نشرت أسبوعية “الوطن الآن” استجوابا للأستاذ عبد الواحد المتوكل، الأمين العام للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، تطرق فيه إلى ما تداولنه بعض وسائل الإعلام بخصوص المفاوضات مع السلطة. فيما يلي النص الكامل للاستجواب:

سؤال:

تداولت بعض الصحف مؤخرا فتح مفاوضات بينكم وبين السلطات، مع من تفاوضتم في الحكومة وحول ماذا دار النقاش؟

جواب:

لا علم لي بهذه المفاوضات، بل لا وجود لها أصلا، وإنما هي من الإشاعات التي يروجها بعض الناس وبعض المنابر لأسباب لا تخفى على اللبيب. فلعل البعض يتضايق كثيرا من موقف الجماعة الذي بقي والمنة لله متماسكا رغم كل الضغوط والمضايقات والملاحقات والمحاكمات التي لا تزال مستمرة إلى حد الساعة. ولعل بعض الأطراف منزعجة كثيرا من وحدة الصف والثبات على المواقف والمصداقية التي تتمتع بها الجماعة وتتأكد وتزداد بمرور الأيام والحمد لله، ويعز عليهم أن تنفرد الجماعة أو تكاد بخطها المتميز ومواقفها الصريحة والواضحة من نظام الحكم والسياسات المتبعة وكذا في نوعية التحليل الذي تتبناه وكذا الطرح الذي تقترحه للتأسيس لتغيير حقيقي. وكأني ببعضهم يود أن نكون مثلهم فتهون الرزية مثلما يقول المثل “إن المصيبة إذا عمت هانت”، ويكون في ذلك متكأ لمواقف الاستسلام والانبطاح. ومن ثمّ يسلم لهم الترويج لبعض المقولات مثل دعوى الإجماع الوطني حول الملكية والنظام المغربي بشكله الحالي وأنه لا وجود لأحد يجادل في هذا أو يناقش أو يعارض، ليخلصوا في النهاية إلى أنه لا سبيل للتحرك إلا من داخل النسق المخزني.

سؤال:

تحدث عبد الكبير العلوي المدغري وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق في كتابه “الحكومة الملتحية” عن وجود مفاوضات سابقة للدولة معكم. ما هو سياق هذه المفاوضات؟ وما هي الأطراف التي شاركت فيها؟

جواب:

الحديث عما أشار إليه وزير الأوقاف السابق في كتابه “الحكومة الملتحية” يحتاج إلى تفصيل لا يتسع له المجال، لاسيما وأنه وقف عند “ويل للمصلين” ولم يطرح الموضوع بالتفصيل اللازم الذي تقتضيه الأمانة العلمية. لكن باختصار أقول إذا استعرضنا بداية التسعينات، فسنجد أنها قد تميزت بعدة أحداث على المستوى الدولي والإقليمي كان لها أثر بالغ على البلاد العربية والإسلامية، ولم يكن المغرب بمنأى عن التأثر بما وقع آنذاك. من ذلك غزو النظام العراقي للكويت وما ترتب عن ذلك من غليان أربك بعض الأنظمة في المنطقة العربية خاصة، وارتعدت له فرائص بعض الحكام الذين أصبحوا يكثرون من الرحلات والتصريحات والخطابات بالتهديد حينا وبالترغيب حينا آخر من أجل ضبط الشعوب وثنيها عن أي مبادرة يمكن أن تطيح بعروشها أو تنال من مواقعها. ثم كانت هناك انتخابات الجزائر البلدية والتشريعية وما أعقب ذلك من أحداث كان لها صدى واسع زاد من تخوف الأنظمة في المنطقة العربية أن تنتشر “العدوى” فيجرفها التيار، كما أن وصول بعض فصائل التيار الإسلامي إلى السلطة في بلد مثل السودان كان له هو أيضا أثره وساهم في زيادة الانزعاج والقلق والتخوف لدى أكثر من نظام.

فإذا أضفنا إلى هذه العوامل الخارجية تردي الأوضاع داخل المغرب والتوترات السياسية والاقتصادية والاجتماعية  العمالية والطلابية على الخصوص- وصدور بعض الكتابات عن المغرب التي كشفت المستور وتحدثت عن الفساد المستشري وجملة من الفضائح مثل كتاب جيل بيرو، أقول إذا استحضرنا هذه العوامل، الخارجية منها والداخلية، سيكون من السهل إذذاك فهم السياق الذي تمت فيه هذه المفاوضات التي تسأل عنها والدوافع الحقيقية لفتح حوار مع قيادة العدل والإحسان آنذاك. فمن جهة كان النظام مضطرا ولم يكن ليستمر في تجاهل ما يعتمل في الداخل وما يغلي غير بعيد منه في الجارة الجزائر خاصة، وفيما يسمى بالشرق الأوسط عموما، ومن جهة أخرى فلا شك أنهم قد قدروا أن الوقت كان مناسبا لاستمالة معارضة مزعجة، لاسيما وأن السجن ربما يكون قد فعل فعله وأصبحنا معه جاهزين للحوار بمعنى المساومة، ومهيّئين للاستدراج إلى المربع الذي يرسمه النظام وينفرد بوضع حدوده وشروطه. فهذا باختصار هو السياق الذي جاءت فيه هذه المفاوضات.

سؤال:

ولماذا توقفت هذه المفاوضات؟

جواب

لسبب بسيط وهو أنها لم تفض إلى ما كان يشتهيه النظام.

سؤال:

إطلاق مبادرات الحوار سواء من النظام أو مع الفضلاء تفترض تنازلات من الطرفين هل أنتم مستعدون لذلك؟

جواب:

الحوار عند العقلاء معلوم الشروط لعل من بينها اقتناع كل الأطراف به والسعي الجاد لإنجاحه واستبعاد عقلية المنتصر والمنهزم وكذا استبعاد الرغبة في إثبات التوفر على قدر من الدهاء يمكّن من صرع الآخر والإيقاع به أو الشماتة به. ثم بعد ذلك ينبغي معرفة موضوع الحوار، بمعنى تحرير محل النزاع من أجل المقاربة بالشكل الذي قد لا يرضي أيا من الأطراف بالكامل، ولكن يحقق نتائج مقبولة تستحق الجهد المبذول وكذا المرونة الضرورية والمطلوبة.

ترى هل هذه الشروط متوفرة لدى النظام المخزني عندنا، وهل لديه الاستعداد للبرهنة عن ذلك وتفنيد زعم من يتشكك في وجود هذه النية وهذا الاستعداد؟ اعطني دليلا واحدا يثبت هذا أو يؤكد خلاف ما أقول. لذلك وكما قلت مرارا إن النظام المغربي يعتبرها إهانة وضعفا أن يحاور أحدا من المواطنين أو جماعة إسلامية أو غير إسلامية أو تيارا أو حزبا سياسيا..

سؤال:

ومع ذلك فإن هناك دعوات للحوار ولو بطريقة غير مباشرة..

جواب:

حتى عندما يقول إن باب الحوار مفتوح فهو لا يقصد الحوار، وإنما يقصد المساومة. فالقوم مقتنعون أن كل شيء يمكن أن يباع ويشترى، وبما أن هذا الأسلوب قد نجح مع بعض الناس وبعض الأحزاب، فإنهم يحسبون، ويا للغباء، أنه يمكن أن ينجح مع الجميع. فهذا هو الإشكال الحقيقي الذي يجعل الحديث عن الحوار مع النظام ضربا من الأحلام.

سؤال:

هناك عدد من القضايا التي تدلون بآرائكم حولها وتنظمون وقفات احتجاجية بالمقابل يلاحظ سكوتكم عن قضايا لا تقل عن سابقاتها من قبيل الموقف من فتوى الشيخ القرضاوي، وما اعتُبر إساءة للشعائر الدينية في إحدى المجلات المغربية مؤخرا، ما الذي يحكم هذا التحرك والاستنكاف؟

جواب:

أعتقد أنه ينبغي أن نفرق بين الوسيلة والغاية وألا نخلط بينهما أو نحول الوسيلة إلى غاية أو العكس. والاحتجاجات والوقفات والمسيرات وما شابه ذلك هي معدودة من الوسائل وتستعمل في الوقت المناسب والمكان المناسب وحين يُؤنس أنها تؤدي إلى النتيجة المرجوة. ولا يصح أن تستعمل بشكل آلي ودونما اعتبار إلى المآلات، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن الإساءات الموجهة إلى الإسلام والمسلمين هي كثيرة جدا ولاسيما في عصرنا هذا، بل إنها لا تكاد تحصى، ولو ذهبنا ننظم مسيرة أو وقفة كلما تجرا داعر أو مأفون على النيل من حرمة أمة تعاني نتائج تفريطها في ما به هيبتها وعزتها، لدخلنا في مسلسل لا ينتهي مثلما قال الشاعر:لو كل كلب عوى ألقمته حجرا *** لأصبح الصخر مثقالا بدينارلذلك فنحن في هذه المناسبات نجتمع ونتشاور فإن استقر الرأي على أهمية اتخاذ المبادرة، فإننا نُقدم ولا نتردد. وإن لم تترجح لدينا فائدة فإننا ننصرف إلى ما هو أجدى، علما أن بعض هذه المبادرات قد تحتاج إلى جهود كبيرة وأوقات وربما مبالغ مالية هامة، وقد لا تكون المردودية والآثار مكافئة لما بُذل من أجلها . وهناك أيضا اعتبارات أخرى ينبغي ألا تغيب عن البال أيضا. من ذلك صون هذه الأشكال الاحتجاجية من الابتذال حتى تبقى لها قيمتها ولا تصبح أشياء مألوفة ولا أثر لها. وغير ذلك من الاعتبارات التي ينبغي استحضارها. والخلاصة أن هذه الأشكال الاحتجاجية ينبغي ألا تُعتمد بشكل آلي ودونما اعتبار للأولويات والجدوى في مجال المدافعة مع قوى الباطل والمردودية التربوية والتنويرية.

سؤال:

تشنون حملة إعلامية عبر موقعكم على الإنترنت ضد أحمد توفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية على خلفية توقيف أئمتكم هل يخفي ذلك صراعا مذهبيا؟

جواب:

لا أعتقد أن هناك حملة إعلامية أو هناك صراعا مذهبيا أو شيئا من هذا القبيل. نحن ليس لدينا أي صراع مع شخص وزير الأوقاف، لاسيما ونحن نعلم أن الأشخاص في النظام لا يتصرفون من تلقاء أنفسهم إنما ينفذون السياسة المخزنية الرسمية، ولا يملك أي منهم أن يتصرف خارج هذا الإطار، وهذا بالطبع لا يعفيهم من المسؤولية، ولكن انتقادنا لتصريحات وزير الأوقاف ومواقفه الموغلة في الغرابة إنما هي بدافع الإشفاق على رجل مسلم انتهى به المطاف أن ينخرط إرضاءً للحاقدين على الدين في حرب شعواء على المؤمنين الأبرياء وبشكل تجاوز فيه سلفه بمراحل.