يتم مصرع “ولي الله سعيد” في مشهد درامي يشبع جوع الحجاج وسعاره إلى التشفي والانتقام .. كما أراد أن يسترد بعض هيبته بكلمات ظن أن رهبة الموت ستدفعها على لسان “سعيد” في استكانة أو تلطف. لكن “سعيدا” أمام الهول والموت فاجأ الحجاج بما جعله أهون من ذبابة!!

ولنطالع هذه الفقرة من حوار طويل دار بينهما:

الحجاج: ما اسمك؟

سعيد: سعيد بن جبير ..

الحجاج: بل شقي بن كسير ..

سعيد: أمي أعلم باسمي منك ..

الحجاج: شقيت وشقيت أمك!!

سعيد: الغيب يعلمه غيرك ..

الحجاج: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى.

سعيد: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها!

الحجاج: الويل لك يا سعيد ..

سعيد: بل الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار.

الحجاج: اختر لنفسك نوع القتلة التي تريد أن تقتل بها.

سعيد: بل اختر لنفسك أنت يا حجاج، فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة!!

وتلعثم الحجاج في خباله، وفي المهانة التي أنزلها به رجل أعزل تفصله عن القتل والموت دقائق معدودات، وصاح في حرسه ليذهبوا به ويقتلوه ..

وهنا ضحك “ولي الله سعيد بن جبير” ضحكة عريضة عالية، زادت الطاغية جنونا ومهانة، فصرخ في وجهه: ما يضحكك؟ ..

وفي هدوء المحيط وقوته أجابه “سعيد”:

“جراءتك على الله، وحلم الله عنك”!!

واقترب الجلاد بسيفه ليطرح برأس سعيد فما اختلج ولا اهتز له جفن، بل راح يتلو الآية الكريمة:

“إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين”.

وصاح الحجاج في جلاده ليدير “سعيد” عن ناحية القبلة، إمعانا في التنفيس عن مهانته ..

ولم يكترث “ولي الله” أيضا، وتلا الآية:

“ولله المشرق والمغرب، فأينما تولوا فثم وجه الله”.

وفقد الحجاج آخر مسكة في عقله فصاح: كبوه على وجهه ..

وفي يقين “أهل الله الأبرار” تلا “سعيد” الآية الكريمة:

“منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى”.

ثم سجى بصره ودعا ربه قائلا:

“اللهم لا تسلطه على أحد بعدي”.

عند من غير أهل الله نجد كل هذا السمو يا رجال؟

إنه في لحظة الهول هذه لا يشغله مصيره .. بل مصاير الآخرين الذين يتلمظ بهم جنون الحجاج وبطشه.

إنه في لحظة الهول هذه، لا أمنية له ولا رجاء ولا دعاء سوى أن يكون آخر ضحايا الطاغية، وأن يحمل وحده النير الذي ينتظر الآخرين ..

ولقد استجاب الله دعاءه، فلم يعش الحجاج بعدها سوى خمسة عشر يوما، قضاها في علة قاتلة لم تمكنه من قتل أحد بعد سعيد!!

ترى، أية قوة مقتدرة كانت تملأ أرواح أولئك الأبرار؟ إنها قوة الإيمان بالله، والفهم عن الله ..

أما الإيمان فتركهم يوقنون أن ما أصابهم لم يكن ليخطئهم وما أخطأهم لم يكن ليصيبهم .. ودائما وأبدا لن يصيبهم إلا ما كتب الله لهم ..

وأما الفهم عن الله، فقد جعلهم يدركون حقيقة هؤلاء الخلفاء والأمراء.

إنهم ليسوا سوى ناس كبقية الناس .. وإذا كان أحدهم يستطيع بسلطانه أن يقتل. فإن أي معتوه من الناس الذين يملأون الطرقات يستطيع هو الآخر أن يقتل حتى دون أن يقع من المقتول ذنب، أو جريرة ..

إنهم  أبدا  لم يروا في أولئك الحكام العظام جبروت السلطة. ولا تيجان الملك .. بل ضعف الإنسان، ومذلة الخطيئة!!

أجل .. إن حسن فهمهم عن الله سبحانه، أعطاهم حقيقة هؤلاء الذين يخفون وراء سلطانهم ونفوذهم وسيوفهم وسجونهم أضعف الأنفس وأكثرها فزعا وهوانا!!

لقد قال أحد الأبرار:

“ذنوب بني أمية، أسرع إليهم من سيوف المسلمين”.

ولكم كان صادقا، فظلم الحاكم الجائر، هو السيف الذي يهيأ لقطع رقبته .. وكلما أوغل في ظلمه، كان ذلك شحذا للسيف وإرهافا لحدّه!!

من أجل ذلك، نرى “أهل الله” وهم يلفحون الجبارين بنصحهم وتنديدهم إنما يقفون منهم موقف الرثاء لهم لا الشماتة فيهم، لأنهم يعلمون أنهم ضحايا حمقهم وظلمهم وكبريائهم الكاذبة الخادعة. فلو كان معهم وعي وبصر، لعلموا أنهم أثقل الناس أحمالا بما وضع فوق كواهلهم من تبعات .. وليسوا أكثر الناس شرفا ولا امتيازا ..

ولقد كان “أهل الله” حريصين على تذكيرهم دائما بهذه الحقيقة فهذا  مثلا  “مالك بن دينار” يقول له المهلب بن أبي صفرة:

– ألا تعرفني؟

فيجيبه “مالك” ..

– بلى، أعرفك حق المعرفة ..

فيسأله المهلب:

– وماذا تعرف مني؟

ويجيبه “مالك”:

” .. أما أولك، فنطفة مذرة .. وأما آخرك، فجيفة قذرة .. وأنت بين أولك وآخرك، تحمل العذرة”.

إن “مالكا” رضي الله عنه لا يشتمه ولا يتهكم عليه ولا يسخر به. إنما هو يذكره بحقيقته، التي هي حقيقة كل فرد من بني آدم ..

فكل واحد منا .. يبدأ وجوده من نطفة مذرة لزجة

وكل واحد منا .. ينتهي في القبر إلى جيفة ..

وطوال العمر الذي نقضيه بين ميلادنا ورحيلنا نحمل أمعاء ملأى على الدوام بالفضلات الكريهة ..

فلو أن كل جبار في الأرض يذكر حقيقته تلك لأعانته على تواضع كريم ..

أما وهم لحقيقتهم ناسون، فإن “أهل الله” يذكرونهم بها في صدع اليقين!!

ولقد تصدى “طاووس” رضي الله عنه يوما ما لواحد من أولئك الحكام الأشداء .. وأخذت ابنه عليه خيفة، فاقترب منه وهمس في أذنه، يخبره أن هذا الذي أمامه حاكم خراسان.

فقال “طاووس” لابنه: إني لأعرفه .. وإنما ألقنه هذه الكلمات ليعلم أن لله عبادا لا يعبأون بما في أيديهم من دنيا وسلطان .. وأن سلطانهم بغير تقوى لا يزيدهم في أعيننا إلا هوانا!!.