خيرناكماذا تختار: أن تقتل الفتوى بكاتم الصوت أم تترك سائبة فتجد في كل حارة مفتيا من المفتين؟

إن الجميع يعلم من خلال متابعته الشاشات الفضائية، ومطالعته الشبكة العنكبوتية أن الفتوى أصبحت تعاني مرض الإسهال، فحول كل قضية يتوالد مئات المفتون، تجدهم منتشرين على الهواء وفوق البر وتحت الماء، يفتون في كل شيء: من الجهاد القتالي إلى الإفتاء بجواز التسري بالخادمات الفليبنيات واعتبارهن من الإماء! فتعرف فتاوى وتنكر أخرى، وقد يشتد بك الإنكار ليصل بك إلى المطالبة بضبط ميدان الفتوى حتى يبقى للحكم الشرعي هيبته وقيمته وقدسيته.

لكنك سرعان ما ستجد نفسك نادما على فتواك بعد أن تعلم أن دعوتك لقيت الاستحسان من أنظمة الاستبداد، فاستعملتها لكتم أنفاس العلماء حتى لا يوقعوا عن رب العالمين؛ بل يوقعوا باسم الحكام الميامين، أو يكون الصمت لهم دين.

فما فتواك بعد أن حيرتنا وحيرناك: تستنكر ضبط الدولة للفتوى باحتكارها وتأميمها أو تندد بتسيب الفتوى فتدعو إلى ضبطها؟

الممر الإجباري للفتوىحسم الخطاب الملكي في الرابع من أبريل 2004 مع مسألة الفتوى، وجعلها حكرا على “المجلس العلمي الأعلى” الذي يرأسه الملك “صيانة للحقل الديني من التطاول عليه من بعض الخوارج عن الإطار المؤسسي الشرعي”، وبذلك سد باب الاجتهاد المسدود أصلا، وأصبح كل عالم أو هيئة مستقلة للعلماء مهددا بالمتابعة القانونية إن اجتهد في نازلة من النوازل التي تهم الأمة باعتباره من “الخوارج الجدد”، فلم يعد من خيار أمام الذين أمروا أن يبينوا للناس دينهم إلا أن يكتموه تقية، أو ينتسبوا إلى مؤسسات العلماء الرسمية ويقبلوا التدجين فيها، أو يعدوا متاعهم ويعلنوا فتواهم؛ ويسبقوا رجال المخزن إلى السجن.

يخاف حسن النية من التسيب الذي طالها، فينسج مقالة وجوب تنظيمها، لكن لماذا تسعى السلطة إلى ضبطها، هل خوفا عليها أو خوفا منها؟ أو يخفى عليك الجواب حقا!

ومع ذلك فقد وجب ملاحظة أن السلطة لن يطال وعيدها إلا أناس بعينهم من فتواها الجاعلة من المجلس العلمي الأعلى ممرا إجباريا ووحيدا لكل فتوى؛ وإلا فإن الدولة تصمت في كل يوم عن فتاوى علمانية تتهجم على الشعائر الدينية؛ وتمنع الحجاب من وظائف عدة؛ وتجعل من المعاملات الربوية أصلا؛ وتسعى إلى تقنين زراعة والمتاجرة في المحرمات… ورغم الحنق النفسي الهائل الذي تتركه هذه الفتاوى في نفوس الشعب المغربي، فإن ذلك لا يعد بتاتا  في عرف السلطة- تطاولا على الدين، أو تعكيرا “للأمن الروحي” للمغاربة، أو تهديدا للأمن العام كما يحلو للدولة أن تنسج نصوص متابعاتها القضائية ضد كل من مس من هيبتها.

ثم إن السلطة قد ترى في فتوى تسلك غير مسالكها التقاء معها في استراتيجيتها، فلا تهدد صاحبها ولا تعده من الخوارج عليها، رغم كسره لعرفها، فلا تسعى إلى مَساءَته، وتصمت عن تطاوله في إشارة إلى ترحيبها بمقالته، ومثال ذلك فتوى د. أحمد الريسوني التي أصدرها يوم 30 ماي 2006 تحت عنوان: “قضية فلسطين اليوم.. رؤية فقهية سياسية” والتي ذهب فيها إلى جواز التحول “من هدنة طويلة الأمد إلى اتفاقية سلام” تعقد بين الفلسطينيين وإسرائيل، ومعلوم أن هذه الفتوى بدعة في مضامينها داخل صف الحركات الإسلامية، وهي فتوى لم ينل صاحبها التأشيرة عليها من مجلس العلماء الرسمي، ورغم ذلك فقد غفرت السلطة للعالم الريسوني زلته، بعد أن وجدت الفتوى تفتل في حبلها.

من يوقف الشلال؟إن العالم غدا قرية صغيرة، والفتوى أصبحت في عصر العولمة معولمة، وإن كانت السلطة بسطوة قمعها قادرة على إرهاب علمائها الرافضين لتعاليمها داخل حدودها القطرية، فإنها لن تستطيع أن توقف الفتاوى العابرة للقارات، والتي لا يطلب أهلها الإذن من هذا المجلس أو ذاك، وهي فتاوى تستطيع أن تحرك الرأي العام وتشغل بال الشارع، وتستفز “المجلس العلمي الأعلى” المنصب للإفتاء فتجعل مهمته الرد على الفتاوى وكفى. فعلها في الرد على الفتوى الأمريكية بجواز إمامة المرأة للنساء يوم الجمعة، وفعلها في فضيحة مجلجلة مع الشيخ يوسف القرضاوي الذي أفتى للمغاربة بجواز اقتراضهم القرض الربوي بحكم الضرورة، ألحق حكمه بفتواه للمسلمين في بلاد غير المسلمين، وهو ما استفز العلماء الرسميين، فأثار حنقهم وردوا عليه بالفتوى السبابية الشهيرة في حق العلامة القرضاوي، والتي لن تجد لها اليوم أثرا في موقع المجلس الإلكتروني، ولا ندري أكان يُنتظر من المجلس الرد على الفتوى أم الطعن على المفتي!

إن المطالبة بضبط الفتوى إنما يؤسس وهما ويزكي استبدادا. فأما تأسيسه للوهم فإنه ما عاد لأحد اليوم القدرة على أن يحبس سيولة المعلومة المتدفقة من كل مكان، وما عاد في زمن العالم الرقمي فرصة لحبس رأي في مكان. وأما تزكيته للاستبداد فإنه عندما نتحدث عن ضبط الفتوى فإنه لا أحد له أدوات الضبط ووسائله داخل حدود جغرافية معينة إلا سلطة ذلك البلد، وهي سلطة لا تفهم من معنى الضبط إلا ضبط كل مفت خرج عن إجماعها بالجرم المشهود، أما المفتون بشهوتها، الراؤون رأيها، فهم السادة العلماء، وغيرهم الجهال الحقراء.

سؤال المصداقيةعود على بدء. ما الواجب فعله. تضبط الفتوى أم تترك سائبة؟

إن حصر أنفسنا في هذه المعادلة لن يحل المشكلة أبدا، ولكن الأهم أن نعتبر من دروس تاريخ المسلمين ونرى كيف تعددت فيه المدارس الفقهية والكلامية، ومع الزمن انمحى كثير منها إلا ما ينفع الناس. إن المسلمين بفطرتهم كانوا يتبعون دوما فتوى العالم المسؤول الذي يتمتع بما نسميه اليوم بالمصداقية. إنه لا ضرر في تعدد الفتاوى لأن بوصلة الاتباع لا تخطئ الاتجاه أبدا، والأهم أن يحفظ العالم مصداقيته التي لا تتحقق إلا بأركان رباعية يشد بعضها بعضا:

– الاستقلالية عن السلطة: فمن خالط السلطان جافاه الناس، ومن كان موظفا في إدارة أنى له أن يفتي بما يكره ولي نعمته، لذلك ظلت فتاوى المؤسسات والشخصيات الرسمية تعطي عكس مرادها. فهذا مزلق عظيم وجب على العالم أن يحذره.

– التكوين العلمي: لا بد للعالم الدراية بنصوص الشرع والواقع، والمزاوجة بين العلم بكتاب الله المسطور وكتاب الله المنظور هو الذي يمكن العالم من تنزيل نصوص الشرع المطلقة في واقع نسبي متقلب، دون أن يخل بمقاصد الشرع، أو يشدد على الناس.

– التربية السلوكية: إن الله عز وجل قرن بين العلم والعمل، لذلك عد الفقيه فقيها إذا كان عاملا بما يعلم، ولقد ظل الناس يمقتون كل من خالف قوله فعله، فالمستوى التربوي العالي مطلوب في العالم الفقيه المفتي، أما إذا اعتبرت التضلع في المدونات الفقهية كافيا، فما يمنعك عندها أن تعد العديد من المستشرقين من أكابر الفقهاء!

– عدم شذوذ الرأي: إن شذوذ الرأي في مسائل يقترب بها العلماء إلى الإجماع وتكراره يجعل ذاك الفقيه يهدم صرحه بنفسه، وينكث غزله بيديه، ولعل نموذج الترابي اليوم يتبدى كخير مثال.

فإذا ما استجمع عالم أو هيئة هذه الأركان كانت فتواه هي المنارة للمسلمين، وغيرها يتعثر في حبائله قبل أن يخرج إلى الناس، وتكون عليه وبالا في الدنيا ويوم الدين.

والحمد لله رب العالمين.