يوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر، يتأكد لكل الناس أن ما يسمى بالعهد الجديد لم يأت بجديد، بل نراه لا يزداد إلا حرصا على الاستمرار في تسويق خطابات لا تُقنع حتى أصحابها.. هذا إذا لم تنزلق لتصبح حديث كل رائح وغاد لما تحمله من غرائب وعجائب..

فقديما برر إدريس البصري (وزير الداخلية الأسبق لمدة ربع قرن) أن الحصار المفروض على الأستاذ عبد السلام ياسين إنما هو حماية له.. وممن ؟! من نفسه!! ونترك للقارئ وللسامع التعليق على كلام شخص مهووس بالسلطة، مقود بالتعليمات، في حق عالم جليل ومرشد رباني حكيم، شهد له أهل التقوى والصلاح من العلماء بذلك..

وكنا نأمل أن مثل هذه السخافات ستذهب دون رجعة مع “الشعارات” التي رفعها العهد الجديد ومناصروه.. لكن سرعان ما أبانت الأيام وتوالي الأحداث أن الأمر لا يعدو أن يكون تسويقا لشعارات فارغة المضمون والقيمة، ولديماغوجية مبتذلة..

وهكذا لم يكن غريبا أن يطلع علينا وزير مكلف بالإعلام والاتصال ـ مع بداية حملة الاعتقالات في صفوف العدل والإحسان على خلفية تنظيم الأبواب المفتوحة التعريفية بالجماعة ـ ليقدم للعالمين درسا في الديمقراطية، فصَّله على مقاس تفكيره الأحادي الإقصائي المنفعي المناقض لمبادئ الديمقراطية.. وكنا ساعتها صنفناه ضمن ” ديمقراطية النبلاء ” بمفهومها القروسطي… وغير بعيد منه خرج وزير الداخلية الحالي ـ وقد فاجأته الأحداث آنذاك ـ على الملإ بحديث سيظل خالدا لغرابته، مفاده: “أنه بتكثيفها لأنشطتها تضع جماعة العدل والإحسان نفسها خارج القانون”!! ولم يقف الأمر بالسيد الوزير عند هذا الحد، بل نجده ـ وبعد نصف عام قضاها ربما في فهم ما قاله وإقناع نفسه به ـ يتهم جماعة العدل والإحسان بأنها تتبنى نهجا تخريبيا، وأن أدبياتها تحض على العنف..!!

وهنا يحق لنا أن نقف مع السيد الوزير على كلامه.. فالمروءة، بله المسؤولية، والموقع الحساس الذي يشغله، يُحتم عليه عدم إطلاق الكلام على عواهنه.. وإلا فأقل ما يُفعل أن يُسأل للمزيد من التدليل تثبيتا للتهمة أو توضيحا لما يحوم حولها.. لذا اسمح لنا، السيد الوزير، أن نُسائلك على مسمع من الناس، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيِي عن بينة:

أي نص من النصوص، سيدي المحترم، استوقفك في أدبيات الجماعة، وجعلك تُطلق حكما بهذا الحجم ؟! اُسرده علينا، ونحن ـ من باب الاعتراف لك بالشهامة والمروءة ـ ننتظر أن تأتي به على الملإ، وتعرض فهمك له.. فالبينة على من ادعى كما هو متعارف عليه عند فقهاء القانون… وإلا فاحكم على نفسك بنفسك..!

وفي انتظار جوابك دعنا نتساءل معك، والمغاربة جميعا والأحداث والوقائع شاهدة:

1- من الذي هشَّم العظام، وأسال الدماء، وشن حملة الاعتقالات الواسعة في اليوم العالمي لحقوق الإنسان (10 دجنبر 2001) أأعضاء جماعة العدل والإحسان الذين لاذوا بإلقاء أنفسهم على الأرض إعلانا عن نبذهم للمقاومة والعنف أم هراوات المخزن التي لم تترك جسدا إلا ونهشته، في إصرار همجي على تلقين الأشهاد درسا من دروس البطش لمن يتطاول ويُمانع؟!

2- من الذي خرَّب المخيمات، التي أقبل عليها الشعب المغربي بكليته، ومن الذي أحرقها (نموذج: مخيم السعادة بالناظور)، وحاصرها (باقي المخيمات الخمسة) في حرب مفتوحة استهدفت حرمان العائلات والأطفال من حق النزهة والترفيه والتخييم = أجماعة العدل والإحسان أم عساكر النظام المخزني التي استُنفرت بشكل هستيري لمحاربة الإنسان الأعزل؟!

3- من الذي انتهك الحرمات، وهدَّم المساجد والمنازل، وأغلق وشمَّع أخرى، واقتحم البيوت وقام بالسطو على الممتلكات على مدى ستة أشهر خلت.. وِمن قبلُ احترف اللصوصية وسطا على المطبعات وما فيها من تجهيزات وكتب تحت جنح الليل أجماعة العدل والإحسان أم مخزن حاقد، مسيَّر بتعليمات استئصاليين لا يحفظون للإنسان إلا ولا ذمة؟!!

4- من الذي خرَّب القيم والأخلاق، ووَأَد معاني المروءة، ودفن الدين، وأقام على قبره شواهد الفساد أجماعة العدل والإحسان أم مخزن متسلط، متتبِّع لكل شريف، مطارد لكل مسلم فارّ بدينه من فتن الفساد والإفساد؟!!

5- من الذي خرَّب كرامة الإنسان المغربي ومرَّغها في الوحل، وألحق بها الذل والعار: خوف وفقر وأمية وتخلف.. ورغبة في ركوب قوارب الموت ومغادرة الديار.. وانحراف ومخذرات.. وبيع العرض من أجل العيش أجماعة العدل والإحسان أم مخزن يرعى الفساد، ويشجع السياحة الجنسية، وينهب البلد، ويستأثر بالثروات؟!!

6- من الذي خرَّب البلاد، وأنهك الاقتصاد، وفقَّر العباد.. وعبث بكل شيء أجماعة العدل والإحسان أم النافذين في الأجهزة المخزنية ومن والاهم من محظوظي العهد الجديد؟!!

من..؟ ومن..؟ تطول بطول الجرائم التي ارتُكبت في حق هذا الشعب المسكين، الذي ضحى وبَذَل من أجل الحرية والاستقلال اللذين لم يلبثا أن تحولا إلى احتقلال واستغلال من طرف من باعوا المروءة واستخَفُّوا بالقيم..

نأمل أن يكون جوابك، سيدي الوزير، للمغاربة واضحا من باب الصدق والعدل والمسؤولية.. وأن تكون اعترافاتك صادقة (ولا يهم أن تكون ضدنا).. عليك فقط أن تبرئ ذمتك مع الله، وأن ُتنقذ آخرتك من الخراب.. فالكذب مِعول الخراب!

ونستسمحك في أن ننتقل لمطارحة “دكتور عالم” صحِب العارفين بالله..! وأخذ عنهم علم تزكية النفوس، ومراقبتها، وتحصينها من المزالق والمهالك.. نُطارحه سؤالا واحدا:

هل كنت، سيدي، صادقا مع نفسك في عرض السبب الحقيقي، والعدد الحقيقي، والظروف الحقيقية وراء عزل الأئمة والخطباء في عهد تولِّيك وزارة أمرُها مرتبط بالدين ؟

نترك لك أن تُجيب نفسك.. ولا تنس أن تردفه بالدعاء بالثبات على الحال إن كان الجواب بالإثبات.. أو بالتوبة التي نتمناها ونرجوها لنا ولك إن كان الجواب بالنفي..!

أما نحن فلنا في تناقض كلامك وتصريحك، وفي هشاشة تبريراتك أكبر دليل على ما آلت إليه قيم وأخلاق القائمين على أمر هذا البلد.. وما أنتجه التسلط من مواقف تعلن بذاتها عن بوار القيم، وفساد الأنفس والذمم..!!

نسأل الله لنا ولكم العفو والتوبة.. آآآآآمين.

وآخر دعوانا: “قل رب احكم بالحق، وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون” صدق الله العظيم.