1- تنبيه لا بد منه.قبل الإشارة إلى مقتضى هذه التأملات يجدر التنبيه إلى كون البعض سيقول: إن الناس قد أصدروا نداء وهاهم يتأملونه هم أنفسهم ولربما لن يكون له كبير اهتمام عند النخبة والمفكرين!!. والجواب بكل موضوعية كالتالي:

إن الجماعة على وعي تام بأمرين اثنين لهما ارتباط بالموضوع، الأول: إن طبيعة النظام السياسي من المستحيل أن تتحول إلى نظام ديموقراطي حقيقي، وليس هناك أي مؤشر واضح على أن هذا التحول ممكن، مما يعني أنه سيرد بعنف سياسي إعلامي أو مادي على مضمون النداء، وهو ما سيرعب النخبة غالبا. والثاني: إن النخبة السياسية المحترفة غارقة في وحل ارتباطات وامتيازات وعلاقات داخلية وخارجية تمنعها من أن تخوض بوضوح في مناقشة اقتراح جذري يرجعها إلى حضن الأمة من حيث هي متابعة ومراقبة ومحاسبة بشفافية وضوح. ولذلك لم يعر النداء النخبة السياسية المحترفة أو أشباه المفكرين العضويين الذين لا يعرفون للتواصل طريقا ولا إلى الإذعان للحق مسلكا. وإنما يتحدث النداء مع الغيروين الذين لم تدنسهم السياسة السياسوية والمفكرين الصادقين الذين أبعدتهم السياسة السياسوية وطردتهم شر طردة لغيرتهم الصادقة على الحق والوطن، والصالحين والصالحات الذين لم يدجنهم نظام بنى وجودهم على التدجين والتسخير. فالنداء ابتداء متجه بوضوح إلى الفضلاء سواء كانوا داخل الأحزاب من حيث هم أشخاص، وإلى الصالحين سواء كانوا أشخاصا أو مؤسسات، وإلى العلماء العاملين والصامتين الذين لم تسعفهم الظروف أن يقولوا كلمة الحق أو حتى إن قالوا ضدها قهرا وجبرا. فالأمة أحوج ما تحتاج إلى علمائها ورجالاها في كل المجالات والقطاعات.

وهذان الأمران سيمنعان من أن يكون النداء موضوع نقاش واسع في الحقل السياسي والفكري والمجتمعي في اللحظة المعيشة، على الرغم من جديته ومصداقيته وموضوعيته وحاجة الجميع إليه.

فهذا المعطى الموضوعي لم يمنع الجماعة من الإصرار على هذا العرض للنداء لكونها تعي جيدا المستقبل وما يجب أن يكون تهيئا له تفاديا لما تعيشه مجتمعات غيرنا “قبل فوات الأوان” كما جاء في النداء. لذلك فالنداء حركة كلية في الواقع المغربي لأجل صناعة عناصر الميثاق الجامع في المستقبل المنظور. إنه وعي سياسي استراتيجي كبير بلغة السياسيين المناضلين، وإنه حكمة ونور عظيمين بلغة الربانيين الجامعين.

2- مقدمات النداء ومنطلقاته.كان تقديم النداء في سياق عرض السيد الأمين العام عبد الواحد المتوكل لكلمته أمام المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان، التي ركز فيها على تقييم الوضع العام بالمغرب، حيث يجمع الكل على مأساويته في جميع المجالات والقطاعات، وأن هذا البلد الحبيب على مشارف الانهيار السياسي والاجتماعي الشامل بين يدي إصرار الدولة/النظام والنخبة المتحالفة معها على وضع الرؤوس في الرمال والهروب إلى الأمام في محاولات يائسة للتعتيم وتقديم الصورة إيجابية للداخل والخارج، في حين أن نار الواقع يكتوي بها الداخل ويطلع عليها الخارج الذي لا يفتأ يقدم تقارير تعنى بالواقع المغربي محذرة من مآلاته.

إن كلمة السيد الأمين العام، مع كلمة الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين للحاضرين، تؤشر على طبيعة اللحظة التاريخية التي تمر بها الأمة. وشعورا بالمسؤولية، ودفعا بالوضع المغربي في اتجاه الخروج من النفق الذي أدخلت فيه سياسات الدولة/النظام والنخبة المتحالفة معها المجتمع والإنسان المغربيين، كان هذا النداء الذي لم يفعل إلا أن أعاد عرض ما آمنت به الجماعة ابتداء للخروج من الأزمة؛ وهي فكرة الميثاق الجامع، لكن الجديد الذي تميز به النداء كونه صادر في لحظة كثفت فيها الدولة/النظام من حملة القمع والتشويه والحصار على الجماعة بين يدي انغماس أغلب الفاعلين السياسيين في هموم انتخابات 2007 على قواعد نظامية لا تلقي بالا بهموم المواطن المغربي اليومية، وبين يدي مستقبل البلاد، مع إصرار الدولة/النظام في تبني خيار العنف المادي والمعنوي في معالجة القضايا المصيرية.

فالنداء العارض لضرورة العمل على التأسيس لميثاق جامع، ينقد البلاد من الانهيار الكلي الذي لا يبقي ولا يذر، يعبر عن وعي دقيق بالمرحلة والجرأة في معالجتها وتمريضها. ولذلك فقد بني على مقدمتين:

المقدمة الأولى: كون سياسات الدولة/النظام والنخبة المتحالفة معها أدت إلى واقع فسيفسائي

– على المستوى السياسي: خريطة سياسية فسيفسائية لايمكنها أن تصنع أية قوة في أية لحظة، خاصة في اللحظات الحرجة كما هو الواقع اليوم، سواء على مستوى تقديم بديل سياسي، أو حماية الوطن من ردود فعل سياسية عنيفة تشيع العنف والفوضى في البلاد.

– على المستوى الاجتماعي والمجتمعي: لا يمكن لأية قوة اجتماعية أن تشكل عنصر قوة ناقدة ومنظمة للأمة لتفادي ردود أفعال اجتماعية عنيفة ومدمرة. وكذلك واقع ما يسمى بالمجتمع المدني الذي يتضمن بعض النداءات الصادقة وإن على فسيفسائيتها، لكن يمكن أن تصبح عنصر فعل إيجابي بشكل كبير في حال توفر الشروط الصحية من قبيل جو المسوؤلية والميثاق الجامع.

– على المستوى الفكري: نجد تمزقا واضحا في الفكر لا من باب التنوع، لكن من باب كون عملية التفكير، عموما في المغرب، لم تستطع أن تخترق وتحل معضلة تعقد الوضع السياسي والاجتماعي أمام فعل الدولة/النظام التاريخي الذي عقد الواقع السياسي أيما تعقيد.

– على المستوى الإرادي: لاشك أن في البلاد رجالا تواقون للتغيير والإصلاح، لكن تشتت الإرادة لم يعط لهذه الفعاليات، أشخاصا ومؤسسات، الجدوى والفاعلية والموقع اللازم للفعل الصحيح.

وبناء على هذا الواقع الفسيفسائي المنضاف إلى الوضع الاقتصادي والاجتماعي الكارتيين، وبين يدي البيع بالجملة والتقسيط لخيرات البلاد وأراضيها للأجنبي، ونهبها من طرف مافيا الفساد والإفساد، كان لابد لتنظيم مثل تنظيم العدل والإحسان الذي يحمل مشروعا كبيرا أن يتقدم باقتراح جامع في لحظة دقيقة من تاريخ الأمة. ولهذا كان النداء في هذا التوقيت، وكان بذلك الخطاب الذي لم يترك أسلوبا في التبليغ والبيان إلا استعمله.

المقدمة الثانية: أن العلاج لا يمكن أن يكون بمصدر المرض، وهو المتعلق بطبيعة الحكم ونظامه السياسي، لذلك اقتضت المسؤولية والوضوح وعيا بطبيعة اللحظة واعتبارا للمستقبل المنظور، الإقدام على البحث عن جبهة واسعة على قاعدة ميثاق جامع يخلص الأمة من قبضة حكم “عفى عليه الزمن”، والتأسيس لأسلوب جديد في الحكم يكون رائدا على المستوى العربي والإسلامي، بل والعالمي، في التغيير والإصلاح وإدارة عملية التدافع السياسي والمجتمعي. ومنطلق ذلك ميثاق جامع قبل فوات الأوان.

3- الأهداف والمقاصد.من خلال النداء يمكن رصد ثلاثة أهداف.

أ- جمع الإرادات الصادقة والغيورة على البلاد والعباد، على أرضية واضحة ومسؤولة تكون فيها الأمة متابعة ومشاركة ومسائلة؛ أي هي الفيصل.

ب- إنقاذ البلاد من وضع طبيعته الفساد والإفساد السياسي المادي والخلقي، ومن الانهيار الشامل الذي أتبتت التجارب أنه فرصة مواتية لينقض العدو والخصم على الأمة وخيراتها ويجزؤها تجزيئا أفظع من صورة التجزؤ القائم اليوم.

ت- السعي إلى استقامة النقاش والحوار السياسيين والفكريين في البلاد حول القضايا المصيرية وعدم إلهاء الشعب في “معارك هامشية”.

أما المقاصد العليا التي يسعى مضمون الميثاق وحركته تحقيقها على أرض الواقع بعد صناعة الوعي الكامل بها وبضرورتها المصيرية، فيمكن رصد مقصدين ساميين:

أ- الحرص على أمن واستقرار البلاد والعباد: فالسياسيات الحالية لن تفضي إلا إلى ردة فعل مجتمعية عنيفة، كما سلفت الإشارة، وفي حالة حصول هذه الوضعية الكئيبة، فلن يكون الخاسر إلا الجميع ولن يكون الرابح إلا الخصوم والأعداء للوطن والبلاد ومصيرهما. لذلك كان النداء إلى جبهة واسعة تجمع الكلمة وتوحد الصف لمواجهة معضلات الواقع وتحديات المستقبل.

ب- توحيد الصف المغربي خدمة للواقع المغربي وخدمة للأمة العربية والإسلامية. فلا أحد يستطيع أن يدعي أنه القادر وحده على معالجة الواقع وبناء المستقبل، فهذا ادعاء أحمق أو من لا يهمه المستقبل الجامع، وإنما يريد إقصاء الغير لينفرد بتحقيق مآربه ثم ما بعده الطوفان ولا يهم.

فتلك الأهداف وهذه المقاصد مبنية على غايتين إحسانيتين في تصور جماعة العدل والإحسان. الأولى: دنيوية ابتداء وأخروية انتهاء، وهي ضرورة بناء نظام عالمي آمن ومستقر ومطمئن لصالح الإنسانية، وليس بعزيز على المغاربة أن يساهموا كما ساهموا من قبل، في بناء هذا النظام والسعي لخدمة الإنسان والإنسانية. أما الثانية فهي أن جماعة العدل والإحسان لا تبغي بذلك مزايدات سياسية أو مناورات انتخابوية، وإنما غايتها رضى الله عز وجل. وتلك قمة الشعور بالمسؤولية العظمى الملقاة على عاتق الدعوة في زمان صارت فيه الأمة قصعة شهية بين يدي أعدائها وخصومها المتربصين بها.

4-خاتمة:إننا بهذا إزاء اقتراح جامع يؤسس لتجربة رائدة في العمل السياسي والمجتمعي وفي إدارة التدافع والصراع والحوار والنقاش. ولتظهر القيمة نتأمل ما يجري في بلاد المسلمين اليوم من صراع حاد بين أبناء الوطن الواحد؛ من أفغانستان والعراق إلى فلسطين ولبنان والباقية تأتي لا قدر الله ما لم نشمر على ساعد الجد ونسعى جميعا بإرادة جامعة لبناء ميثاق جامع ومسؤول نستشرف من خلاله العلاقات الداخلية والخارجية في المستقبل المنظور ويمرض المرحلة الانتقالية على وعي بكل تبعاتها وارتباطاتها استعدادا للحظة آتية حتما حتما؛ فلن يبق شباب المسلمين مكتوفي الأيدي أمام غطرسة المستكبرين ونهب خيراتهم أمام أعينهم وحرمانهم من أبسط حقوقهم في العيش فضلا عن أن يقوموا بوظيفتهم التاريخية في خدمة الإنسانية. ولن يبق شباب المسلمين مكتوفي الأيدي أمام تمادي الحكام في اللعب بمصائر الشعوب وإراداتهم. ولذلك فإن البحث عن اختيار جامع ومستوعب ومسؤول يعطي للأمة حقها ويبين واجب الجميع ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة. ولابد من اللقاء لصياغة تفاصيل حركة الميثاق ومضامينه، والله غالب على أمره.