عاش الرافعي في هذه الأمة وكأنه ليس منها، فما أدت له في حياته واجبا ولا اعترفت له بحق، ولا أقامت معه على رأي، وكأنما اجتمع له هو وحده تراث الأجيال من هذه الأمة المسلمة فعاش ما عاش ينبهها إلى حقائق وجودها على حين تعيش هي في ظلال التقليد وأوهام التجديد ورضي هو مقامه منها غريبا ومعتزلا لا يعرفه أحد إلا من خلال ما يؤلف من كتب وينشر في الصحف أو خلال ما يكتب عنه خصومه الأكثرون وهو ماض على نهجه لا يبالي .. ولا ينظر لغير الهدف الذي جعله لنفسه منذ يومه الأول، وهو أن يكون من هذه الأمة لسانها العربي في هذه العجمة المستعربة، وأن يكون لهذا الدين حارسه وحاميه يدفع عنه أسباب الزيغ والفتنة والضلال وما كان  رحمه الله- يرى في ذلك إلا أن الله قد وضعه في هذا الموضع ليكون عليه وحده حياطة الدين والعربية .. كأن ذلك “فرض عين” عليه وهو على المسلمين “فرض كفاية”.

بهذه الكلمات الموجزة اختصر محمد سعيد العريان مأساة جهاد أستاذه مصطفى صادق الرافعي ورسالة حياته، وذلك عقب وفاة الرافعي سنة 1937 في مطلع كتابه الفريد “حياة الرافعي” الذي يعد مصدرا أساسيا إلى الآن لكل من يتعرض لحياة الرافعي، وذلك ليذكر هذه الأمة بالدين الذي عليها لهذا الأديب الكبير والكاتب الإسلامي المستنير ولا تزال تلك الكلمات رغم مضي أكثر من 70 عاما عليها لم يجف مدادها تستنهض الهمم نابضة بالحياة، تدعو لإنصاف الرجل. والمأساة أن الرافعي لم يأخذ إلى الآن ولو بعض حقه من أمة لا تزال تحمل على عنقها ديونا كثيرة لأمثاله من أدبائها ومفكريها الذين أخلصوا حياتهم لها وماتوا في سبيلها .. أمة  للأسف- منذ بدأت تستبدل برايتها الحقيقية التي تسامت بها على باقي الأمم رايات أخرى ملونة تراجعت عن ركب الحضارات.

وقد ظهر الرافعي في عصر هذه الفتن، وعاصر هؤلاء المفتونين فتصدى لهم ورد كيدهم في نحورهم بقلمه وحده لا يسنده حاكم يحميه، ولا منصب يترفع به، ولا حتى صاحب يذود عنه، فكان متكلا على الله وحده متخذا شعاره قوله تعالى: “إن الله يدافع عن الذين آمنوا” فكانت هذه الآية محور حركته كلها ومصدر جرأته وشجاعته وجهره بالحق في وجوه من كان يشتم منهم عداوة للدين أو للغة من صغار وكبار.

إشراق العبقرية:ينتمي مصطفى صادق الرافعي (1298  1356هـ = 1881  1937هـ) إلى أسرة عريقة في النسب خدمت الإسلام والعروبة بعدد من العلماء والقضاة والأدباء والمؤرخين اشتهروا في الشام ومصر، وأول من وفد من هذه الأسرة إلى مصر من طرابلس الشام وطنهم الأول كان الشيخ محمد طاهر الرافعي سنة 1243هـ (1827م) ليتولى القضاء في مصر على مذهب أبي حنيفة، ومنذ ذلك التاريخ كاد القضاء يكون حكرا لآل الرافعي حتى اجتمع في زمن ما أربعون قاضيا رافعيا في مختلف محاكم مصر، ووالد أديبنا الرافعي هو المرحوم الشيخ عبد الرزاق الرافعي كان رئيسا للمحاكم الشرعية في كثير من الأقاليم وهو واحد من أحد عشر أخا اشتغلوا جميعا بالقضاء.

وكان الرافعي  رحمه الله- شديد الاعتزاز بانتهاء نسبه إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أما والدته فهي سورية الأصل من حلب وكان والدها الشيخ الطوخي يعمل تاجرا بين مصر والشام. وكان مولد أديبنا في بهتيم إحدى قرى مديرية القليوبية بمصر، وليس في طنطا كما يظن البعض، ونشأ في رعاية أبيه، وما كاد يتم العاشرة من عمره حتى استظهر القرآن عليه حفظا وتجويدا. لم يدخل الرافعي المدرسة إلا بعد أن جاوز العاشرة بسنة أو سنتين، فقد درس سنة من الابتدائية في دمنهور ثم نقل والده قاضيا في محكمة المنصورة فانتقل معه إلى مدرسة المنصورة الأميرية وحصل على شهادة الابتدائية وسنه يومئذ سبع عشرة سنة! فكانت الشهادة الابتدائية هي كل ما حصل عليه الرافعي من شهادات المدارس النظامية، ثم استقرت أسرة الرافعي في طنطا منذ عُيّن والده رئيسا لمحكمتها الشرعية، ومنذ ذلك الحين أصبحت طنطا مقرا لأسرة الرافعي وعاش فيها أديبنا إلى أن توفاه الله بها.

وقد منعت الرافعي من مواصلة دراسته بعد الابتدائية إصابته بمرض التيفوئيد الذي أقعده أشهرا وأصابه بحبسة في صوته وصمم في أذنيه ظل يثقل عليه حتى تحول إلى صمم تام، وانقطع الرافعي به عن دنيا الناس والأصوات مع تمامه الثلاثين من عمره، فكانت هذه العاهة زلزلة خير وبركة في حياته فلزم الكتاب وانقطع للقراءة يقرأ تسع ساعات كل يوم لا يتصل بالناس إلا من خلال القلم على أحسن ما يكون الاتصال حتى ظهر نبوغه وأشرقت عبقريته، على أنه قبل هذا كله لازم أباه في صباه يأخذ عنه علوم العربية ويتفقه في اللغة وعلوم الدين والتفسير ويقرأ لعلماء الأمة.

وهكذا امتلأ الرافعي منذ طفولته بروح الإسلام وتشبع بفكره، وآمن برسالته فجعلها رسالته يهتدي بهداها، ويقتدي بأعلامها، ويتخذ من لغة القرآن حصنه الحصين يدافع عنها ويهاجم منها كل الذين أرادوا الطعن في كتاب الله من خلال الطعن في لغته.

على هذه الروح شب الرافعي وشاب، وتشبع بحب القرآن ولغته منذ ميعة صباه ونشأ لا يتكلم إلا الفصحى، وكان حظه من العامية المصرية قليلا  كما يروي صفيه الأستاذ محمد سعيد العريان- وظلت لهجته الشامية في الحديث تنم عن أله إلى آخر أيامه. فقد باعد فقده للسمع مبكرا بينه وبين إتقان اللهجة المصرية مضافا إليها حرصه وعشقه للتخاطب مع الناس بالفصحى.

أما حياة الرافعي الوظيفية فهي تختصر في سطور قصيرة، فقد دلف إليها في أبريل عام 1899 وهو في سن التاسعة عشرة فعُيّن كاتبا في محكمة “طلخا” الشرعية القريبة من “طنطا” ثم نُقل إلى محكمة “إيتاي البارود” الشرعية ثم إلى محكمة طنطا الشرعية ثم إلى محكمة أهلية واستقر به المقام في طنطا، وعاش الرافعي طوال حياته موظفا صغيرا يتقاضى راتبا ضئيلا يعيش عليه بقناعة إذ لم تكن الوظيفة في حياته إلا وسيلة تعينه على العيش الكفاف ليفرغ لنفسه بعد ذلك يقودها إلى العلا في مراتب الثقافة والأدب والفكر ليتسنم قممها العالية ويمثل مكانته اللائقة به بين كل أبناء عمره.

الرافعي في بيته:تزوج الرافعي في الرابعة والعشرين من عمره من فتاة مصرية صريحة النسب أخت صديقه الأستاذ عبد الرحمن البرقوقي صاحب مجلة “البيان”.وقد عاش الرافعي لزوجه وفي بيته وبين أولاده مثل الزوج والأب الذي يحترم حدوده ويعطي لكل ذي حق حقه، وحسبنا أن نقرأ ما كتبه عنه تلميذه وصديقه الأستاذ العريان حين شهد بقوله: “وأنا ما عرفت أبا وأولاده كما عرفت الرافعي إذ يتصاغر لهم ويناغيهم ويدللهم ويبادلهم حبا بحب ثم لا يمنعه هذا الحب من أن يكون لهم أبا فيما يكون على الآباء من واجب التهذيب والرعاية والإرشاد…”.

ولم يفرط الرافعي يوما في عقد الأسرة وظل مرضيا لزوجه التي أعطت له كل حياتها وهيأت له في بيته كل ما يحتاجه رجل مفكر مثله، وما يقال عن علاقة الرافعي بالمرأة خارج محيط الأسرة فيه كثير من التجاوز للحقيقة، وما يقال عن حبه لمعاصرته الأديبة الشامية المعروفة الآنسة مي زيادة فيه من الخيال أكثر مما فيه من الواقع.

لقد هب الحب على قلب الرافعي مثله مثل كل إنسان ولكنه لم يترك هذا الحب يعصف بحياته فسرعان ما حوله إلى نسيم يستوحي منه أرق وأجمل مؤلفاته لغة وأسلوبا ومعنى، فليس الرافعي الذي يسلم قياده لهواه، فإذا كان حبه أقوى منه قد كان دينه وإيمانه أقوى من حبه، وهو القائل:الحب سجدة عابد *** ما أرضه إلا جبينه

قلبي يحب وإنمـا *** إيمـانه فيه ودينهوقد صارح الرافعي زوجه بحقيقة أمره مع فلانة الذي لم يتجاوز “الاستلهام”، وكانت أعرف الناي بعفة زوجها واستقامته وعظيم إيمانه.

وهكذا كان الحب في حياة الرافعي طائفا روحانيا بعيدا عن شهوات الجسد، وأوحى إلى الرافعي بأعظم ما خطه يراع في فلسفة الحب والجمال في أدبنا الحديث، كان أولها “حديث القمر” كتبه سنة 1912 عقب زيارة قام بها لوطنه الأصلي لبنان ومن وحي لقائه بالأديبة مي زيادة، ثم تبعه بثلاثة كتب أخرى على شكل رسائل حب خيالية فكان “رسائل الأحزان” و”السحاب الأحمر” سنة 1924 ثم تبعهما “أوراق الورد” سنة 1931.

شاعر الأمة:وبدأ الرافعي حياته شاعرا ونظم الشعر في سن باكرة قبل أن يبلغ العشرين من عمره، وبدأ يتألق بما ينشره من شعر في الصحف والمجلات التي كان يصدرها الشاميون في مصر، فقد كانت الزعامة الأدبية في اللغة والأدب والتاريخ في أيديهم، فنشر الرافعي في مجلات “الضياء” و”البيان” و”أثرياء” و”الزهراء” و”المقتطف” و”الهلال” وغيرها.

وتطلع الرافعي في تلك السن الصغيرة إلى نافسة شعراء عصره الكبار: البارودي وشوقي وحافظ وأعد نفسه لانتزاع إمارة الشعر، فلما أصدر حافظ إبراهيم سنة 1903 ديوانه ورأى الشاعر الشاب ما ناله ديوان حافظ من ترحيب وثناء أعد عدته وأصدر الجزء الأول من ديوانه 1904 بعد ديوان حافظ بشهور، وقدم له بمقدمة بارعة تحدث فيها عن معنى الشعر وفنونه، ثم أصدر الجزء الثاني من ديوانه سنة 1904 والثالث سنة 1906، وفي سنة 1908 أصدر الجزء الأول من ديوان النظرات، وارتفع اسم الرافعي عاليا متألقا في سماء الشعر ولقي من احتفاء الأدباء والنقاد ما لم يلقه إلا قلة من أدباء جيله، فقد قرظ شعره الإمام محمد عبده حيث كتب إليه يقول: “أسأل الله أن يجعل للحق من لسانك سيفا يمحق به الباطل، وأن يقيمك في الأواخر مقام حسان في الأوائل” وصدقت فيه فراسة الإمام.

وكتب الزعيم مصطفى كامل يقول: “وسيأتي يوم إذا ذكر فيه الرافعي قال الناس هو الحكمة العالية مصوغة في جمال قالب من البيان”، وإذا كان هذا بيان شعر الرافعي فإن ذروة هذا الشعر بإجماع الكثير من دارسي أدب الرافعي تكمن في أناشيده، فقد غنى الرافعي للإسلام والوطن والطفولة والشعب بشكل لم يسبق إليه أحد مما يجعله بحق إمام عصره في شعر الأناشيد، فقد غنى الشعب أناشيده الوطنية، وهتف أبناء المدارس بها كل صباح في مدارسهم، ورددتها المجموعة في الإذاعة والاحتفالات، كما ساهم الرافعي في الحركة الوطنية المصرية منشدا بكل نبضات قلبه وسبحات روحه وعزيمة إيمانه، اسمعه يقول في نشيده الوطني الأول:يا حمى النيل الأمين *** لك في قلـبي حنين

لك إخلاصي المتين *** وهوى الأوطان دينويشاء الله أن يكون الرافعي بنشيده “إلى العلا” صوت الأمة سنة 1919 في نهضتها في الدعوة للحرية والاستقلال فيكتب هذا النشيد الذي تجاوز لجنة الأناشيد التي أرادت مجاملة شوقي أمير الشعراء حين اجتمعت طائفة من رجال مصر آنذاك واختارت نشيد الرافعي، وكتبت عنه صحف العصر تطالب به نشيدا قوميا للأمة، فجاء في جريدة “الأخبار” ما نصه “نقدم إلى الأمة هذا النشيد الفخم الذي وضعه ذلك الشاعر في نبوغه والنابغة في شعره الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعي وهو صورة حية للشعور الوطني الذي ملك الروح بل هو معرفة تلك الروح … وما أجدره أن يكون ندى على الألسنة في كل هاجرة” وتم تلحين النشيد وهتفت به مصر كلها:إلى العلا إلى العلا بني الوطن *** إلى العـلا كل فتاة وفتى

إلى العلا في كل عصر وزمن *** فلن يموت مجدنا كلا ولنوبعده كتب الرافعي نشيدا أصبح نشيد الفتوة والكشافة والجنود وأصبح نشيد مصر القومي في عصر الزعيم سعد زغلول استجابة لدعوة الأدباء والطلبة، وتألفت اللجان في أنحاء البلاد لإذاعته وتبارى الملحنون على تلحينه، وتغنى به الناس في أنحاء مصر من أعماق قلوبهم: “اسلمي يا مصر”

اسلمي يا مصر إنني الفدا

ذي يدي إن مدت الدنيا يدا

أبدا لن تستكيني أبدا

ليتني أرجو مع اليوم غدا

ومعي قلبي وعزمي للجهاد

ولقلبي أنت بعد الدين دين

لك يا مصر السلامة

وسلاما يا بلادي

إن رمى الدهر سهامه

أتقيها بفؤادي

واسلمي في كل حين

وقد قرظ هذا النشيد وأشاد به كبار رجال العصر في الفكر والأدب والسياسة أمثال سعد زغلول وأحمد زكي باشا ومحب الدين الخطيب وغيرهم، وهكذا أصبح هذا النشيد نشيد مصر القومي الرسمي خلال الفترة من سنة 1923 إلى سنة 1936م.

واستجابة لرغبة شبان الوفد وزعيمه كتب الرافعي نشيدا وطنيا آخر بعنوان: “حماة الحمى”:حماة الحمى، يا حماة الحـمى *** هلموا، هلموا لمجد الزمن

لقد صرخت في العروق الدّما *** نموت، نموت ويحيا الوطنهذا إلى جانب العديد من الأناشيد التي كتبها لطلاب المدارس مثل نشيد “بنت النيل” و”نشيد الطلبة” و”نشيد المدرسة” مضافا إليها الأناشيد التي كتبها لأطفاله فتبنتها رياض الأطفال والمدارس الابتدائية كما كتب أغان للفلاحين.

والرافعي هو مؤلف النشيد الإسلامي الخالد “نشيد الشباب المحمدي” الذي ذاع واشتهر في كل بلاد العالم العربي حتى يومنا هذا:ربنا إياك ندعو ربنــا *** آتنا النصــر الذي وعدتنــا

إننا نبغي رضــاك إننا *** ما ارتضينا غير ما ترضى لنا

أنفسا طاهرة طهر الحرم *** ملأ التــاريخ مجدا وكــرم

وافيات بالعهود والـذمم *** رافعات للمعــالي والهمــمواختارته “جمعية الشبان المسلمين” في مصر سنة 1927 شعارا لها.

إمام الأدب وحجة العرب:ولكن الرافعي لم يستمر في درب الشعر رغم ذلك النجاح المشهود الذي حققه فيه، فقد اكتشف أنه في هذا العصر لن يستطيع تبليغ رسالته في خدمة لغة أمته وقرآنها من خلال الشعر وحده، فقد تأمل الرافعي حال اللغة العربية … لغة القرآن على ألسنة الناس كلاما وكتابة فوجدها عجمة مستعربة أو عربية مستعجمة ووجد أن “الجملة القرآنية” قد غابت من هذه اللغة التي يكتب بها أدباء عره، فنذر نفسه أن يعيدها، فلابد له إذن أن يطرق باب النثر ليسمو به من الوحل الذي ارتكس فيه، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى كان الرافعي يرى أن في النظم العربية قيودا لا تتيح له أن ينظم بالشعر كل ما يريد أن يعبر به من أفكار وآراء يريد أن يفهمها كل الناس، وهو رأي لم يكتبه الرافعي وإنما تحدث به في مجالسه ورواه عنه صفيه وصديقه الأستاذ محمد سعيد العريان في كتابه المعروف عنه.

وهكذا يمم الرافعي وجهه شطر قبلة النثر الفني وإن لم يهجر الشعر، ولكنه لم يعد إلى وسيلته الأولى في التعبير، وتنازل عن حلم حيازة إمارة الشعر أي أنه بدل وسيلته من أجل رسالته.

وبدأ الرافعي ذلك الانقلاب في حياته الأدبية بمحاولة إعادة الاعتبار للغة العربية والجملة القرآنية إلى لغة الإنشاء في المدارس الأولية، فالإصلاح يبدأ من هناك، وكتب عدة مقالات بديعية في الإنشاء على أمل أن يصدرها في كتاب مدرسي يسميه “ملكة الإنشاء” يتعلم الطلاب من لغته.

وكان إنشاء الجامعة المصرية آنذاك سنة 1907 وخيبة أمل الرافعي فيما تقدم للطلاب من دروس في الأدب واللغة جعلته ينصرف عن متابعة كتاب “ملكة الإنشاء” ويلتفت لما هو أهم، فكتب مقالا يهاجم مناهج التدريس في الجامعة، فاهتزت إدارة الجامعة وحسبت لهجوم الرافعي حسابه وأعلنت عن مسابقة في تأليف كتاب جامعي عن “أدبيات اللغة العربية” وجعلت للفائز 100 جنيه لمن يكتب ذلك الكتاب في سبعة أشهر! فلم يعجب ذلك الرافعي فكتب يسخر من شروط المسابقة، فعادت اللجان تجتمع وعدلت الجامعة في المسابقة فزادت المدة إلى سنتين والمكافأة إلى مئتين مع طبع الكتاب على نفقتها.

وشمر الرافعي عن ساعديه وقدح زناد فكره في تأليف كتاب، ولكن لا ليقدمه للجنة مسابقة الجامعة التي كان يرى أنها ليست من الكفاءة بحيث تحكم على كتابه، ولم يسل لعابه للمكافأة الكبيرة المرصودة وهو الموظف الصغير الذي لا يزيد رابته عن بضعة جنيهات والعائل لأسرة كبيرة.

تضاءلت كل تلك الاعتبارات النفسية والمادية الصغيرة أمام اعتبار الرافعي لنفسه ويقينه بقدر “الرسالة” الجسيمة التي عاهد نفسه على تأديتها نحو أمته.

خرج الرافعي على الناس سنة 1911م بكتابه الفريد “تاريخ آداب العرب” الذي بدأه سنة 1909 وطبعه على نفقته قبل حلول الأجل الذي حددته الجامعة متجاهلا بذلك الجامعة ومسابقتها ومكافأتها!

ويعلم الله كم كلفه ذلك الكتاب من بؤس وضنك في حياته المعيشية، ولكنها نفس الرافعي الأبية الرفيعة.

ويروي شاهد عصره ومؤرخ سيرته الأستاذ محمد سعيد العريان أن هذا الكتاب قد أحدث انقلابا وأثرا ليس في مناهج الجامعة وطرق تدريسها للغة والأدب فحسب بل في كل ما صدر من كتب بعد ذلك في هذا العلم، وأصبح اسم الرافعي على كل لسان، وكتابه موضوع نقاش وإعجاب في كل مجلس ومنتدى.

وفي سنة 1912 أصدر الرافعي الجزء الثاني من “تاريخ آداب العرب” بعنوان “إعجاز القرآن” وصدر الجزء الثالث الذي ختم به حياته بعد وفاته بثلاث سنوات، فقلد الرافعي صدر العربية بثلاث درر لم تعرف العربية الحديثة إلى اليوم لها من مثيل، وبلغ به الرافعي أوج مجده، وقمة من قمم إخلاصه لدينه وحبه للغته، ونال هذا الكتاب وعنوانه الكامل “إعجاز القرآن والبلاغة النبوية” أضعاف ما ناله الجزء الأول من ثناء المعجبين وزاد من جحود المنكرين والكارهين للإسلام واللغة العربية، فكتب الزعيم سعد زغلول إلى الرافعي مشيدا يقول: “.. ولكن قوما أنكروا هذه البداهة (بداهة إعجاز القرآن) وحاولوا سترها فجاء كتابكم مكذبا لإنكارهم وأيد بلاغة القرآن وإعجازها بأدلة: مشتقة من أسرارها، في بيان مستمد من روحها، كأنه تنزيل من التنزيل، أو قبس من نور الذكر الحكيم”.

حرب على الانحراف والتطاولأما معركة الرافعي مع طه حسين فقد كانت أكثر ضراوة من معركته مع العقاد، ذلك لأن طه حسين في نظر الرافعي جهر بتنكره ورفضه لبعض ما جاء به القرآن جهارا نهارا فيما ألقاه في الجامعة من محاضرات.

ويعود تاريخ الخصومة بين الرافعي وطه حسين إلى مرحلة مبكرة من حياة الاثنين كان دافعها التنافس على نيل المكانة الأدبية الكبيرة لدى الجمهور، وكان طه حسين آنذاك لا يزال طالبا في الجامعة، بينما كان نجم الرافعي قد تألق في سماء الشعر وعالم البيان العربي، فقد تعقب الطالب طه حسين كتب الرافعي واحدا بعد الآخر بالهجوم مدعيا بأنه “لم يفهمها” ابتداء من كتاب “رسائل الأحزان” الذي صدر سنة 1912، وكان ذلك في أغلب الظن غيرة منه فدارت بينه وبين الرافعي مناوشات على صفحات جريدة “السياسة الأسبوعية” الشهيرة في حينها”.

لكن المعركة الحقيقية التي كانت خالصة لله وللدين وللقرآن لم تحدث إلا بعد أن عاد طه حسين من فرنسا دكتورا وأصبح أستاذا للأدب الجاهلي في كلية الآداب بالجامعة وأخرج للناس سنة 1926 محاضراته في كتاب يحمل عنوان “في الشعر الجاهلي” والذي كان أخطر ما فيه إنكار طه حسين لقصة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام في قوله: “للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي…”.

وهنا غضب الرافعي من هذه “الوقاحة” كما سماها، ومن هذا التطاول على كتاب الله، ووقف الرافعي ولم يقعد حتى استنهض الهمم، واستنفر الأمة كلها للدفاع عن قرآنها، وتحولت المعركة بينه وبين طه حسين من معركة بين القديم والجديد أو على الأصح بين الأصيل والدخيل في الأدب إلى معركة للدفاع عن عقيدة الأمة وحمايتها ممن يشكك فيها.

وتجاوزت حدود الصحف إلى قاعة البرلمان وساحة القضاء، صرخ الرافعي مستنكرا: كيف يرخص طه حسين لنفسه أن يتجرد عن دينه ليحقق مسألة من مسائل العلم أو يناقش رأيا في الأدب أو التاريخ إذ لم يسبق أحد من رجال الأدب في جعل حقيقة من حقائق القرآن موضع التكذيب أو الشك؟!

ولم يقعد الرافعي من وقفته تلك إلا بعد أن تنادت الأمة كلها من الأزهر والعلماء والهيئات والنقابات والجامعة ورجال الشارع في الدعوة إلى محاكمة طه حسين وطرده من الجامعة، وزلزلت الأرض من تحت أقدام أنصاره في الحكومة فوصل إلى النيابة وكتب بيانا أذيع على الناس يعلن فيه احترامه للإسلام وإيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.

وصودر الكتاب وأعدمت نسخه وأصدره طه حسين فيما بعد بعنوان “في الأدب الجاهلي” بعد أن حذف كل ما فيه من طعن في القرآن والإسلام، ثم جمع الرافعي مقالات في المعركة وأصدرها في كتاب بعنوان “تحت راية القرآن” سيجد فيه القارئ تفنيد الرافعي لآراء طه حسين رأيا رأيا فيما لا يتفق مع العقيدة الإسلامية ونسخها بالحجة والبرهان وإثبات تأثر طه حسين بآراء المستشرقين التي افتتن بها وحاول أن يفتن بها طلاب الجامعة.

وقد مات الرافعي رحمه الله قرير العين مطمئن البال لمستقبل الإسلام في قلوب الشباب حين طالب طلاب الجامعة  قبل وفاته بقليل- بمكان يخصص للصلاة ويفصل الفتيان عن الفتيات فحياهم بمقالة كتبها في مجلة الرسالة ولم ينس -عفا الله عنه- أن يغمز فيها طه حسين!

خصاله وسجاياهكان الرافعي  رحمه الله- في خُلقه وسلوكه مع الناس مثال المسلم الحق في اعترافه بالفضل لأهل الفضل ومد يد العون للمحتاجين، وفي الوفاء وحفظ العهود والذمم، وفي سيرة حياته العديد من الشواهد التي يرويها معاصروه التي تدل على نبل خلقه، ومنه مثلا ما يدل على مبلغ وفائه لأساتذته، فقد كان الرافعي في مجلس فدخل أستاذ له علمه في الابتدائية، فما أن رآه الرافعي حتى طأطأ وانحنى يريد تقبيل يده، ولما خرج الأستاذ مال الرافعي ليهمس في أذن صديقه العريان: “هذا أستاذي” وكان في صوته رنة هي أقرب إلى صوت الطفل لأبيه حين يمر بهما معلمه، وقد ظل الرافعي يذكر أستاذه طوال اليوم!

وقد أثنى كل من عرفه وزامله في العمل على خلقه وسعة صدره، فقد كان يتطوع ليحمل عن زملائه تبعة كل خطأ يقعون فيه ويتقبل نتيجته، وقد تولى عن زملائه مرة مواجهة مفتش من وزارة العدل جاء ليحقق في خطأ تقدير الرسوم لأكثر من مئة وعشرين قضية لم يكن للرافعي فيها خطأ واحد!

وكان الرافعي  رحمه الله- شديد الاعتداد بنفسه عارفا حق المعرفة بمكانته، حريصا أشد الحرص على كرامته من أن يمسها أي إنسان مهما ارتفع مقامه، وكان يكره الوقوف على الأبواب والتزلف إلى الرؤساء ونشر كلمات النفاق بين أيديهم.

وكان الرافعي الموظف الصغير والمفكر الكبير يحرص على تأدية عمله دون الالتزام بمواعيد الحضور والانصراف، فلما جاء مدير جديد في دائرة عمله لم يسارع الرافعي لتهنئته فأغور الموظفون  الذين يغيظهم اعتزاز الرافعي بنفسه- صدر المدير الجديد عليه، فبعث برسالة إلى وزارة العمل يخبرها أن في محكمة طنطا كاتبا أصم لا يصلح للتفاهم مع الجمهور، ومع ذلك فهو كثير التهاون في مواعيد العمل، ويطلب فصل الرافعي من وظيفته بالمحكمة!

وكان من حسن حظ الرافعي أن المفتش الذي أرسلته الوزارة كان الشاعر حفني ناصف  يرحمه الله- قال له الرافعي: إن كانت وظيفتي هنا فليؤاخذوني بالتقصير والخطأ فيما يسند إلي من عمل، وإن كانت الوظيفة تعال من الساعة الثامنة واجلس على الكرسي كأنك مشدود إليه بحبل حتى يحين موعد الانصراف فلا علي إن تمردت على هذا التعبد .. قل لهم في الوزارة: إنكم لا تملكون من الرافعي إلا هاتين الإصبعين ساعات من النهار! فكتب حفني ناصف  وهو الذي يعرف عبقرية الرافعي- إلى الوزارة يقول: “إن الرافعي ليس من الموظفين الذين تعنيهم الوزارة بهذه القيود .. إن للرافعي حقا على الأمة أن يعيش في أمن ودعة وحرية، إن فيه قناعة ورضى، وما كان هذا مكانه ولا موضعه لو لم يسكن إليه، دعوه يعيش كما يشتهي أن يعيش، ودعوه يعمل ويفتن ويبدع لهذه الأمة في أدبها ما شاء أن يبدع، وإلا فاكفلوا له العيش المرضي في غير هذا المكان”.

وعملت الوزارة بنصيحة مفتشها الأديب الكبير حفني ناصف، وتركت للرافعي حرية الغدو والرواح من الوظيفة ولا سلطان عليه إلا سلطان نفسه ولا رقيب عليه إلا ضميره الذي يراقب الله سبحانه! فكانت نفسه أزكى النفوس وكان ضميره أكثر ضمائر الموظفين أمانة ويقظة وحرصا.

هكذا عاش الرافعي عزيزا منيعا مرفوع الرأس موفور الكرامة، يهابه الكبراء ويحسب له أصحاب الجاه والنفوذ ألف حساب، ويخشى أصحاب الزيغ والفتن صليل قلمه وغضبه الذي لا يخشى في الله لومة لائم. أما الفقراء والمساكين فقد كان يشعر بالتوحد معهم والشعور بآلامهم ومعاناتهم، وقد كتب فيهم كتابا بعنوان “المساكين” سنة 1917م، وقال في مقدمته “أردت به بيان شيء من حكمة الله في شيء من أغلاط الناس” واحتشد وجدانيا وعاطفيا وبيانيا في الحديث عن معاني الفقر والإحسان والتعاطف.

لقد كانت موضوعات الكتاب من قلب الواقع تشعرك أن الرافعي لم يتخذ لنفسه برجا عاجيا يعيش فيه بمعزل عن معاناة الناس، ولم ينظر للحياة من حوله نظرة فلسفية مجردة، وإنما غرق في معايشة الواقع والإحساس بطريقته الخاصة به، فكان يشعر بعضة الجوع في أمعاء الفقير وحرارة دمعة اليتيم على خده وغليان قلب المظلوم والمقهور.

الرافعي المؤمن القوي:وبقدر ما حرص الرافعي على السمو بروحه وتغذية عقله وتعميق إيمانه بالفكر والتأمل والقراءة والعبادة، حرص كل الحرص على تقوية جسده بالرياضة البدنية منذ باكر شباب، وكانت رياضة المشي أحب رياضة إليه، ويروي العريان أنه شاهد الرافعي ينهي مشيه الذي يبدؤه بعد الفجر بمسح وجهه بقطرات الندى التي تتساقط على أوراق البرسيم، فلما سأله قال الرافعي: “إنه ينضد الوجه ويرد الشباب!” ويحدثنا أن الرافعي مارس أنواعا أخرى من الرياضة كالملاكمة وحمل الأثقال، وأنه كان يحتفظ في الغرفة التي كان فيها مكتبه “بعقلة” تتدلى من السقف، وكرات وأساطين من الحديد وأثقالا من أثقال الرياضة مسندة إلى الحائط، وكان يملك عمودا طويلا من الحديد، يعلق من طرفيه ولديه الصغيرين “سامي” و”محمد” ثم يرفعهما بيده! ومن شدة عشقه للرياضة سعى الرافعي لمعرفة أبطالها المشهورين ورفع من مكتبه صورة الرياضي الفرنسي المشهور صاندو إلى جوار صورة الإمام محمد عبده! لتمثلا أكمل ما يحتاج إليه الإنسان من قوة الجسد وقوة الروح، وكان يردد قول الرسول صلى الله عليه وسلم: “إن الله يحب المؤمن القوي” وعملا بدعوة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم تعلم الرافعي السباحة وكان يرتاد شاطئ “سيدي بشر” في الصيف مع أسرته ويلوذ بمكان آمن فيه يبعده عن أعين الرقباء، وكان أصحابه يسمون ذلك المكان “بلاج الرافعي” لا يقترب منه إلا من عرفه الرافعي وأذن له وإلا سال من عصا الرافعي الشهيرة دم رأسه!

حلم الرافعي الذي لم يتحقق:لم يكن الرافعي يقيم وزنا للاعتبارات الشكلية التي تسود المجتمع، فقد كان يتعامل مع النساء ببساطة وتلقائية ووفق مفاهيم خاصة به، شأنه في ذلك شأن كل عبقري لا يستطيع بداهة الالتزام بكل ما تعارف عليه الناس، فله عالمه الخاص وله سلوكه الخاص الذي قد ينكره عليه الغير، وعلى سبيل المثال فقد أنكر عليه الناس أن يظهر كل يوم في إعلان في إحدى الجرائد اليومية عن الفسفورين وعليه شهادة بخطه عن مزاياه، حتى ظن البعض أن الرافعي قد قبض مبلغا كبيرا لقاء ظهوره في هذا الإعلان كما يفعل الممثلون هذه الأيام، ولكن أهل الرافعي وأصحابه يؤكدون أن الرجل لم يقبض شيئا، وكل ما في الأمر أنه اشترى الفسفورين مرة فأعجب به فطلب منه صاحب الصيدلية أن يكتب رأيه فيه ففعل فاستغله في الإعلان الذي ظهر يحمل صورة الرافعي مذيلا بلقب “إمام الأدب وحجة العرب” الذي أطلقه عليه أمير البيان شكيب أرسلان.

وفاجأ الرافعي الناس مرة أخرى بشيء من هذا القبيل، حين نشرت مجلة المقتطف سنة 1928 إعلانا فيه كلمة الرافعي يشيد بفن أحد المهندسين المعماريين، وقصتها أن الرافعي استعان بهذا المهندس في وضع رسم لمنزل كان يحلم ببنائه، فأعجب الرافعي بالرسم فكتب لذلك المهندس رأيه فكانت هذه الشهادة أجرة المهندس على رسمه، فاستغلها المهندس وطبع منها آلاف الصور فكانت خير دعاية له، درت عليه أموالا طائلة.

ومات الرافعي دون أن يتحول ذلك الرسم إلى بناء حقيقي، فقد كانت موارده لا تكاد تكفي قوت عياله، فقد انصرف  رحمه الله- عن تنمية دخله المادي إلى الإضافة إلى فكر الأمة وتنمية دخله المادي إلى الإضافة إلى فكر الأمة وتنميته وإثرائه بلا حساب، ومات الرافعي الشاعر الأديب الذائع الصيت في طول العالم العربي وعرضه وراتبه لم يزد على بضعة وعشرين جنيها في الدرجة السادسة بعد خدمة ثمان وثلاثين سنة في وظائف الحكومة!