اعتادت المنظمات الحقوقية الدولية إصدار تقارير سنوية عن الوضع الحقوقي في العالم، وراهن المخزن منذ سنوات خلت على صناعة تصور يحسن به صورته القاتمة لدى هذه الهيآت العالمية. لكن أحداث 2006 عصفت بكل ما شيده من أوهام. فجاء تصريح وزير الداخلية شكيب بن موسى يستبق الأحداث ليعلن في جريدة معروفة لدى الخاص والعام بخطها التحريري أن جماعة العدل والإحسان تحمل فكرا تخريبيا. أهو تخويف للمنظمات المغربية من ذكر جرائم 2006 التي ارتكبتها في حق جماعة العدل والإحسان أجهزة وزارته؟ أهي رسالة للمنظمات الحقوقية الدولية لتقحم ضمن مكافحة الإرهاب الانتهاكات التي تعرضت لها الجماعة في مدن وقرى المغرب، وبلغ أذاها المتعاطفين مع الجماعة من أبناء وبنات الجالية المغربية بالخارج؟

ليطمئن الوزير فإن الذي حدث بالمغرب هذه السنة ضد جماعة العدل والإحسان غير مسبوق على الإطلاق. ولا معنى لتقرير حقوقي يستعرض الوضع في المغرب دون الوقوف على حجم هذه الانتهاكات الخطيرة التي عمت البلاد والعباد ولا زالت مستمرة، وعادت بالوضع إلى زمن الاختطافات والتعذيب والإهانات للكرامة الإنسانية، وهضم للحقوق، بدون أدنى مبرر قانوني، ومحاصرة جزء هام من الشعب لم يسجل في حقه أي خرق للقوانين التي وضعتها أجهزة النظام لتدبير الوضع كما تهوى.

سنة 2006 سنة تشميع البيوت وهدمها وتشريد أهلها، وسنة الاختطافات واعتقال الآلاف من الأبرياء، ومنع مجالس القرآن وذكر الله عز وجل، وسنة المحاكمات الصورية والملفات المفبركة، وسنة المضايقة في الأرزاق والطرد من الأسواق…

لقد تميزت الانتهاكات ضد الجماعة بتنوعها وامتدادها في الزمان والمكان وحجم خسائرها وأضرارها، وغياب أدنى مبرر لها. ولعل التقرير الذي أعدته الهيئة الحقوقية للجماعة، ونشرته في موقع www.aljamaa.net تحت عنوان “الحصار في حلته الجديدة” سيكون مادة دسمة لمن فاته تتبع الأحداث عن كتب، وضحايا الانتهاكات أحياء غير أموات، والشمع على أبواب البيوت واقع لا كذب، والسجناء والمتابعات أمام المحاكم شاهدة، وآثار التعذيب والجروح والكسور لازالت بادية…

إنه المحك الحقيقي أمام المشهد الحقوقي بالمغرب وخارجه. ولن تحتاج التقارير إلى نبش المقابر واستقراء ذاكرة الماضي، فالجرم طري، وسيل النزيف جار لم يتوقف بعد. فإما الوقوف على الحقائق، أو الوقوف مع المخزن في جرائمه بصمت متجاهل، أو تقزيم لأزيد من نصف سنة من الانتهاكات المخجلة المتواصلة.

ياليته سكت:

للمرة الثانية يصرح الوزير تصريحا مفرنسا يتلوه على لسان حال المخزن: يا ليته سكت. فقد أكد في تصريح سابق لوكالة الأنباء الفرنسية أن جماعة العدل والإحسان بتكثيفها لأنشطتها تكون قد خرجت من دائرة الشرعية. وهو تصريح لا يستقيم شرعا ولا منطقا ولا قانونا ولا لغة…

فما مصير المهازل التي بذر المخزن من أجلها أموال الشعب من مؤسسات صورية كوزارة حقوق الإنسان التي انمحت من الخريطة الحكومية وتبعثرت أوراقها، والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وديوان المظالم، وهيئة المصالحة والإنصاف…وهي خطوات وظف فيها بعض خصوم الأمس الذين تغيرت جذريا مواقفهم من النظام، لتنضاف إلى تجربته العريقة في شراء الذمم، واحتواء المعارضين… واتخذ من عمل بعض اليساريين في هذه المؤسسات، ومن تصريحات من أتخموا من مال الشعب شهادة على طي صفحات الماضي وتحسن الوضع الحقوقي بالبلاد.

أما الواقع فسنة 2006 خير شاهد عليه.

وفي إطار السعي لإخفاء أثر الانتهاكات الجسيمة، يتم نبش ملفات مفبركة، وتلفيق التهم، وتحريك المتابعات، ولعل في اعتقال عضو الجماعة السيد عمر محب بفاس، دليلا واضحا على فشل المخزن في مسعاه.

أما طلبة وجدة الإثنا عشر الذين رج بهم في سجن قضوا فيه لحد الآن 15 سنة، في غياب شروط المحاكمة العادلة، وغياب أية إدانة، فلم يستفيدوا من السراح الذي استفاد منه سجناء الحق العام، خاصة السراح المبني على الشهادات الجامعية المحصل عليها وجلهم دكاترة، وحفظة القرآن الكريم…، ولم يفرج عنهم كما أفرج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي ومن تم إقحامهم في هذا التصنيف في إطار توافقات مخزنية…

فيا أيها الحقوقيون، أين تصنفون سجناء العدل والإحسان؟ لقد اتضح بجلاء من خلال التعامل مع ملف طلبة وجدة أن بعض الجمعيات اليسارية المغربية لم تستطع الخروج من ذاتيتها، ومن الفخ الذي وضعه المخزن للفرقاء السياسيين. وهي مواقف تسجل للتاريخ، ويعلم المتتبعون النزهاء أنها مجرد مساومة للجماعة، ومحاولة تشويه سمعة أبنائها، وإثارة نزاعات بين اليساريين وجماعة العدل والإحسان، وفتح المجال لتقارير وتصريحات حقوقية يتم توريطها في هذا الكدر، لإبراز ذاتية إيديولوجية يبنى عليها الصراع فتختلط الأوراق.

ومهما يكن فإنه لا معني ولا فائدة من تقرير حقوقي لا يضع في جوهره الأحداث التي تعرضت، ولا زالت تتعرض لها الجماعة.

لقد عرف المغرب هذه السنة انتهاكات متنوعة لحقوق الإنسان ، حاول المشهد الحقوقي مواكبة بعضها وإصدار بيانات بشأنها، وتنظيم وقفات تضامنية مع ضحاياها، كما آزر ضحايا الانتهاكات خارج المغرب في فلسطين ولبنان والعراق، والقضاء المصري…ولم يسلم من الاعتداء والتعسف نشطاء المشهد الحقوقي أنفسهم. كما أصدرت بعض الجمعيات بيانات في موضوع الانتهاكات التي تعرضت لها الجماعة… لكن ظروف الاستبداد الحالي، وخصوصيات الجماعة باعتبارها جماعة إسلامية ذات مواقف سياسية واضحة، يحد من سقف التضامن معها، ويضع مختلف الفاعلين السياسيين والحقوقيين والإعلاميين ومختلف النخب في محك صعب، خاصة منهم من يدعون أن المغرب يعيش عهدا جديدا، وأن ظلم الماضي قد ولى.