أثر الصلاة على النبي صلى الله عله وسلم في السلوك والتربية: قال السيد محمد علوي المالكي في أبواب الفرج: قال الشيخ عبد العزيز بن علي المكي الزمزمي صاحب منظومة التفسير التي شرحها سيدي الوالد السيد علوي المالكي في كتابه فيض الخير:

الصلاة على سيد السادات من أهم المهمات في جميع الأوقات لمن يريد القرب من رب الأراضين والسماوات. وإنها تجلب الأسرار والفتوحات. وتصفي البواطن من جميع الكدورات. وأنها تتأكد في حق أهل البداية، وأرباب الإرادات، وأصحاب النهايات. ويستوي في الاحتياج إليها الطالب، والسالك، والمريد المقارب. فالطالب تربيه والعارف تبقيه بعدما تفنيه.

وإن شئت قلت: الطالب تعينه على السلوك، والمريد ترفعه عن الشكوك، والعارف تقول له: ها أنت وربك.

وإن شئت قلت: الطالب تزيده قوة، والمريد تكسبه الفُتُوَة، والعارف تمسكه في مقام الهيبة.

وإن شئت قلت: الطالب تحمله، والمريد تكمله، والعارف تلونه.

وإن شئت قلت: الطالب تحبب إليه الأعمال، والمريد تكسبه الأحوال، والعارف تُثبته في مقامات الرجال.

وإن شئت قلت: الطالب تكسبه استنارة، والمريد تمده بالعبارة، والعارف تغنيه عن الإشارة

وإن شئت قلت: الطالب يقوى بها إيقانه، والمريد يكثرمنها إيمانه، والعارف يزداد بها عيانه

وإن شئت قلت: الطالب تثبته، والمريد تزينه، والعارف تعينه.

وإن شئت قلت: الطالب تكسبه الإطراق، والمريد تفيض عليه الإشراق، والعارف تؤيده عند التلاق.

وإن شئت قلت: الطالب تزداد بها أنواره، والمريد تفيض منها أسراره، والعارف يستوي لربه ليله ونهاره.

وإن شئت قلت: الطالب تحبب إليه الأعمال، والمريد تصحح لديه الأحوال، والعارف تؤيده عند الوصال.

وإن شئت قلت: الطالب تزيده تشوقا، والمريد تطربه تملقا، والعارف يستمد منها تحققا.

وإن شئت قلت: الطالب تكسبه النشاط، والمريد تحميه من الإنحطاط، والعارف يتأدب بها على البساط.

وإن شئت قلت: الطالب تكسبه الأنوار، والمريد تكشف له الستار، والعارف تلزمه الإضطرار، ولا يكون له مع غير الله قرار.

وإن شئت قلت: الطالب تشوقه بالمنامات، والمريد تحققه بالكرامات، والعارف تحوله في المقامات.

وإن شئت قلت: الطالب تؤيده بالثبوت، والمريد تطلعه على غيب الملكوت، والعارف تهيمه بالجبروت.

وإن شئت قلت: الطالب تشوقه إلى اللقا، والمريد تدعوه للملتقى، والعارف تزيده تحققا.

.

– الصلاة تنور القلب:

قال ابن الجوزي في بستان الواعظين ص: 358-359: وأما تنوير الظواهر والأسرار: فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه قل: (من أكثر الصلاة علي نور الله قلبه) وذلك أن الذنوب تسود القلوب، لأن العبد إذا عمل ذنباً صار نكتة سوداء في قلبه، فإذا تمادى على الذنوب نمت تلك النكتة حتى يسود بها القلب كله، وإذا رطب الله لسان العبد بالصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم غفر الله له ذنوباً ولو كانت مثل وزن الجبال، فإذا غفرت ذنوبه زال السواد عن قلبه وبدا فيه النور، لأن الإسلام لا يتم إلا بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه لو قال العبد: لا أرى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة لكان كافراً وراداً على الله، وخرج عن دين الإسلام وزال نور الهدى عن قلبه، قال تعالى: “أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه” الزمر:22. فهذا بيان واضح.

وأنشدوا: نـور القلوب يزيد عند صـلاتنا *** للهاشـمي فنـوره لا ينجـلي

فضـياؤنا من ضوء نور محمـد *** صلوا على ذاك النبي الأفضل وقال: واعلمواْ أنه ما من عبد مسلم أكثر الصلاة على سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام إلا نور الله قلبه، وغفر ذنبه، وشرح صدره، ويسر أمره، فأكثروا من الصلاة لعل الله يجعلكم من أهل ملته، ويستعملكم بسنته، ويجعله رفيقنا جميعا في جنته، فهو المتفضل علينا برحمته

وذكر حكاية: روي عن عبد الواحد بن زيد أنه قال: خرجت مع حجاج إلى بيت الله الحرام فصحبني رجل في الطريق كان لا يقوم ولا يقعد، ولا يجيء ولا يذهب، ولا يأكل ولا يشرب، ولا يتطهر ولا ينام، ولا يتصرف في شيء إلا أكثر من الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم، فسألته عن ذلك فقال: أحدثك بعجب عجيب، خرجت مرة إلى مكة معي والدي فنزلنا منزلا في موضع من منازل الطريق فنمت فإذا أنا بهاتف يهتف بي وهو يقول: يا فلان قم فقد أمات الله والدك وقد سود وجهه، فانتبهت فزعاً مرعوباً مما سمعت، فإذا هو راقد وقد غطي وجهه، فكشفت الثوب عن وجهه فإذا هو ميت ووجهه أسود، فاشتد حزني لذلك وتحيرت في أمره، فغلب علي النوم، فإذا أنا بأربعة سودان عند رأسه، وأربعة عند رجليه، بأيديهم أعمدة من حديد من نار، وهم يريدون عذابه، فبينما أنا أنظر فيما يكون من أمر والدي مع السودان إذا برجل قد جاء فأشرق من نور وجهه الموضع كله الذي كنا فيه، وأقبل على السودان فانتهرهم وقال: تنحو عنه، فتنحى السودان عنه من ساعتهم، وغابوا عني فلم أرهم، ثم أقبل على والدي فمسح بيده على وجهه فإذا هو أشد بياضا من الثلج، والنور قد علا وجهه، ثم أقبل علي فقال لي: بيض الله وجه أبيك وزال عنه السواد فقلت له: من أنت فجزاك الله عنه خيراً ؟ قال: أنا محمد رسول الله {صلى الله عليه وسلم}، فقلت له: يا رسول الله ! ما كان السبب في مجيئك إليه ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: أما والدك فكان مسرفاً على نفسه غير أنه كان يكثر من الصلاة علي، فلما نزل به ما نزل استغاث بي وأنا غياث لمن أكثر الصلاة علي، فقمت من نومي فكشفت الثوب عن وجهه فإذا هو قد ابيض، فأخذت في أمره وشرعت في دفنه، فما تركت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك.

فإذا كانت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تورث تنوير الوجه بعد الممات، فأولى أن تورث تنوير القلوب في الحياة، وذلك أن الله تعالى جعل شخصه صلى الله عليه وسلم نوراً، وقد سماه في كتابه سراجاً منيراً قوله تعالى:{يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً }الأحزاب:45-46، ووصف من اتبع أمره وسنته وأحبه بنور القلب، قال الله تعالى: { أمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه } الزمر:22. ووصف من خالف دينه ومن لم يؤمن به بظلمة القلب، قال تعالى: { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} النور:40. فما لكم عباد الله غافلون عن هذه الفضيلة، والنعمة الدائمة الجزيلة ؟

وأنشدوا:صلوا على نـور تزايد فـخره *** يعلوا على الأنوار والألبـاب

محمد زين الخلق شرقا ومغرباً *** وخير شفيع ناطـق بصـواب

وخـير حبـيب للإله نـبـينا *** وخير رسول عامـل بكتـاب

أتى الخلق والأصنام تعبد جهرة *** وبوأهم إبلـيس شـر مـآب

فصلوا على خير الخلائق كلهم *** لتستوجبوا يا قـوم خير ثواب عباد الله تعاهدوا على الصلاة على حبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى إذا أراد بعبده خيرا يسر لسانه للصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا أراد بعبده شراً حبس لسانه عن الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم، فيكون ذلك سببا لسواد وجهه، كما أن الصلاة { سبب} لتنوير القلب.

– المقصود والثمرة من الصلاة عليه والتسليم هو صحبته ومحبته والصلة الدائمة به:

قال الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في المنهاج النبوي ص: 164: ولا يفوتنا كما يفوت الكثيرين أن المقصود من الصلاة عليه والتسليم والإكثار منهما هو صحبته ومحبته، فإننا إن أكثرنا من ذكره كما أمرنا أصبحت صورته ومعناه في قلوبنا بمثابة النور الذي نهتدي به إلى ذكر الله ومحبته، نتيجة الصلاة على المحبوب المجتبى صلى الله عليه وسلم وصلتنا الدائمة به””. وقال أيضاً: “الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الخير، لذلك أوصى بعض سلفنا الصالح أن يبتدئ المؤمن دعاءه ويختمه بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: فإن الله تعالى أكرم من أن يقبل الصلاتين ولا يقبل ما بينهما”.

فبكثرة الصلاة عليه والتسليم صلى الله وسلم عليه يتنور القلب وتزداد محبته صلى الله عليه وسلم في قلوبنا، فهي للقلب كالماء للزرع، وبصحبته وذكره وكثرة الصلاة عليه تقوى صلته بنا لأن الصلاة صلة وتنطبع صورته ومعناه في قلوبنا ونفوسنا، فيكون ذلك بمثابة النور الذي نهتدي به إلى ذكر الله ومحبته.

يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في كتاب الإحسان 1 ص: 300: من أعظم الأذكار فضلاً، وأجلها قدراً، وأوفاها بمقصود المريدين المحبين المتقربين، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: هي شيخ من لا شيخ له. هي وسيلتنا إلى ربنا، إذ هي ميثاق وفاء ومحبة، تلتقي صلاتنا عليه بصلاة الله عليه وصلاة ملائكته، فأي فضل أعظم من أن يكون موضوع صلاتنا مطابقا موافقا ؟…