6- الأماكن الشريفة بمكة المكرمة وآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بها:

كما بالمدينة المباركة توجد بمكة المكرمة أماكن شريفة يستحب للحاج والمعتمر زيارتها لما فيها من الفضل فإما أن يكون مسجدا صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كانت به نازلة أو جبلا أو بيتا شهد وحيا أو دعـوة.

1- المواضع المباركة المعروفة بدار المولد:

وهو البيت الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي اليوم مكتبة مكة المكرمة قرب شعب علي رضي الله عنه قريب من النفق الذي يتجه نحو منى.

هذه الدار كانت عند عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه أخذها لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يزل بيده ويد ولده حتى باعه بعضهم من محمد بن يوسف أخي الحجاج فأدخله في داره التي يقال لها دار البيضاء، ولم يزل هذا البيت في هذه الدار حتى حجت الخيزران أم الخليفتين موسى وهارون فجعلته مسجدا يصلى فيه وأخرجته من الدار، وشرعته إلى الزقاق الذي في أصل تلك الدار(1) وهذا البيت ينظر إلى جبل أبي قبيس من الطريق المجاور لـه تأتي إلى الساحة المجاورة إلى هذا الجبل من جهة المسعى والمقابلة لباب السلام للمسجد الحرام.

ومما ورد في بركة هذا الموضع ما رواه الأزرقي بسنده عن بعض من كان يسكن هذا الموضع قبل أن تخرجه الخيزران من الدار البيضاء أنهم قالوا: لا والله ما أصابنا فيه جائحة ولا حاجة، فأخرجنا منه فاشتد الزمان علينا”(2).

* مولد علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو قرب مولد النبي صلى الله عليه وسلم مما يلي الجبل ذكره ابن جبير(3) وفيه ربي رسول الله صلى الله عليه وسلم عند عمه أبي طالب.(4)

* دار الأرقم رضي الله عنه وهي عند الصفا وهو الآن من المسجد الحرام وهو الذي كان يجتمع فيه الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم وفيه أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه.(5)

وهذا المكان أفضل الأماكن بمكة بعد دار خديجة (لكنها ليس لها أثر اليوم) لكثرة مكث النبي صلى الله عليه وسلم فيه يدعو الناس بالإسلام مستخفيا.

* دار العباس رضي الله عنه وتوجد بالمسعى عند العلم الأخضر.(6)

وكان الشيخ أبو عبد الله بن مطرف نزيل مكة يقول: ” وضعت يدي في حلقة باب الرباط (دار العباس) وقال: قال جدي: يريد رباط الموفق (وسميت رباطا لمرابطات الفقراء هناك) إلا وقع في نفسي ثم ولي لله وضع يده في هذه الحلقة.

وكان الشيخ خليل المالكي يقول: (إن الدعاء مستجاب فيه أو عند بابه وكان يكثر إتيانه للدعاء)

وهي مقابل لباب العباس من جهة المسعى من الداخل.(7)

2- الجبال المباركة بمكة:

* جبل أبي قبيس: وهو جبل يطل على الحرم من جهة المسعى وأسفله يوجد الصفا ومن العلماء من يقول انه من أبي قبيس وهو الجبل الذي وقع عليه نصف القمر في معجزة انشقاقه والنصف الثاني على جبل قعيقعان.

ومن فضائله أنه كان يدعى الأمين، لأن الحجر الأسود استودع فيه زمن الطوفان، فلما بنى إبراهيم عليه السلام البيت، نادى أبوقبيس، الركن منى بمكان كذا وكذا، وجاء جبريل عليه السلام فوضعه موضعه من الكعبة.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: “نزل الركن الأسود من السماء فوضع على أبي قبيس كأنه مهاة (البلورة) بيضاء، فمكث أربعين سنة، ثم وضع على قواعد إبراهيم”(8).

ومن فضائله أنه أول جبل وضعه الله على الأرض على ما روي عن ابن عباس، ومن العلماء من يقول انه أفضل جبال مكة لقربه من الكعبة ومنهم من قال: أن حراء أفضل لكونه صلى الله عليه وسلم كان يكثر إتيانه للعبادة، ويقيم فيه لأجلها شهرا كاملا.(9)

* جبل حراء: بأعلى مكة لكثرة مجاورة النبي صلى اله عليه وسلم فيه وخص من الكرامة بالرسالة ونزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وكان نزوله عليه في غار في أعلى الجبل سمي غار حراء وسمي الجبل جبل النور وهو الغار الذي جاء فيه جبريل عليه السلام بأول وحي “اقرأ باسم ربك الذي خلق ..”(العلق : 1)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل حراء فتحرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسكن حراء فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد وعليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص)(10).

وعلوه من سفح الجبل 281 متر وهو صعب يستغرق حوالي ساعة وطول الغار ثلاثة أمتار وعرضه متفاوت من 1،30 إلــى متـريـن.

وسنذكر فضل زيارة الغار عند كلامنا في فضل التماس الصحابة لأثار الرسول صلى الله عليه وسلم.

* جبل ثور: وهو بأسفل مكة وهو الجبل الذي اختفى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه حين هاجرا إلى المدينة وهو الغار الذي اختبئ فيه النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه وهو المذكور في قوله تعالى “ثاني اثنين إذ هما في الغار” (التوبة 40)

وعلوه من سفح الجبل نحو 458 م ويقع على بعد 4 كلم من المسجد الحرام جنوبا ويستغرق صعوده حوالي نصف ساعة وارتفاعه 1،25 متر وطوله وعرضه 3،5 x 3،5 م.

وقد جاء في فضله ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا بكر قال لابنه: يا بني ان حدث في الناس حدث فات الغار الذي اختبأت فيه، فانه سيأتيك رزقك غدوة وعشية(11).

ويروى أن هذا الجبل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إلى يا محمد فقد آويت قبلك سبعين نبيا(12).

* وجبل ملحق: بمسجد الخيف فيه غار المرسلات لأن فيه أتى رأس النبي صلى الله عليه وسلم على ما يقال وفي هذا الجبل حجر كبير يظل من يجلس تحته. قال ابن جبير أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس تحته عند هذا الغار فلان الحجر فبقي فيه أثر رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبادر الناس بالزيارة إليه(13). ويستحب زيارة غار المرسلات لأن فيه نزلت سورة المرسلات.

قال ابن مسعود نزلت “والمرسلات عرفا” على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن ونحن بشر معه، حتى أوينا إلى غار بمنى فنزلت، فبينما نحن نتلقاها منه، وان فاه لرطب بها إذ وثبت حية، فوثبنا عليها لنقتلها فذهبت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “وقيتم شرها كما وقيت شركم”(14)

وهذا الجبل كما ذكرت يوجد بمنى قريبا من مسجد الخيف.

3- زيارة قبور الصحابة بمكة:

* المقبرة العليا ويقال لها مقبرة المعلاة ولها فضل لأنها تضم عددا من الصحابة رضي الله عنهم، عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “نعم المقبرة هذه، مقبرة أهل مكة”(15).

هذا الحديث ذكره أحمد والبزار في مسنديهما، ورجال أحمد رجال الصحيح فلا ابن ابي خراش ولم يضعفه أحمد وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الثنية  ثنية المقبرة- وليس بها يومئذ مقبرة، فقال: “يبعث الله من هذه البقعة ومن هذا الحرم كله سبعين ألف، يدخلون الجنة بغير حساب، يشفع كل واحد منهم في سبعين ألفا، وجوههم كالقمر ليلة البدر” فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله من هم قال صلى الله عليه وسلم “الغرباء”(16)

وقال الشيخ خليل المالكي رحمه الله إن الدعاء يستجاب بمقبرة المعلاة(17)

وزيارتهما مستحبة، لما حوته من سادات الصحابة والتابعين وكبار العلماء والصالحين.(18)

* سرف: وهو الموضع الذي يوجد فيه قبر أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية رضي الله عنها وهو الموضع الذي بنى بها النبي صلى الله عليه وسلم فيه حين تزوجها.

4- المساجد المباركة بمكة المكرمة وحرمها:

* مسجد الجن: يقع على يسار الصاعد إلى المعلاة بجانب جسر المشاة وسمي كذلك لأنه المكان الذي بايعت الجن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم و قد سبق أن التقوا به عند نخلة أثناء عودته من الطائف و كان معه عبد الله بن مسعود(19)

* مسجد البيعة: يقع بمنى على بعد 300 متر عن جمرة العقبة وهو المسجد الذي تمت فيه البيعتان الأولى والثانية ويقال للثانية أيضا بيعة العقبة الكبرى وكانت في موسم الحج إذ جاء في الأولى أعيان الأوس والخزرج وهم اثنا عشر رجلا وفي الثانية ثلاثة وثمانون رجلا وامرأتان من أهل المدينة وبني المسجد في موضع البيعة(20)، ويقع على يمين الجسر النازل من منى إلى مكة.

* مسجد الشجرة: ويقع في موضع جلس فيه النبي صلى الله عليه وسلم حزينا فقال: اللهم أرني آية اليوم لا أبالي من كذبني بعدها من قومي. فاذا شجرة من قبل عقبة المدينة فناداها فجاءت تشق الأرض حتى انتهت إليه فسلمت عليه ثم أمرها فرجعت فقال: ما أبالي من كذبني بعدها من قومي(21) وهو مسجد قريب من مسجد الجن. وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة ويدخل من طريق المقدس، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج إلى مكة يصلي في مسجد الشجرة وإذا رجع صلى بذي الحليفة ببطن الوادي وبات حتى يصبح(22).

——————————————-

(1) أخبار مكة للأزرقي ج 2 /198 وأخبار مكة للفاكهي 4/50.

(2) أخبار مكة للأزرقي 2/ 199.

(3) رحلة ابن جبير ص 141.

(4) اتحاف الورى 3/13.

(5) أخبار مكة للأزرقي 2/200.

(6) شفاء الغرام باخبار البلد الحرام ج 1/363.

(7) شفاء الغرام ج 1 ص 363.

(8) شفاء الغرام ج 1 ص 367 والطبراني (قال : المنذري رواه الطبراني موقوفا باسناد صحيح.

(9) المصدر السابق ج 1 ص 368.

(10) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة برقم 6248.

(11) رواه البزار في مسنده والهيتمي في مجمع الزوائد 3/297 وانظر لحرم التعديل 8/162  وميزان الاعتدال 4/223 ولسان الميزان 6/130.

(12) شفاء الغرام ج 1 ص 370.

(13) رحلة ابن جبير ص 138.

(14) رواه البخاري الحديث 4930 ومسلم حدي 137/2234 واحمد رقم 4068 ج 2 من مسند ابن مسعود.

(15) أخرجه أحمد 1 / 367 رقم 3472 الطبراني في الكبير 11/137 برقم 11282 وعبد الرزاق المصنف 3 / 579 والبخاري في التاريخ 1/284 والفاكهي في أخبار مكة 4 / 50 والهيثمي في مجمع الزوائد 3/297.

(16) أخرجه الديلمي كما جاء في كنز العمال 12/262 وهو عند الهيثمي في مجمع الزوائد 4/13 وعزاه للطبراني في الكبير.

(17) شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ج 1 ص 375.

(18) نفس المصدر جزء 1 ص 376.

(19) تفسير ابن كثير 7/275 وأخبار مكة للازرقي 2/200.

(20) ذكره الازرقي في أخبار مكة 2/202 والفاكهي 4/26 وابن الجوزي وابن ظهيرة.

(21) الطبقات الكبرى لابن سعد 1/134.

(22) صحيح البخاري رقم 1533.