يقتضي كمال العبودية لله تعالى تتبع الخطوات الشريفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره كله؛ ومن ذلك استمساكه عليه السلام بالذي أوحي إليه، ويقينه به وعدم الالتفات عنه إلى غيره.

كيف تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع بشرى الوحي ليلة وقوعها:وعد ربنا عز وجل رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، أن إحدى الطائفتين، هي للمسلمين. وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ }الأنفال7. ولما اقترب موعد تحقيق الوعد الإلهي ما كان منه صلى الله عليه وسلم، إلا أن توجه بكليته لربه رافعا يديه للسماء، سائلا متضرعا، مخبتا مبتهلا، يناشد ربه أن ينجزه ما وعده من النصر ويقول فيما يقول: ، اللهم فنصرك الذي وعدتني “اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض ” حتى سقط عنه رداؤه الشريف، وأشفق عليه صاحبه أبو بكر رضي الله عنه، فنطق يواسيه ويحاول أن يخفف عنه، قائلا :”يا نبي الله بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك”، وبعد ذلك خفق(1) النبي صلى الله عليه وسلم خفقةً وهو في العريش، ثم انتبه فقال: “أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع” … و تحققت البشرى وتنسم المسلمون عبيرها، وحمد المصدقون عاقبة تصديقهم، وهزم الجمع وولوا الدبر.

فكان اليقين الراسخ في موعود الله تعالى الذي وعده إياه دافعا للاستمساك ببابه سبحانه والتشبث بأذيال رحمته، ولزوم التضرع بين يديه، والافتقار إليه.

وانقطع الوحي من السماء، وبقيت الرؤيا الصالحة… انقطع الوحي من السماء، وبقيت الرؤيا الصالحة، يراها المومن أو ترى له، بقيت جزءا من النبوة لا يستقيم إيمان أحدنا حتى يصدقها ويصدق بها، مع لزوم باب العبودية للحق سبحانه، وانظروا إخوتي كيف جاء بهذا الأمر التعليم النبوي الشريف، في المراحل الأخيرة من عمر الوحي الإلهي المباشر،أخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: “كشف النبي صلى الله عليه وسلم الستارة في مرضه الذي مات فيه والناس صفوف خلف أبي بكر رضي الله عنه فقال: إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له”.

وقال: “أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثا”. وحكم صلى الله عليه وسلم بأنها “جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة”.

نعم سيدي رسول الله صدقنا وآمنا، صدقنا وآمنا، صدقنا وآمنا. وها نحن نستقبل أفضل أيام السنة، فكيف كنت سيدي تعلمنا بشأنها!؟.

الليالي العشر: أفضل أيام السنة:أخرج البزار وأبو يعلى وابن خزيمة وابن حبان والبيهقي عن جابر “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أفضل الأيام أيام العشر – يعني عشر ذي الحجة – قيل: وما مثلهن في سبيل الله؟ قال: ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفر وجهه بالتراب، وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا عبادي جاؤوني شعثا غبرا ضاحين، جاؤوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ويستعيذون من عذابي ولم يروه، فلم ير يوما أكثر عتقا وعتيقة من النار منه”.

فها هي أيام الفضل تطوي الزمن إلينا طيا، وتنادينا أحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نكون على خطاه، ونمشي على هداه.

لي فيك يا رسول الله صلى الله عليك وسلم قدوة وأسوة؟ استقبلت يا حبيبي يا رسول الله صلى الله عليك وسلم النصر الموعود، والأمر المشهود بالتبتل والإخبات والإقبال التام على الله، فما يمنعني أن أقتدي بك وأهتدي؟

ألم ينسئ الله تعالى لي في أجلي، ويبلغني مرة أخرى لعشر أخر من ذي الحجة؟ ألم تخبرني صلى الله عليك وسلم أنه ما من أيام أحب إلى الله تعالى أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة: يعدل صيام كل يوم منها بصيام سنة، وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر. فلم لا أصومها وأقومها؟

أو ليست الفرصة سانحة لي لأطبق في أيام، هي خير أيام السنة(2)، برنامج يوم المؤمن وليلته، كاملا، غير منقوص؟ فتجدني وقد استيقظت لصلاة الوتر النبوي ساعة قبل أذان الفجر، وخصصت وقت السحر للاستغفار ودعاء الرابطة. وبعد رجوعي من المسجد، أجلس لذكر الكلمة الطيبة، حتى تطلع الشمس. وربع ساعة قبل صلاة الظهر وصلاة العصر أخصصهما للذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم؛

وبين العشاءين، أتخذ لي موعدا مع وردي من كتاب الله، ومع حصتي للتفقه في دين الله؛

وأحرص أن لا يفوتني في هذه الفترة حضور مجلس النصيحة، وزيارة دعوة وتحاب في الله، وصلة رحم أبتغي من وراء وصلها أن يصلني الله.

ألا يا نفس انهضي فقد حان الحين، وجدي فقد فتحت أبواب الحليم الكريم، وأكثري من التضرع فعند عرش الرحمن يسمع للصادقين أنين!!.

ويا مولانا هذا حالنا لا يخفى عليك، أسندنا ظهرنا إليك، وتوكلنا ربنا عليك، وفوضنا أمرنا إليك، وحسبنا أنت ونعم الوكيل.

والحمد لله رب العالمين.

—————————————-

(1) لسان العرب: خفَق خُفوقاً إذا نام.

(2) أخبر العلماء أن الله سبحانه ما أقسم بالليالي العشر إلا لفضلهن على سائر ليالي السنة.