كان مرشد جماعة العدل والإحسان لا يزال قابعا تحت الحصار عندما أطلق، في كتبه الحوارية مع الفضلاء الديمقراطيين، مشروع الاجتماع على أرضية ميثاق إسلامي. ثم أفرد للمشروع صفحات عدة في معظم كتبه اللاحقة. لكن مشروعه التوحيدي قوبل بالصمت من باقي الأطراف إن لم يكن الرفض، وبالمقابل ظلت جماعة العدل والإحسان ترفع شعار الميثاق في بياناتها؛ وضمن أهدافها، وكان آخرها نداء “حلف الإخاء” الذي أعلنه ذ. عبد الواحد المتوكل، الأمين العام للدائرة السياسية، في العاشر من دجنبر 2006.

نقف في هذه المقالة لنسأل بوضوح لماذا لم يخفت هذا المطلب الوحدوي في خطاب “العدل والإحسان”؟ ولماذا لم تتقدم خطوات في عرض مبادئه على الناس، وهي من تؤكد وتعيد أن بنوده يجب أن تكون تحت أعين الشعب ومشاركته؟

فلماذا استمرارية هذا الصمت، ولماذا لم تشرع الجماعة في تنزيله نظرا ونقاشا في ظروف الواقع الحالي؟ ولماذا لم تستنفر كل قواها من أجل دفع جميع القوى للانخراط فيما تحسبه أمرا مصيريا لمستقبل البلاد؟ أم أن عرض الميثاق يستلزم ظروفا معينة؟

ما معنى الميثاقدعونا في كتاب “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” إلى ميثاق إسلامي يدخل فيه الصادقون اقتناعا لأن الإسلام هو الجامع لا الوهم التاريخي المبثوث الذي يحاول الحكام أن يجعلوا منه المقدس الأعظم. ما فهمني كثير يعيشون الفترة الراهنة منغمسين في الهموم السياسية للساعة، من قبيل التداول على السلطة، وتقوية معارضة برلمانية، والتنديد بالتزييف الانتخابي، والمطالبة بمراجعة الدستور.

لا ينظر المنغمسون إلى ما بعد غد، ولا يتوقعون. لذلك تفوتهم فرصة بناء جسور مع المستقبل. أستغفر الله، بل يفوتهم اتخاذ عهد مع الله. لذلك يأنفون وتأخذهم الحمية أن ذَكرتُ توبة تجمعنا وإياهم على كلمة سواء. بل رفض بعض كتبتهم رفضا واضحا اللقاء مع أي كان على أرضية إسلامية. نلتقي إذا على ماذا؟ ويجمعنا ماذا؟”(1) يبدو من خلال هذه الفقرة أن مرشد تنظيم “العدل والإحسان” لا يقر بإمكانية تحول البنية المخزنية إلى ما هو أفضل، كما أن أدبيات العدل والإحسان المتأخرة لا تقيم تمايزا بين “العهد القديم” و”العهد الجديد”، وطي صفحات الماضي أبعد من أن يقوم بأشواطها نسق مخزني لا يهتم إلا بتجميل المتغيرات مع الحفاظ على ثوابته التاريخية كمقدسات عظمى في حياة المغاربة، لذلك جاء النداء دعوة إلى كل الصادقين “للاضطلاع بمشروع الإصلاح المنشود، وللتأسيس لنظام حكم راشد يحوز رضا الله ورضا الناس، ويأمن في ظله الجميع”.

إن الفارق الأساس بين جماعة العدل والإحسان وباقي المكونات السياسية أن سقفها أعلى بكثير من سقفهم، وأنها حركة مجتمعية أوسع بكثير من مجرد حزب سياسي، وأنها ترفد مشروعا مجتمعيا لا يقارن البتة ببرامج مطلبية تسعى للحفاظ على ثوابت النسق السياسي الحالي والاكتفاء بلعب أدوار صغرى في وعلى الهامش.

إن جماعة العدل والإحسان تحاول إعادة صياغة إجماع آخر للمغاربة ضمن مشروع وحدوي يعد الإسلام أرضيته وبساطه، وبذلك يمكن تعريف الميثاق بأنه “المرجعية العليا للشعب قيما وقانونا، واختيارا في كيفية تنظيم مؤسسات الدولة والمجتمع”.

لا شك أن الميثاق الإسلامي، أو الوطني، يسعى أن يكون الاختلاف من داخله دون أن ينفي إمكانية معارضته من خارج نسقه، لمن لا يرتضي بالإسلام أرضية للإجماع. وحتى يتحقق نوع من الوحدة في التصور وجب إشراك الجميع في صياغة مبادئه وهو ما يلح عليه مرشد العدل والإحسان، وهذا يستوجب انخراط جميع القوى في هذا النقاش.

في الظروف الراهنة لا استعداد للأطراف السياسية لنقاش من هذا النوع، لأنها تظن استحالة حدوث تحولات عميقة وممكنة في البناء المخزني التاريخي، ويظنون أن الرهان على مثل هذا التحول إنما سيكون حلما لا يبقي في أيديهم لا الحاضر ولا المستقبل. لذا وجب الانتباه أن الفر قاء السياسيين لن ينخرطوا في مثل هذا المشروع إلا بعد بداية حصول تغير نوعي، وتحول مفصلي في المسار التاريخي للمغاربة.

إذا حصل هذا التحول فأكيد أن التنظيمات السياسية ستغير من استراتيجيتها، وستقبل بالجلوس على مائدة الحوار من أجل صياغة ميثاق ينظم الحياة السياسية، ويبعد عنها شبح الفوضى والحرب الفصائلية، ويكون هذا النوع من الميثاق مقدمة أولية لسابقه، وأهم ما يميزه أنه توافق مكونات عكس الأول الذي يعد إجماع شعب. ويمكن تعريف ميثاق هذه المرحلة بأنه ميثاق فصائلي “يهتم بكيفية إدارة الأزمة بين فرقاء تتعدد تلاوينهم الفكرية والسياسية والاجتماعية، في مرحلة انتقالية تكون أبوابها مشرعة على حياة سياسية سليمة أو على الفوضى”.

الملاحظ أن الجامع بين التعريفين للميثاق  في مرحلتيه الأولى والثانية- اشتراكهما في فتح الفكر والنقاش على أوراش كبرى من أهمها: الدستور، والمجلس التأسيسي للدستور، وسؤال الانتخابات، والسلطة المشرفة عليها، وثروات البلاد وكيفية توزيعها… وهذه كلها أوراش يستحيل فتح نقاش جدي حولها ضمن الشروط القائمة، ولا يمكن الاقتراب منها إلا في مرحلة انتقالية بمعنى الكلمة.

أشكال حصول التحول الانتقالينشطت في العالم الغربي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وسقوط جدار برلين، وتحول دول أوربا الشرقية من النمط الاشتراكي الاستبدادي إلى النمط الليبرالي الديمقراطي، الدراسات حول تلك المراحل الانتقالية. ولم تكن التحولات بطبيعة الحال في تلك الدول تسير بوتيرة واحدة، فلكل قطر خصوصياته، لكن الجامع بينهما أن المنطلق كان واحدا، والمجتمع المنشود كان واحدا أيضا. لقد نشطت الدراسات عندها من أجل تيسير سبل التحول، وتجاوز أخطار المرحلة الانتقالية حتى استقلت بعلم خاص بها سمي “علم المرحلة الانتقالية” “la Transitologie”.

“يشكل النظام الشمولي، وضرورة تغييره، نقطة الانطلاق في كل دراسات علوم المرحلة الانتقالية”(2)، وبالتأكيد فإن الحديث هنا عن المرحلة الانتقالية لا تعني العمليات الترميمية لنظام ما، بقدر ما تعني تحولا مفصليا في مساره، وتغييرا جذريا في بنيته، وضمورا هاما في السلطة الاستبدادية مع انتقال نوعي للسيادة إلى الشعب. وكل هذه التحولات شهدتها أروبا الشرقية، وبعض النظم في القارة الإفريقية، والغريب أن العالم العربي ظل بعيدا عنها، مع محاولة النخب صناعة وهم حصول التحول لدى الرأي العام.

تتمايز وتتنوع أشكال التحول من دولة إلى أخرى، ويمكن رصد بعض مناهج التغيير، التي قد يطرح فيها مسألة صياغة ميثاق بين الفرقاء لتنظيم الحياة السياسية على قواعد جديدة، في الآتي:

– تحول واضح في توجه السلطة الاستبدادية نحو ديمقراطية حقيقية، وسعيها لتصبح طليعة تغيير نوعي في مسار الممارسة السياسية، وتكون مقدمة ذلك تبني نمط تعددية سياسية لا علاقة لها بمفهوم التعددية الحزبية، وتحصل تحولات في هذا المسار ببطء، ولكن بفاعلية ودونما مفاجآت قاتلة (نموذج الجزائر بعد انتفاضات 1988 وقبل انقلاب 1992).

– امتلاك السلطة عبر الموجة الشعبية العارمة، حيث تمنح المشروعية الثورية أصحابها شرعية صياغة ميثاق تحت قبول شعبي منقطع النظير (نموذج الثورتان الفرنسية والإيرانية).

– حدوث انقلاب عسكري، وسعي القوى الحزبية المدنية لصياغة ميثاق يحدد كيفية التوافق بين أطراف المجتمع أفقيا، والتوافق مع قيادات العسكر عموديا (نموذج انقلاب الإنقاذ السودانية).

– تدخل قوى عسكرية في بلد ما، وما يستتبع ذلك من إقبار كل تجاربه السابقة، وتختلف القوى المدنية عندها في صياغة ميثاق مقاومة أو ميثاق تدبير سياسي في ظل الاحتلال (نموذج العراق).

– وفاة الحاكم في قطر ما بشكل فجائي، وانفتاح الأبواب مشرعة على الاقتتال الداخلي بين أجنحة الحكم، وتتداخل الأمور لتنفتح على إحدى السيناريوهات السابقة.

من الملاحظ أن أساليب التغيير تتعدد، ولسنا بصدد التعريف لأي منها تنتصر جماعة العدل والإحسان، بقدر ما نود أن نشير إلى أن تنزيل الميثاق بين الفرقاء السياسيين وجماعات الضغط يكون مظروفا بظروفه. نعم، هناك الثوابت، وهناك أيضا ما ينسجم مع طبيعة تحول بعينه.

الميثاق صيغة تجميع شتات المجتمع على أسس متينةدرج كل مثقف وسياسي، سواء كان في موقع السلطة أو المعارضة، التغني بالديمقراطية واعتبار نفسه المتماهي معها بالشكل الجلي والواضح، وما زال المفهوم يُتغنى به ويُكرر في كل بيان وموقف حتى صار شبه مقدس يتوعد كل مستوضح حوله إلى متهم بأبشع التهم، والأخطر ما في الأمر استعمال اللفظ بشكل ممطط أفقده كل معنى، وصيره أقرب إلى “مغالطة الابتذال” الذي نعني به: “استعمال اللفظ بما يجعل معناه يتوسع إلى الحد الذي يفقد معه الخصائص الدلالية التي يتميز بها”(3).

إن لفظ