لماذا هذه الحملة المسعورة على أهل العدل والإحسان، مدرسة نبذ العنف والحكمة العقلية والرحمة القلبية؟

لماذا يمنع أئمة المساجد وخطباء الجمعة من مهامهم “بجرم انتمائهم” إلى جماعة العدل والإحسان؟

وما هي أهداف النظام المخزني؛ وأين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ووزيرها المتدين ذو المرجعية الصوفية؟

هل من سبيل لفهم سياسة المخزن المتناقضة في تدبير الشأن الديني في غياب فهم دقيق لخلفيات القائمين عليه ومنهم السيد الوزير؟ أسئلة تبدو بسيطة والإجابات تبدو أبسط لكن البحث العميق والمتأني يكشف حجم الأزمة وعمق المشكلة فما توقيف العلماء ومحاكمة الخطباء إلا الشجرة التي تخفي الأكمة كما يقال، فالمخزن في شخص وزارة الأوقاف التي اختارت- أن تكون مخزنية أكثر من المخزن نفسه – ينطلق من تصور للدين قد يستعصي في فهمه حتى على المقربين من دواليب السلطة لذا نحاول من خلال قراءة في آراء الأستاذ أحمد توفيق إلقاء الضوء على بعض من جوانب الأزمة.

فالرجوع إلى مضامين كلمة السيد الوزير التي ألقاها أمام ملك المغرب في إطار سلسلة الدروس الرمضانية الأخيرة والتي نشرتها جريدة الاٍتحاد الاٍشتراكي المغربية(1) قد يمهد لنا الطريق لإدراك أبعاد وخلفيات توقيف علمائنا الأجلاء، حملة كتاب الله، حيث المتأمل فيها، من غير عناء، لا شك يطرح التساؤلات الآتية:

– أهو توجه جديد للملكية بالمغرب على غرار الملكيات الأوربية الشرفية؟

– أم هي ثورة صامتة على الملكية من خلال إقحام النظام الملكي المرتكز على الشرعية الدينية في النظام الديمقراطي ؟

– أم هي ثورة هادئة مؤدلجة وانقلاب حداثي لائكي على الدين نفسه من خلال تقزيمه وجعله مجرد مكون من مكونات النظام الديمقراطي ؟

يقصد السيد الوزير من درسه، تصريحا، تقديم قراءة لمفهوم “الوسطية والاعتدال”، في سياق الشأن الإنساني عامة، والشأن الإسلامي خاصة. فكانت خلاصة الوسطية والاعتدال في السياق الأول النظام الديمقراطي. وكانت خلاصته في السياق الثاني أن يتحرر المسلمون من ذهنية الجمود اللفظي فيقبلوا أن يصير إسلامهم إيديولوجية (2) قابعة فاعلة في صرح هذا “البناء العظيم” حيث يقول: ” بل إن الذي ينبغي التبشير به هو إمكانية تدخل قيم الإسلام في إغناء النظام الديمقراطي بعد الأخذ به بجميع مقتضياته.”

يمكن الاتفاق مع السيد الوزير في كثير من تساؤلاته، خاصة تلك التي تدعو لإعادة النظر في قراءتنا لتاريخ المسلمين وما خلفه من ثقل حمل وتبعات، وتلك التي تلقي الضوء على ما ينتظرنا من تحديات على مستوى التعامل والتفاعل مع الحضارة الغربية وتفوقها، والأخرى الداعية لفهم شمولي للقرآن الكريم وللاعتبار بما يظهره الله في المسيرة الإنسانية، وكذا التي تحث المسلمين على أن يجدوا لهم موقعا داخل حلبة التدافع عوض سبحهم في دائرة الأحلام والاٍدعاء بالصلاح وهم على هامش “حيوية” التاريخ.

نلتقي مع السيد الوزير في طرح هذه الأسئلة وثمة نفترق، إذ أن معالجته لهاته القضايا نراها خارج دائرة ما تقتضيه شريعة الإسلام وروحه.

مقدمة مقال السيد الوزيرابتدأ السيد الوزير المحترم مقاله مفتتحا:

“الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه الأكرمين. مولاي أمير المؤمنين: في خضم ما يعانيه المسلمون من تبعات تاريخهم السياسي والفكري… تحير الناس في تشخيص جوانب الخلل السياسي في حياة الأمة وفي تحديد أسبابها هل هي في فهمها للدين وممارسته، أم هي نتيجة عوامل أخرى قد تكون طارئة أو مفروضة عليها من الخارج”.

ونحن معه إن كان المقصود من كلمة “التبعات” تسلط الملوك على الأمة وسطوتهم على الحكم وقلب النظام الشوري إلى آخر ملكي، يورث فيه الملك كما تورث الإبل؟ إن كان المقصود إغواء بعض العلماء ليكرسوا نظام الحكم القائم؟ ويرهب البعض الآخر ويجبر على التخصص في فقه دم الحيض والنفاس والتيمم، والويل لمن سولت له نفسه أن يتحدث عن الحكم ومقتضياته والبيعة وشروطها، حتى غدا فقهنا جامدا منغلقا؟

تساءل السيد الوزير عما إذا كانت ثمة عوامل أخرى طارئة!!!؟ أو ليس الطارئ امتدادا لماض عريق؟ الطارئ تلاعب علماء البلاط بعقول الرعية، وتواطئ وتعتيم ثقافي وقلب للحقائق وتجهيل… حتى أضحى الناس يرون صور ملوكهم على القمر. الطارئ الذي يتحدث عنه السيد الوزير، عمره الآن أربعة عشر قرنا، الطارئ سطو على الحكم وقتل للنظام الشوري، الذي اختزله وزيرنا في “مبدإ” أراده أن يكون جارية في قصر النظام الديمقراطي، الطارئ طاعة الشعب الإجبارية للحاكم، طاعة الذين تورطت أيديهم في سفك دماء العلماء الأجلاء. قتل يزيد السفاك سيدنا الحسين رضي الله عنه، وعلماء القصور حفاظا على القصور، يتحدثون عن مناقب يزيد. من هنا وجب البدء والتحليل، وإلا ففي النتائج نخوض لا في الأسباب.

كانت هذه مقدمة السيد الوزير وافتتاحيته، بسطناها بعض الشيء لنحدد مسار التساؤلات. وقفنا مع القارئ لنلقي الضوء على مواقع اللقاء وقبل العودة لإبراز زوايا الاختلاف التي نرى مصدرها انحرافا عن جادة الضوابط الفكرية ذات المرجعية الدينية، أود أن أقف هنيهة على ظاهرة دهرنة(3) الإسلام، مصدر خلفية توقيف العلماء، في كلمة السيد الوزير حيث يقول: “وقد وضع الإسلام إيديولوجية لضمان الاعتدال في سلوك الجماعة…. سماها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.” دهرية هاته فاقت اللائكية لإخراج واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من دائرة العبادة لدائرة المصلحة الدنيوية المحضة. كارثة عظمى تحل بالأمة حينما يتحدث الفقهاء، اقتداء بالسيد الوزير المؤطر، من على المنبر بـ:

إيديولوجية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لضمان الاعتدال….

طكتيك الدعوة للإقلاع الاقتصادي….

استراتيجية الأخلاق من أجل التنمية الشاملة….

ميكانيزمات القرآن الكريم السوسيو-اقتصادية….

هكذا يراد لعلمائنا، عافاهم الله، أن يكونوا في منظومة أفكار وزيرنا المتحضر، أبواقا للدهرنة والأليكة، واقبع يا ملتح في مسجدك.

حديث عن الخلافةيقول السيد الوزير بلسان غيره متبنيا:

“أما شكل الحكم الذي تتحقق به هذه الأهداف فيقول عنه مؤلف كتاب دولة القرآن منذ خمسين عاما:

>

للمقولة مخالب وجب الوقوف عندها طويلا لنتأمل ما تروم فعله في جسم الخلافة من جروح وشروخ بل من نفي وإقبار. تحيي هذه المقولة من جديد الصراع بين الخلافة والملك، إن لم نقل تذكي ناره. خاصة حينما يوظفها رجل ملكي. ولا يقبل الملوك أن تحدثهم عن الخلافة، نظرا لما يرون في نظامها الشوري من نزع لإرثهم. فلا عجب إذن أن ينسلخ العالم عن بعض مبادئه- إن لم تكن كلها  لينقلب سيفا على الخلافة ومبادئها.

طرحت مسألة الخليفة والأمانة في سياق البعد الفردي لسير الإنسان، ليعطاها مفهوما مقزما محصورا في تزكية النفس، كاثوليكية جديدة، دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر واهتم بخويصة نفسك.

يصف وزيرنا على لسان صاحبه إيمان المرء بعودة الخلافة، وباعتبار قيامها بين المسلمين فريضة لا محيص عنها ولا حياة بدونها، بالوهم الموروث الذي كبر في الصدور حتى أضحى طمسا للحقائق. ثم يطرح مسألة الهيكلة الخاضعة للتحول ليفنّد من خلالها نظام الخلافة ومبادئها. وما عسى الحكم الإسلامي يكون، إن لم يناد بعودة الخلافة بنظامها المتمثل في الشورى ومبادئها المتعددة الشاملة لجميع شؤون الحياة من اقتصاد واجتماع وسياسة. أما الهيكلة فلا يخفى على عاقل أنها متوقفة على ما يتوفر عليه الحكم من وسائل وطرق، فهي خاضعة لمبدإ التحول، وقادرة على استيعاب ما للحضارات القائمة من إيجابيات، يقول الله عز وجل: “تلك القرى منها قائم وحصيد” نستفيد من القائم منها ونذر الحصيد للحضيض.

تعارض نراه مهولا قاصما ظهر الآية الواعدة بالاستخلاف في الأرض، حيث يقول الذي لا يخلف الوعد سبحانه: “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا”.

– الوعد إلهي خلافة في الأرض،

– النموذج على شاكلة خلافة الذين من قبلنا  خلافة الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام-،

– المغزى التمكين لدين الله الذي ارتضى لعباده، لا نظام وزيرنا الديمقراطي،

– الصوى والمعالم أمن بعد الخوف.

تعارض نراه مقصيا شامتا بالبشارة المحمدية المحقّبة للتاريخ الخاتمة له بالخلافة النبوية. لا أظن المتأمل في واقع المسلمين اليوم إلا يدرك أن الغد للإسلام؛ تحرّك جهادا المؤمنون في لبنان  وحد الله شيعة المسلمين وسنتهم فتضامن المسلمون في العالم كله مع إخوتهم هناك غير آبهين بل مستهترين بعصبية المذاهب الجاهلية. التئام وتوحد ينبئ بثورة الإيمان وانتفاضته في قلوب مؤمنة، ولعمري هو الشرط الأول الموجب لنصر الله ولهو الباعث على العمل الصالح خاتمة الشروط. يقظة إيمانية بزغ نجمها وعمل صالح نرى معالمه في مؤازرة الشعوب لأبناء الحركات الإسلامية واستجابتها لها. وفي المقابل خوف ورعب تقوده قوى الاستكبار وتبثه في بلدان المسلمين وأبنائهم وأجسادهم. “وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا”، من يبدل خوفنا أمنا غير السعي الجاد، تربية للأمة، واستكمالا لشروط النصر عوض الارتماء في أحضان حضارة رمز للرعب والإرهاب.

بعد نقض مفهوم الخلافة عاد وزيرنا ليؤسس لمفهوم الحكومة، ولكي يعطيه البعد الأبلغ في نفس القارئ أفرغ مفهوم الأمة من مضمونه بحيث جعلها والدولة سواء، حيث يقول: “…. أن لا تقوم دولة ولا تنهض أمة إلا بحكومة عادلة ونظام محكم” الخاصية الوطنية لمفهوم كلمة حكومة تشمل مفهوم الأمة فإذا بالمسلمين أمم وحكومات وأنظمة مشتتة. أخيرا يضع أصبعه على ضالته التي يريدها، تلميحا وإشارة فيقول: “… أن يطبقوا روح هذه الكلية بالصور التي يرتضونها والاسم الذي يحبونه..” معنى ذلك أنه لا مانع أن نسميها ديمقراطية، ليبرالية أو ما إلى ذلك من الأسماء التي تلائم “التطور الملائم للتقدم البشري، المتسق مع معارف الزمان والمكان وسنن العرف والعادة” ودعونا من مصطلحات عفى عليها الزمان من خلافة وما شابهها… فكل ذلك وهم وتخلف وخلل في الفهم وطمس للحقائق.

النظام الديمقراطي المقترحيقول السيد الوزير:

“ولكن الملاحظة القوية التي يتوجب إبداؤها هنا، والتي إذا استحضرها المسلمون سهُل عليهم التعاملُ مع التاريخ الكوني، ملاحظةٌ تتعلق بكون تدافع الجماعات من أجل إجراء سنة الله في تجنيب الأرض الفساد، تدافعا جرى معظمه خارج تاريخ المسلمين، وجرى بوتيرة متسارعة في القرون الأربعة الأخيرة، فأثمر تقدما ماديا ارتبط به تقدم فكري وصاحبه تقدم سياسي واجتماعي يُلخصه اليوم نظام الديمقراطية.”

ثم يتبع قائلا: “واعتبارا لكون هذا النظام -النظام الديمقراطي- نتيجةَ سُنَّة كونية قررها ربُّ الناس ربُّ العالمين في المدافعة بين الحق والباطل، يسهُل على المتشككين التخلص من عدد من العقد الفكرية والنفسية من أجل الأخذ الجدي الصادق به  أي النظام الديمقراطي -، لمصلحة الأمة….”

يطالبنا الكاتب أن نتخلص من عقدنا النفسية والعقلية من أجل الأخذ الجدي الصادق بالنظام الديمقراطي. أتساءل في البدء عن سبب وصف الصراع بأنه صراع بين الحق والباطل؟ ألكي يعطي المولود الذي تمخض عنه شرعية دينية أو مشروعية تاريخية؟ الصراع هناك كان بين باطل وباطل، باطل مستكبرين وباطل مستضعفين تكتلوا، فكان الأولى أن يصف الصراع بأنه صراع مستضعفين ومستكبرين وكفى. هذا إن كنا نعتقد أن الإسلام هو الحق وما بعده الباطل، أما إن كان في الأمر رأي آخر ففي النسبية نقع. ومن أجل التوضيح أكثر يستشهد السيد الوزير بـ”الحرب العالمية الثانية”، والتي نتحفظ على وصفها بالعالمية، فيقول: “وكمثال لتوضيح التدافع على المستوى العالمي الشامل، نذكر ما وقع في الحرب العالمية الثانية في القرن العشرين، فقد أشعلها معسكر على أساس فكرة التفوق التي لو أنها انتصرت لأفسدت الأرض، بمعنى لعطلت مبدأ القسط والاعتدال في ميزان القيم كلها” والمعسكر الذي تغلب في الحرب رفع شعار العالم الحر غيرة على قيم يدبرها بالأسلوب الديمقراطي.” يطرح الأستاذ أن المعسكر المتفوق لو أنه انتصر لفسدت الأرض، ومعنى الفساد، يعرفه كاتبنا أنه تعطيل مبدإ القسط والاعتدال. نفهم إذن، أن بعد الحرب العالمية الثانية حافظ المنتصرون على مبدإ القسط والاعتدال بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك فلقد رفعوا شعار “العالم الحر” غيرة على القيم!!!.

رفع شعار “العالم الحر” فاحتلت فلسطين وأقحم اليهود أحفاد القردة والخنازير في البلاد المسلمة ونهبت خيرات أراضي البلدان الإسلامية. ثبّت المنتصرون مبدأ القسط والاعتدال فكانت سياسة التجويع في هذا السياق تسير، جوّع أهل الجنوب، وأترف أهل الشمال، والخير كله يرجع لمن “يديرها بالأسلوب الديمقراطي”.

ملاحظات على الديمقراطية:الديمقراطية كنظام حياة وفلسفة حياة تلخصها كلمة محاربة الظلم والاستبداد. والظلم والاستبداد يتمثلان في حكم المطلق. سواء أكان هذا المطلق فردا أوتوقراطيا ديكتاتوريا أو كان نصوصا دينية مطلقة تمنع العقل من الانطلاق ولا تسمح له أن يحوم إلا في حمى نصوصها.

فشرع الله سبحانه  وأستغفر الله من شر الأسطر الآتية  الذي جاء به الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام، هو قمة الظلم والاستبداد، إذ يستند إلى نصوص مطلقة ويجعل العقل الإله المدبر عندهم، مجرد عبد مأمور خادم للوحي تابع لتعليماته عندنا. لا تسمح الديمقراطية الفلسفة أن يسحب البساط من تحت أرجل العقل الرب العظيم، ورغم ذلك يصر وزيرنا على مطالبة الديمقراطية، وعبثا يحاول، بأن تبقي أفق الغيب مفتوحا ثم يعزز قوله بقول روني كينو الذي تكلم متأسفا عن مجتمع يتجرأ على الدين ولا يقيم له وزنا، كما يستند إلى كلام طوكفيل الذي كتب عن الديمقراطية في أمريكا في أواسط القرن التاسع عشر والذي يصرح أن النظام الديمقراطي سيختنق إذ لم تصاحبه مشاعر الدين.

لا تسمح الديمقراطية الفلسفة اٍلا بالعقلانية المطلقة، فحينما يتكلم عن وسائل الديمقراطية فليس القصد بالضمن النظام الديمقراطي، هذا التلبيس أبدعته النخبة المغربة في بلداننا الإسلامية كي لا تصطدم مع شعوبها. لكن أهل الديمقراطية في الغرب الأمر محسوم عندهم ولا لبس فيه. الديمقراطية لا للدين على مستوى الحكم والحياة.

يتمنى السيد الوزير أن تسمح الديمقراطية بإبقاء باب الغيب مفتوحا ويستدل بمجموعة من الكتاب تؤلمهم هذه الظاهرة، ظاهرة إقصاء الدين والتي ما كانت يوما ظاهرة بل هي أصل ومبدأ. والرأي عندي أن ما يطالب به وزيرنا الديمقراطية هو الجنون بعينه، إذ لو حذفت خاصية محاربة المطلق من تصورها لما بقي لها معنى. يقول أن هذا التقدم المادي والتقدم الفكري والسياسي والاجتماعي الذي عرفه الغرب، والذي تلخصه كلمة النظام الديمقراطي كان خلال القرون الأربعة الأخيرة. تم يضيف أن الذي ينبغي التبشير به هو إمكانية تدخل القيم الإسلامية في إغناء النظام الديمقراطي بعد الأخذ به بجميع مقتضياته.

كيف يقبل المسلمون أن يصبح إسلامهم، وهو نظام حياة وضعه رب العالمين، مجرد متدخل لإغناء النظام الديمقراطي. الأجدر أن يقال أن الإسلام قد يستفيد من بعض الوسائل المعتمدة في الحقل السياسي والاٍجتماعي وكفى. أما أن يصبح النظام الديمقراطي هو الأصل، والإسلام مجرد متدخل ببعض الاقتراحات فهذه قمة الانهزامية. ثم إن النظام الديمقراطي الذي طرح كنموذج والذي عبر عليه الأستاذ بأنه نشط بقوة خلال القرون الأربعة الأخيرة، هو نظام ما بعد القطيعة الابستمولوجية، والكلمة تعني عند الغرب انقطاع شعوب أوربا عن الكنيسة، واعتماد الفكر الحر البشري، الذي كانت تضطهده وتقاتله هذه الأخيرة، مصدرا للمعرفة. يلتقي كلام الأستاذ مع رغبة المغربين في البلدان الإسلامية دعاة “الانقطاع الابستمولوجي” في الفصل بيننا وبين القرآن والإيمان والنبوة نهائيا، وذلك هو الشرط الأول والأخير لنهضة عربية في زعمهم. ماثلا في العقول والضمائر عندهم تاريخ أوربا، فلا يتصورون سبيلا للخلاص إلا بمحاكاة الغرب في تخلصه من طوق الكنيسة.

كان هذا تحليلا مقتضبا لكلمة السيد الوزير وهي خلاصة لمشروعه الوزاري، نطرحه أمام القارئ ونحيله عليه ليعلم الخلفيات الفكرية والسياسية وراء توقيف العلماء وعلاقتها بالنظام المخزني.

———————-

(1) عدد مزدوج رقم 8366.

(2) انظر كيف عبّر الكاتب عن فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: “وقد وضع الإسلام إيديولوجية… سماها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

(3) دهرنة/ دهرية Sécularisation/Sécularisme =.