حقا، لقد كان من رحمة الله بالناس، ومن آيات توفيقه أن رفض أولئك الأبرار دنيا السلطان والملك، ووقفوا على منابر من نور الحق يرسلون كلماتهم هذه، ويتخذون مواقفهم تلك.

لقد كانوا مرافئ العافية للإيمان وللمؤمنين .. وكانوا الصورة المشرقة والمشرفة للدين.

وكانوا بنبذهم الدنيا، وبشجاعتهم في الحق، وبولائهم المطلق لله وكلماته، إنما يجددون باستمرار لفضائل الروح شبابها، ويفيئون على الشخصية الإنسانية على اختلاف دينها كل التماسك والصلابة والأمل..

وقبل هذا كله، كانوا إعلانا صادقا وبرهانا وثيقا على أن القوة الحقة .. القوة الغالبة المنتصرة هي “قوة الروح”، لا قوة العضلات، ولا قوة المنصب، أو المال، أو الجاه.

ثم إن “أهل الله” في موقفهم هذا، لم يعدموا التجربة التي تزيدهم تصميما على موقفهم، فقد قبل بعضهم الولاية راجيا أن ينقل إليها بعض فضائل القوم وورعهم .. فما كانت تنقضي شهور، وربما أيام حتى يفر بدينه!!

هذا “هرم بن حيان” يقبل العمل كأمير لإحدى الولايات .. فكان أول ما ملأ نفسه غثيانا وجزعا، ذلك الملق الذي أحاط به صغار النفوس وما أكثرهم!!  ولكنه تصرف بسرعة .. فذات يوم علم أن بعض الوفود قادمة لزيارته، فنهض وأوقد نارا عظيمة أمام داره، وأخذ كلما خبت زادها قوة!!

وجاء الوفد .. ووقفوا من وراء الناس يحيونه .. وهو يبتسم لهم ساخرا ويقول: مرحبا .. اقتربوا ..

قالوا: ما نستطيع من النار .. إنها تحول بيننا وبينك.

وهنا ناداهم بصوت جهير:

– “إنكم تريدون أن تقذفوا بي في نار أشد من هذه وأعظم .. نار جهنم”!!

وأدركوا ما يريد، ورجعوا بسلام ..

ومضت أيام، وهو يظن أنه سيصبح قادرا على تحقيق بعض ما يريد ..

ثم جاء يوم غضب فيه على رجل لأمر يستدعي الغضب، فقام إليه وضربه .. ثم لم يلبث أن أخذه ندم قاتل .. وصاح فيمن حوله:

“لا جزاكم الله خيرا، إذ لم تنصحوني

ولم تردوني عن غضبي ..

والله لا ألي لكم عملا”!!

ثم ترك الولاية من فوره ..

إنهم إذن مهما يحاولوا لا يستطيعوا أن يحيوا إلا في مناخ آخر، خلق لهم وخلقوا له.

ومع هذا، فهل يحسب أن في موقفهم ذاك أدنى قدر من السلبية؟

هيهات أن يصح ذلك، ثم هيهات ..

فأولئك الذين استعلوا على مناصب يتهافت عليها الناس ويتهالكون لم يكن يفزع الخلفاء والسلاطين خطر مثلما تفزعهم أصواتهم الجهيرة تزجرهم عن الظلم وتحقر كل ما معهم من قوة باطشة وجاه عريض ..

لقد كانت مواعظهم اللافحة تدق قلوبهم بعنف، وتقرع أسماعهم في دوام.. لا مجاملة ولا مصانعة!!

ومن خلال مواعظهم تلك، نقف على خط من فلسفتهم وأفكارهم حول وظيفة الحكم وواجبات الحاكم.

هذا “أبو مسلم الخولاني” رضي الله عنه، يدخل على “معاوية” وهو من هو بأسا وملكا وقوة.. بطانته حافين من حوله، فيحييه “أبو مسلم” قائلا:

“السلام عليك أيها الأجير”

وتتراكض الحاشية في فزع مما سمعت. ويقولون لأبي مسلم هامسين: قل: أيها الأمير.. فيعيد “أبو مسلم” الكرة..

“السلام عليك، أيها الأجير”

فيقول “معاوية” لصحبه: دعوه، فإن أبا مسلم يعرف ما يقول: ويواصل “أبو مسلم” حديثه لمعاوية:

“إنما مثلك مثل أجير أؤتمن على ماشية ليحسن رعيتها، ويوفر ألبانها، وينمي الصغيرة ويسمن العجفاء..”فإن هو فعل، استحق أجره وزيادة..

“وإن هو لم يفعل نزل به عقاب مستخلفه ولم ينل أجرا..

“يا معاوية..

“إنك إن عدلت مع أهل الأرض جميعا، ثم جرت على رجل واحد، مال جورك بعدلك..

“يا معاوية..

“لا تحسبن الخلافة جمع المال وإغداقه، إنما الخلافة العمل بالحق، والقول بالمعدلة، وأخذ الناس في ذات الله..

“يا معاوية..

“إن الناس لا يبالون بكدر الأنهار ما صفا النبع وطاب..

“وإن مكان الخليفة من الناس، مكان النبع الذي يرجون صفاءه”.

بمثل هذه الروح كانوا يتعاملون مع أولي الحكم والسلطان يعظونهم ويجاوزون الموعظة إلى الزجر عندما تدعو للزجر دواعيه.

وهم بهذا إنما يشاركون  حقيقة- في حمل كل تبعات الحكم الذي رفضوا مناصبه.. فالحكم قد يكون محصورا في وظائفه التي رفضوها من ناحية الشكل، أما من حيث الموضوع والمسؤولية، فكل مشورة صادقة تقدم إليه.. وكل نصيحة جادة تسدى إليه.. وكل معارضة أمينة تتوخى تقويمه.. كل أولئك إنما يشكل مشاركة حقيقية وفعالة في حمل مسؤولياته الثقال.

يقول “أبو مسلم الخولاني”:

“لا يصلح الناس إلا بإمام، ولا يصلح الإمام إلا بالناس”

فهم إذن لا تغيب عنهم ضرورة أن يكون للناس إمام ورئيس دولة يحمل مع الآخرين تبعات السلطة الممنوحة له من الأمة ليحقق لها أسباب الحياة العادلة الصالحة الكريمة.. وكذلك لا تغيب عنهم ضرورة أن يكون الناس شركاء في الحكم، وأن يكونوا من الجدارة والاعتصام بالحق والعدل والخير إلى الحد الذي ينعكس فيه ذلك كله على إمامهم..(فكما تكونوا يول عليكم).

وكما قال أبو مسلم (ولا يصلح الإمام إلا بالناس).

فالحكم عندهم إذن يحلق بجناحين: الحكومة، والشعب .. ومسؤولية الحكم مفروضة على الحاكم والمحكوم معا..

وإذا كان “أهل الله” يهربون من مناصبه ومغانمه ومباذله، فقد استبقوا لأنفسهم المشاركة في المسؤولية عن طريق معارضتهم الشجاعة لكل انحراف، وتنديدهم الصارخ بكل جنوح.

ولقد كان إخلاصهم الوثيق يفتح لهم قلوب الخلفاء والأمراء طوعا وكرها.. وحتى أولئك الذين كانت قلوبهم موصدة، كانوا يخجلون ويتضاءلون حين يرون ناسا بسطاء في أسمال بالية يتحدّون سلطانهم، ولا يعبأون بالسيف ولا بالذهب..وحين كانت كبرياؤهم تدفعهم لاضطهادهم لم يكونوا يأملون قط أن يثنيهم الاضطهاد عن مواقفهم، إنما كانوا يتوسلون باضطهادهم لتخويف العامة وترويع الناس حتى لا يسلكوا ضدهم ذات السبيل.

ولم تكن مجاملة بعض الخلفاء والحكام للكثيرين من “أهل الله وأوليائه” لتحملهم على المهادنة والملاينة.

لقد كان هناك بعض خلفاء بني أمية  مثلا- مشغوفين بأن يسمعوا مواعظ أولئك الأبرار حتى وإن أحرجتهم وأذلتهم.

أولا يستحق هذا، ولو بعض الملاطفة في توجيه النصح والحديث إليهم؟.

إن لكلمة الحق عند “أهل الله” أسلوبا واحدا لا يتغير.. فإن كانت لحاكم متواضع متطلع إلى إصلاح نفسه وحكمه، قالوها رقيقة وادعة..وإن كانت لمتغطرس صلف، أو جبار مستكبر لفحوه بها كالسياط المفتولة!

هذا أحدهم يقول لمالك بن دينار: ادع الله لي، فيجيبه:

” …كم من مظلوم بالباب يدعو عليك”..

وآخر يسأله الدعاء أيضا فيجيبه:

“كيف أدعو لكم وألف يدعون عليكم، أيستجاب لواحد ولا يستجاب لألف؟؟”

وذاك خليفة آخر يملأ الدنيا بأسه ونفوذه، تراوغه ذبابة، وكلما هشها سقطت على وجهه، فيتوجه إلى “جعفر الصادق” رضي الله عنه بسؤاله، وكان حاضرا مجلسه ذاك:

“يا أبا عبد الله، لماذا خلق الله الذباب”؟؟

فيجيبه جعفر:

“ليذل به الجبابرة”!!

ويكتب “زر بن حبيس” إلى عبد الملك بن مروان يعظه وينصحه، ثم يقول في آخر رسالته إليه:

“ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول الحياة ما ترى من صحتك، فأنت أعلم بنفسك.

“واذكر قول القائل:

إذا الرجال ولدت أولادها

وبليت من كبر أجسادها

وجعلت أسقامها تعودها

فذي زروع قد دنا حصادها!!

إنه حتى في المرض لا يجامله بكلمة مشجعة.. بل ينتهز فرصته ليذكره بالموت، فيقول له: أنت أعلم بنفسك، رغم ما يبدو من توهم الصحة.. ثم لا يبشره، بل يذكره بالمصير المحتوم “فذي زروع قد دنا حصادها”!!

لقد رأى الناس ببركة هؤلاء الأبرار وبفضل سلوكهم كيف تخضع وتخشع كل مظاهر القوة والكبرياء لكلمات عزلاء.. كانت مشاهدهم وملامحهم مع الخلفاء والولاة تسري في الديار والأقطار مسرى الرياح والبشريات فيعبّ الناس من أنفساها ما يفجر في أرواحهم أشواقها إلى التسامي والإيمان، وكان “أهل الله” على إدراك لهذه الحقيقة..حقيقة أن كل كلمة عادلة وصادقة وشجاعة يقرعون بها أسماع حاكم جائر، إنما تمثل وحدها كتيبة من كتائب الهداية والفضيلة والمعروف.