إن أول من دُعِي بِـلقب “أمير المؤمنين”، في الإسلام، كان هو الفاروق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه. الفاروقُ وما أدراك ما الفاروق؟ كانت سيرته، رضي الله عنه، منارة للإخبات والافتقار إلى الله، والعدل والشورى، والقوة في الحق، والرحمة بالخلق، والجرأة في الرجوع على النفس بالتقريع واللوم والتخويف.

وقد استمر هذا اللقب، بعد الفاروق، رضي الله عنه، يحمله من جاء بعده من الخلفاء، فمنهم من وفـّى الخلافةَ حقها من الامتثال للأمر والنهي والسير على المنهاج النبوي، كالخلفاء الراشدين ومن سار على نهجهم من الملوك الصالحين، ومنهم من أخل وفرّط وجار وظلم، كملوك العض والجبر الذين فسدوا وأفسدوا؛ ولا دوام إلا لمُلـْك الله، ولكن أكثر الناس لا يعقلون ولا يعتبرون.

وواضح وضوح الشمس أن لقب “أمير المؤمنين”، في أصل وضعه، لم يكن يوجب للمدعوّ به امتيازات على الخلق ولا تنزها ولا تقديسا، وكذلك لم يكن يوجب للحاكم الموصوف به سلطات مطلقة ومرتبةً ترفعه فوق القانون والمراجعة والمحاسبة.

ونقرأ في تاريخنا الإسلامي، ويا لسوء ما نقرأ، أنه، بعد زمن الخلفاء الراشدين، دارَ الزمانُ واختلت الموازين وانتقضت عروة الحكم، فنبتت نابتةٌ من حكام الجبر والظلم، تسموّا بأمراء المؤمنين وخلفاء المسلمين بـِزِّزَى، أي بالسيف والقهر والقمع، وتسلطوا على الناس بغير رضاهم، وحكموهم بقبضات من حديد، وأرهبوهم وأذلوهم وعاثوا فيهم بمختلف أنواع الظلم والتجبر والإفساد. وقد أسرف بعض هؤلاء الظالمين وأسفـّوا، فكانوا يجاهرون بالفجور والمنكرات، ويسجلون بسلوكاتهم الحضيضية صفحات سوداء من العار والشنار، وليس هذا المقال للتفصيل في سرد الحوادث والتواريخ.

إمارة المؤمنين تكليف لا تشريفلقد بينتْ لنا السيرةُ المشرقة للفاروق، رضي الله عنه، أن وصف رئيس الدولة الإسلامية بأنه أمير للمؤمنين لم يكن يترتب عليه أية امتيازات لهذا الرئيس تجعله بمنأى عن النقد والتقويم والحساب؛ بل إن إمارة المؤمنين، ممثلة في عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كانت تكليفا شاقا ومسؤولية ثقيلة وحملا لأمانة عظيمة لا يؤدي حقها إلا رجال في طبقة عمر، رضي الله عنه، ولم تكن قطّ لقبا سطحيا للتشريف، ولا قالبا لفظيا للرياسة على الناس والوصاية على عواطفهم وضمائرهم وخوالج صدورهم.

لقد شَرَّفَ عمرُ الفاروقُ، رضي الله عنه، مفهوم لقبِ أمير المؤمنين بإيمانه وعمله، وبوقوفه عند الحق، وبردّه للمظالم بدءا بنفسه وأهل بيته وعشيرته الأقربين.

لقد شَرّفت سيرةُ الفاروق، رضي الله عنه، إمارة المؤمنين بالتزام العدل والشورى، والائتمار بأمر الله والانتهاء بنهيه، والحكم بين الناس بالقسطاس المستقيم.

كان أميرُ المؤمنين عمرُ بن الخطاب، رضي الله عنه، راعيا مسؤولا عن رعيته، ليس بينه وبين الناس حجاب. كان، رضي الله عنه، حاضرا في كل شؤون الناس، يسوسهم بهدي الإسلام، وينظر في أمورهم ويهتم بأحوالهم في السّراء والضرّاء، يبدأ بنفسه حينما تحل الشدائد ويُدعَى الناس للتضامن والتعاون، ولا يفتأ يذكر الناس بالله وباليوم الآخر، ولا يني يحتاط لنفسه ولأولاده أن تأخذه شهوة المُلك وأن يستبد به سلطان الهوى فيميل إلى حطام الدنيا ولذائذها.

أمثلة من سيرة أمير المؤمنين عمر، رضي الله عنه.وأسوق، على عجل، أمثلةً من سيرة الفاروق، رضي الله عنه، على اعتبار الروح والمبادئ والركائز الإيمانية والأخلاقية التي تحكمها، قبل الشكل والصورة التي ظهرت فيها، وذلك مراعاة لعصر الفاروق، رضي الله عنه، وظروف الدولة الإسلامية الفتية وبساطة الحياة الاجتماعية والعمرانية.

قال، رضي الله عنه، في إحدى خطبه: (…إني امرؤ مسلم وعبد ضعيف إلا ما أعان الله عز وجل، ولن يغير الذي وليت من خلافتكم من خُلُقي شيئا إن شاء الله؛ إنما العظمة لله عز وجل، وليس للعباد منها شيء، فلا يقولن أحد منكم: إن عمر تغير منذ ولي(…). إن الله عز وجل قد وعدكم كرامة كثيرة، وأنا مسؤول عن أمانتي وما أنا فيه، ومطلع على ما بحضرتي بنفسي إن شاء الله، لا أكله إلى أحد، ولا أستطيع ما بعُد منه إلا بالأمناء وأهل النصح منكم للعامة، ولست أجعل أمانتي إلى أحد سواهم إن شاء الله…).

ومن كلامه، رضي الله عنه، للمسلمين: (…أيها الرعية، إن لنا عليكم حقا، النصيحة بالغيب، والمعاونة على الخير. إنه ليس من حِلم أحب إلى الله ولا أعم نفعا من حلم إمام ورفقه. أيها الرعية، إنه ليس من جهل أبغض إلى الله ولا أعم شرا من جهل إمام وخُرْقه[الخُرْق هنا نقيض الرفق]. إنه من يأخذ بالعافية لمن بين ظهرانَيْه يؤتي الله العافية من فوقه…).

ومن سيرته، رضي الله عنه، أنه كان (إذا صعِد المنبر فنهى الناس عن شيء جمع أهله، فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير- يعني إلى اللحم- وأقسم بالله لا أجدُ أحدا منكم فعله إلا أضعفت عليه العقوبة).

وقال، رضي الله عنه، في عمّاله: (اللهم إني لم أبعثهم ليأخذوا أموالهم، ولا ليضربوا أبشارهم[من البَشَرة وهي ظاهر الجلد]؛ من ظلمه أميرُه فلا إمرة عليه دوني…).

وخطب في يوم جمعة، وكان مما قاله في خطبته: (اللهم إني أشهدك على أمراء الأمصار إني إنما بعثهم ليعلموا الناس دينهم وسنة نبيهم، وأن يقسموا فيهم فيئهم، وأن يعدلوا، فإن أشكل عليهم شيء رفعوه إليّ).

ومن سيرته، رضي الله عنه، أنه كان إذا استعمل عاملا كتب له عهدا، وأشهد عليه رهطا من المهاجرين والأنصار، واشترط عليه ألا يركب بِِرْذوْنا[الدابة]، ولا يأكل نقيا[الجيد الخالص المنتقى]، ولا يلبس رقيقا[كناية عن اليسر والترف، وهو ضد الغليظ]، ولا يتخذ بابا دون حاجات الناس…).

ورُوي أنه، رضي الله عنه، اشتكى ألما فنُعت له العسلُ، وفي بيت المال عُكّةٌ[وعاء من جلد يشبه القربة لحفظ العسل والسمن وغيرهما]، فقال: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فهي عليّ حرام).

ومن أخباره، رضي الله عنه، أنه (قال في مجلس، وحوله المهاجرون والأنصار: أرأيتم لو ترخّصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فقال ذلك مرتين، أو ثلاثاً: أرأيتم لو ترخصت في بعض الأمور ما كنتم فاعلين؟ فقال بشير بن سعد: لو فعلت ذلك قومناك تقويم القدح. فقال عمر: أنتم إذاً أنتم).

ومن أخبار سيرته المشرقة، رضي الله عنه، أنه كان نهى عن المغالاة في المهور، فاعترضت عليه امرأة بآيات من القرآن، فرجع عن رأيه وقال قولته المشهورة: إن امرأة خاصمت عمرَ فخَصَمته[أي غلبته في الخصام].

ومن سيرته، رضي الله عنه، أنه كان يقول: (رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي).

ذلك هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه.

حينما تصبح “إمارة المؤمنين” سيفا مُصْلَتا على الرقاب!!إني هنا بصدد النظر وإبداء الرأي في موضوع سياسي مائة في المائة، وهذا أمر مفهوم عند الفضلاء العقلاء، ولا يجادل فيه إلا من جرى على تقديس الحكّام وتنزيه أقوالهم وسلوكاتهم وسياساتهم واجتهاداهم وقراراتهم أن تكون محل نقد أو مراجعة أو محاسبة. هذه نقطة أولى.

والنقطة الثانية أن وصف الحاكم، أيا كان أصله وفصله، بأنه أمير المؤمنين لا تعني أن له أن يفعل ما يريد بلا حسيب ولا رقيب، بل إن سيرة الفاروق، رضي الله عنه، بينتْ لنا أن إمارة المؤمنين هي غرْمٌ على صاحبها ما لم تكن سلوكاته وسياساته وسائر تصرفاته منضبطة بهدي الإسلام معتقدا وأحكاما وأخلاقا، وموزونة بموازين العدل أقوالا وأفعالا، ومعروضة للنقد والتقويم والمراجعة والمحاسبة.

والنقطة الثالثة أنه ليس عيبا ولا عارا ولا منكرا ولا جريمة أن يتسمّى الحاكم أميرا للمؤمنين، لكن المنكر المرفوض والسلوك المبغوض أن ترتبط بهذه التسمية سلطاتٌ تنفيذية وصلاحيات وامتيازات من دون أن يكون لذلك أي سند من دستور أو قانون يبين ويضبط ويحدد، ويجعل المسؤوليات موصولة بالجزاء والحساب. بل إن التطورات التي عرفتها الدولة الحديثة باتت تفرض على الحاكم، الذي يَدَّعي أنه من أنصار الديمقراطية والحداثة والحريات وحقوق الإنسان، أن يكون لدعواه ما يصدقها في دستور مكتوب وقانون مسطور وميثاق محفوظ.

وبخصوص النقاش السياسي الدائر وسط النخبة المغربية حول “إمارة المؤمنين” وما تثيره من إشكالات واعتراضات، فإننا نجد، من بين المعارضين، من لا يتعدى مطلبُه دَسترةَ هذه الإمارة وتقنين ما يمكن أن يترتب عليها من مسؤوليات وسلطات، لأنه ما يزال من المنكرات، عند العقلاء والفضلاء وأنصار الحريات والحقوق، أن يُعطيَ الحاكم لنفسه، بصفته أميرا للمؤمنين، مكانة أكبر من الدستور والقانون، وأن يتصرف بسلطات مطلقة بعيدا عن أي نوع من أنواع المراقبة والمحاسبة.

في دستورنا المخزني الممنوح عندنا الفصل 19 الشهير، الذي عدّه بعض الباحثين دستورا داخل دستور، وفيه النص، من بين صفات أخرى، على أن، “الملك أمير المؤمنين…”. لكن كيف تكون هذه الإمارة؟ وما هي حدودها القانونية؟ وما هي سلطاتها وصلاحياتها ومسؤولياتها؟ وما هي شروط توليها؟ وماذا يترتب على الإخلال بهذه الشروط؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي لا ينكرها إلا جاحد بأهم صفة من صفات الدولة الحديثة، ألا وهي المسؤولية القانونية، وأنه لا سلطة بلا تبعات، وأنه لا مسؤول، كيفما كان قدره، بمعزل عن الحساب.

ونتذكر جميعا تلك الواقعة الطريفة في تاريخ البرلمان المغربي، ودولة المخزن كلها طرائف؛ ففي سنة 1981، وبعد أن رفض نواب المعارضة التمديد في عمر ولاية مجلس النواب، لم يجد الحسن الثاني، رحمه الله وغفر لنا وله، ما يواجه به سلوك المعارضة إلا سلطة “إمارة المؤمنين”؛ فلما أعيته نصوص الدستور الممنوح ولم يجد سبيلا سياسيا سالكا للنيل من خصومه، أشهر سيف “أمير المؤمنين” البتار، ووصف خصومه السياسيين بأنهم باتوا، بفعلهم السياسي المعارض، خارج الجماعة؛ وكان مما قاله في خطاب افتتاح الدورة البرلمانية، أن ملك المغرب، بصفته أميرا للمؤمنين، يتبرأ (من أولئك الذين كانوا قاعدين هنا وخرجوا من هنا مستخفين بقوانين الدولة و مستخفين بنتائج الاستفتاء، ومستخفين بجماعة المسلمين، ومستخفين بكيفية نهائية بمستقبل المغرب كبلد منظم يعيش في قانون ودستور وديموقراطية…).

وواضح من هذه الواقعة أن الملك له مطلق الصلاحية لتحديد ما يعنيه كونُه أميرا للمؤمنين، متى شاء وكيفما شاء. أما أن يتجرأ غيرُ الملك للكلام على إمارة المؤمنين، منتقدا أو مقوما أو مراجعا ومقترحا، فذلك مسّ بالمقدسات يعرض صاحبه لأشد العقوبات، أخفها أن يصبح مسلوكا في المغضوب عليهم!!

ألم يُفرَض على الدكتور أحمد الريسوني، في سنة2003، أن يترك رئاسة حركة التوحيد والإصلاح، وليس له من ذنب إلا أنه تجرأ وتحدث عن إمارة المؤمنين بعلمه ورأيه واجتهاده، لكنه علمٌ ورأي واجتهاد لم يكن مرضيا عنه في ميزان الاستبداد المخزني. وقد صرّح الدكتور نفسه أنه قد فهم مما سمعه من بعض مسؤولي الدولة الكبار أن عليه أن يستقيل حتى لا يجرف العسفُ المخزني الحركةَ كلها. تأملوا، رجلٌ عالم باحث أستاذ فقيه عبّر عن رأيه السياسي الشرعي، فقال إن صفة أمير المؤمنين ليست مقصورة على الملك بالضرورة، وأنها لا تعني لزوما أن الملك ليس يحتاج إلى من يعينه في شؤون الدين علمًا وإفتاء.

رأيٌ عادي من رجل ما فتئ يعبر عن تشبثه ببيعة أمير المؤمنين لم تستسغه الدولة المخزنية، فماذا ستفعل هذه الدولة بمن يناقش هذه الصفة من أصلها، ويطرح عدة علامات استفهام في شأن ما يُعطى لها من مضامين استبدادية، وما يُرتب عليها من سلطات وصلاحيات لا أساس لها، لا في دستور ولا في قانون؟ أليست جماعة العدل والإحسان، في نظر الدولة المخزنية، كيانا خارجاً على الجماعة والإجماع، حسب عبارة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق، لأن لها رأيا في السياسة الشرعية مخالفا للإجماع المخزني؟!!

وهذا الأستاذ مصطفى الرميد القيادي في حزب العدالة والتنمية والذي يتحرك من داخل النسق الرسمي ، ما يزال من المغضوب عليهم لدى السلطات العليا، وجريمتُه التي لا تغتفر أنه هو الآخر تجرأ فقال في إمارة المؤمنين برأي يخالف المسلمات المخزنية. وماذا قال الأستاذ الرميد؟ مما قاله (أن صفة إمارة المؤمنين لا تمنح صاحبها سلطات مطلقة، ولا تجعل منه معصوما غير قابل للمساءلة في منظور الإسلام إذا تحمل مسؤولية من مسؤوليات التشريع أو التنفيذ أو غيرها… ولذلك، فإن إمارة المؤمنين والبيعة، تبعا لها، لا ينبغي أن تفهم على أنها تتيح سلطات تتجاوز أحكام الدستور والقانون، وإنما هي التزام ديني ينبع من الصبغة الإسلامية للدولة، وتفرض على صاحبها واجب حفظ الدين وتعزيز أركانه ومنع تجاوز ثوابته الشرعية…). هذا مما قاله الأستاذ الرميد في ورقة نُشرت في الصحافة بعنوان: “تدقيق المقالة فيما ينبغي أن يكون بين الإسلام والملكية والديمقراطية من علاقة”. وأين هو العيب في كلام الأستاذ الرميد، الذي يُعدّ في طليعة الإسلاميين المدافعين عن إمارة المؤمنين؟ أين هو المنكر الحرام في رأي يمكن مناقشتُه كسائر الآراء، بما فيها الآراء التي تعطي لأمير المؤمنين، بغير سند قانوني، سلطات مطلقة لا تصلها يد نقد أو حساب؟

عباءةٌ إسلامية وممارسات استبداديةلقد كرست الممارسة المخزنية مفهوما لإمارة المؤمنين كله استبداد في استبداد، ليس بينه وبين السيرة العمرية الفاروقية العادلة الشامخة إلا التناقض والتنابذ والتباعد؛ ومن المؤسف المؤلم حقا أن نرى كثيرا من الإسلاميين، ومنهم من له ذكرٌ في العلماء والفقهاء، يخضعون لأهواء المخزن في هذا الشأن، ويسيرون مستكينين مستسلمين، وفي بعض الأحيان متحمسين مدافعين، وراء الدعاية المخزنية يرددون مقالات تكرس العض والجبر وتفتل في حبل الظالمين.

يمكننا أن نفهم دواعيَ رجل مخزنيٍّ صريح مثل الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية السابق، حينما يدافع عن صفة هو أول من يعرف أن ليس لها في أرض الواقع شيء من الممارسة يُصدّقها. فأين واقعـُنا المغربي، مثلا، من قول الدكتور المدغري في (الحكومة الملتحية، ص102): “إن إمارة المؤمنين ميثاق غليظ وأمانة عظمى، والتزام كامل بحفظ العقيدة والشريعة والحكم بما أنزل الله، والتقيد بالكتاب والسنة حسا ومعنى”؟ وقوله: “إن ذكر إمارة المؤمنين ليس معناه التمسك بنظام ثيوقراطي أو التمسح بما يُسمّى بالمقدسات وما ترمز إليه من نظام تقليدي تاريخي”؟

أين هو الواقع من أمثال هذه العبارات التي يخطها قلمٌ أعتبره من خدّام الدولة بامتياز. ولماذا أنا، فالرجل نفسه صرح ويصرح دائما بأنه من خدّام الأعتاب الشريفة؟ بل هو الذي انتقد على إسلاميي العدالة والتنمية شعارَهم الإسلامي بأن ذكر أنهم، رغم وصولهم إلى البرلمان، لم يستطيعوا، ولن يستطيعوا إن قدّر لهم أن يصلوا إلى الحكومة، أن يمنعوا الخمور والقمار والربا وغيرها من المظاهر والممارسات والسياسات اللاإسلامية. إذن، يا فقيه المخزن، أين هي، في الواقع، مصداقية أمير المؤمنين الذي “يلتزم كامل الالتزام بحفظ العقيدة والشريعة والحكم بما أنزل الله، والتقيد بالكتاب والسنة حسا ومعنى”، وأنت تشهد بصريح العبارة أن واقعنا بعيد عن تطبيق الإسلام حسا ومعنى؟

دواعي أمثال الدكتور المدغري وأهدافه معلومة ومفهومة، ويمكن أن نجد لها أكثر من تفسير ومبرر. لكن الذي يحيّر هو موقف هؤلاء الإسلاميين الذين لا نجد في تفسيراتهم وتعليلاتهم لتشبثهم ودفاعهم عن إمارة المؤمنين، كما هي في الواقع المغربي، إلا الحجج الواهية والمستندات الضعيفة، كاحتجاجهم بأن هدفهم هو تكريس المرجعية الإسلامية للدولة في مواجهة المنادين بالمرجعية اللادينية، وكاحتجاجهم بأن من مقاصدهم وراء الدفاع عن إمارة المؤمنين، على الصورة التي هي عليها في المغرب مفهوما وممارسة، تثبيتَ شرعية وجودهم ردّا على من يسعى لاجتثاتهم بسبب مرجعيتهم الإسلامية، لأن إمارة المؤمنين تؤمن لهم حماية أقوى مما يمكن أن تؤمنه النصوص الدستورية والتشريعات القانونية. وأدعو القارئ الكريم أن يتأمل في مثل هذه التبريرات والاحتجاجات، وينظر بعمق في مآلاتها على مستوى الواقع السياسي اليوم وغدا.

مفهوم أن يقوم، مثلا، وزير مخزني قحّ كإدريس البصري في إحدى الجلسات البرلمانية في يوم من أيام دجنبر سنة 1995، ويقول بأن القانون يمنع وجود أحزاب دينية، لأن عندنا في المغرب، حسب فهم هذا الوزير المكروه والمنبوذ، أمير المؤمنين على رأس البلاد. لكن غير المفهوم هو أن يسكت بعض الإسلاميين سكوتا يشبه تزكية مقالة الوزير المخزني، بل وجدنا بعضهم يرد على الوزير لكن من غير أن يقترب من إمارة المؤمنين، وهو ردّ وسلوك يثبت ويقوي عضد المقدسات المخزنية.

مفهوم جدّا أن يَردَ في إحدى الخطب الرسمية أن الملك، بصفته أميرا للمؤمنين، هو وحده الذي له الحق أن يجمع بين الدين والسياسة، أما غيره، فإما سياسة وإما دين. لكن الغريب الذي قد لا يفهمه كثير من الناس أن يسكت أصحابُ المرجعية الإسلامية إزاء هذا الخطاب سكوتَ إقرار وتزكية وتسليم. بل أكثر من هذا وجدنا بعض القياديين في حزب العدالة والتنمية، وخاصة بعد امتحان 16 ماي 2003، يسعون إلى التبرؤ، بشكل أو بآخر، من الصفة الإسلامية لحزبهم، وتأكيد هويتهم السياسية الخالصة من شوائب الدين، لعلهم ينالون شهادة الرضا والقبول، وما يزالون إلى يومنا هذا ينتظرون هذه الشهادة.

مفهوم أن يُفسِّرَ فقيهٌ من فقهاء المخزن من أمثال السيد المدغري مفهومَ “المؤمنين” في عبارة “أمير المؤمنين”، بأنه يشمل المسلمين وغيرهم من اليهود والنصارى، أي أن أمير المؤمنين، في الإسلام، هو أمير للمسلمين وغير المسلمين. لكن الذي يصعب فهمه، مهما كانت النيات والتأويلات، هو أن يسكت أنصار إمارة المؤمنين ، وألا يُسجل لهم أي نوع من الرد على هذا التفسير الغريب، الذي لم يتجرأ على مثله، في حدود علمي، كبار دهاقنة الفقه السلطاني على طول تاريخ دول العض والاستبداد.

ومفهوم، أيضا، أن يفسر مخزني أصيل أو هجين ممن رُوّضوا وألحقوا مؤخرا بخدمة المخزن، إمارةَ المؤمنين بأنها تعني، من بين ما تعنيه، أن الملك وحده هو الذي ترجع إليه الكلمة الأخيرة في أمور الناس الدينية والدنيوية فهما واجتهادا وترجيحا وإفتاء. لكن الذي لا سبيل إلى فهمه هو أن يُزكَّى مثلُ هذا التفسير بسكوت المدافعين عن إمارة المؤمنين خشية أن يُرموا بتهمة المس بالمقدسات، ويُطردوا من رحمة “الحريات” التي يتنعمون فيها، ويخسروا، اليوم أو غدا، شهادة حسن السلوك التي هم في أشد الحاجة إليها حتى يذهب خوفهم وتطمئن قلوبهم.

ومن التناقضات المضحكات في هذا الموضوع أن إمارة المؤمنين، عندنا، أصبحت حصنا يحتمي به المتناقضان، الشيءُ وضده؛ فهؤلاء أنصار الدولة المخزنية لا يفتأون يرجعون إلى مفهوم إمارة المؤمنين لتفسير كثير من المواقف والقرارات والسياسات الظالمة تجاه خصومهم من الإسلاميين وغير الإسلاميين. وهؤلاء أصحاب الحقوق من المظلومين من المتشبثين بإمارة المؤمنين، في الجهة الأخرى، لا يزالون، هم أيضا، يطلبون العدل والإنصاف بالاحتماء بالإمارة نفسها التي استند إليها الظالمون في ظلمهم. فأي المفهومين هو الصحيح، مفهوم إمارة الظالمين أم مفهوم إمارة المظلومين؟

ويحضرني في هذا السياق مثال مما سمته الصحافة، في صيف سنة2000، بحرب الشواطئ، وهي إشارة إلى قرارات القمع والمنع التي اتخذتها السلطات المخزنية لمنع وجود المصطافات والمخيمات الإسلامية، وأيضا لمنع الإسلاميين من ارتياد الشواطئ العمومية وإشهار المظاهر الإسلامية فوق رمالها. فقد طرح الفريقُ النيابي لحزب العدالة والتنمية، في جلسة شفوية، سؤالا على وزير الداخلية آنئذ أحمد الميداوي، يتعلق بالظواهر والممارسات المخلة بالآداب والأخلاق العامة التي تعرفها المصطافات العمومية على طول الشواطئ المغربية. وقد استند أصحاب السؤال إلى كون هذه الرذائل الصيفية تخالف إسلامية الدولة المغربية التي على رأسها الملك أمير المؤمنين. وقد ردّ وزير الداخلية بكلام مغرق في البذاءة والوقاحة والتشنج والتعالم والجهل بأبسط أحكام الدين، لكن الشاهد الذي يهمنا من ردّه أنه هو الآخر استند، من بين ما استند إليه، في هجومه على أصحاب السؤال واتهامهم بأنهم يريدون أن يفرضوا آراءهم المتطرفة على المغاربة المتسامحين- استند إلى كون الدولة المغربية دولة مسلمة مؤمنة يقودها أمير المؤمنين…فنحن ههنا أمام أميرين للمؤمنين أحدهما، وهو مُستندُ النواب السائلين من حزب العدالة والتنمية، لا يسمح بالإخلال بالآداب العامة ولا بالسلوكات والمظاهر الماسة بالأخلاق والذوق والحشمة في الأماكن العمومية، ومن هذه الأماكن، طبعا، المصطافاتُ والمخيمات والشواطئ. والثاني، وهو مرجعية الوزير الميداوي، متسامح مع كل هذه المظاهر والسلوكات، متفتح على العصر، معتز بوسطية دينه الحنيف الذي لا يرى حرجا ولا منكرا فيما يطبع الشواطئ والمخيمات من سلوكات ومظاهر وأنشطة ترفيهية ينبو عنها الذوق وتخالف كثيرا من الأحكام والآداب الإسلامية.

فأيهما على حق؟ وأيهما الأولى بالاتباع؟

وبعد، فمفهوم أن تدافع الدولة المخزنية، بقضها وقضيضها، وبكل ما تملك من الوسائل والإمكانيات، عن لقب “أمير المؤمنين”، كما هو في واقعنا المعيش مفهوما وممارسة، لأن القضية قضية حياة هذه الدولة واستمرار نفوذها ودوام سلطانها.

ومفهوم، كذلك، أن يتحول مناضل تقدمي حداثي عقلاني لائكي لاديني إلى مدافع مستميت عن إمارة المؤمنين، لأن قضيته وبقاءه ومعناه إنما هو في مستقبله السياسي الذي بات يهدده الزحفُ الإسلامي بالضربة القاضية. إذن، فلْيقاتلْ العقلانيُّ اللائكي اللاديني تحت راية إمارة المؤمنين الثيوقراطية الماضوية اللاعقلانية، ما دام الهدف المشترك هو استئصال الإسلاميين الظلاميين اللادمقراطيين!!

ومفهوم، أيضا، أن يصبح أخلاطٌ من المثقفين والفنانين والإعلاميين وغيرهم من ذوي الهمم الضعيفة والضمائر المنخورة والأقلام المأجورة، بوقا للدعوة والدعاية لإمارة المؤمنين، لأن القضية عندهم قضيةُ ارتزاق وتكسّب وامتيازات وجوائز واغتنام للفرص.

لكن، ما هي قضية الذين يتشبثون بإمارة المؤمنين كما تمثلها الدولة المخزنية المغربية الحالية ، وما هي مقاصدهم من وراء ذلك، ، ولماذا الدفاعِ عنها والبحث لها عن كل أنواع المبررات وأشكال المسوغات وألوان الاحتيالات الفقهية وغير الفقهية؟ أمِن أجل تأكيد إسلامية الدولة؟ أمْ من أجل كسب شرعية لوجود الذات؟ أم من أجل التصدي لمنافسٍ لائكي لاديني متربص؟ أم من أجل تنبيه الغافلين وإيقاظ النائمين والمُبنّجين والمُخدَّرين؟ أم من أجل إحياء الموتى المقبورين؟ أم هو عملٌ لوجه الله وكفى؟؟

أقف عند هذا الحد حتى لا تطول هذه المقالة أكثر من اللازم.

استأنست في مطلع كلامي بأنوار مشعة وأمثلة مشرقة من أفق سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وانتهيت، في آخر المقالة، إلى ظلمةٍ ظلماء من المفاهيم الاستبدادية المتناقضة والممارسات المخزنية الخانقة. هذا واقعٌ ثقيل، وذلك أفقٌ بعيد، لكنه أفقٌ ليس بعزيز على رجال المستقبل القريب ونسائه، إن شاء الله وأذِن ويسّر ووفق وسدّد.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.