إن موقفهم من السلطان ومن الحكام، ملوكا أو ولاة، يبدأ بالاستغناء المطلق عنهم .. فكل ما بأيديهم من نفوذ، وجاه، ومناصب وأموال، أشياء ودّعها “أهل الله” من زمان بعيد وكبّروا عليها تكبيرات الموت، ولم يفقدوا الرغبة فيها وحسب .. بل صارت ذات رائحة كريهة تملأ نفوسهم بالغثيان..

بل أكثر من ذلك رأينا الكثير منهم رضي الله عنهم، لا يهرب من الوباء القاتل الكاسح حين ينزل بلدا هم فيه .. بينما أخبار هروبهم من المناصب الكبرى التي تُفرض عليهم ومن العطايا التي يرسلها الحاكمون إليهم، بل ومن المودة الملحفة التي يعرضها عليهم الأمراء .. أقول إن أخبار هروبهم من ذلك كله تزدحم بها كتب التاريخ، هم الذين لم يكونوا يهربون من الأوبئة الفاتكة الماحقة.

واستغناؤهم عن الأمراء وعما في أيديهم يتمم لنا  كما قلنا من قبل  صورة الزهد الذي اختاروه لأنفسهم.

ولنطالع هذا النبأ وبطله “صفوان بن سليم”:

“قدم سليمان بن عبد الملك المدينة وأم مسجدها فرأى في زاوية من المسجد رجلا يصلي، فبهره سمته فسأل عنه، فقيل له: إنه صفوان بن سليم.

فأمر تابعه أن يذهب إليه بكيس فيه خمسمائة دينار.

ووقف التابع بعطاء الخليفة أمام صفوان وقال له: إن أمير المؤمنين يرسل إليك هذه.

فعجب صفوان وقال له: لقد أخطأت يا ولدي لست أنا الذي أرسلك إليه..

قال صفوان: إذن فاذهب واستوثق منه مرة أخرى ..

وعاد التابع صوب (الخليفة)* الجالس هناك في ركن قصي من المسجد..

وعندئذ تسلل صفوان من المسجد، واختفى من المدينة كلها .. ولم يظهر بها إلا بعد أن غادرها “الخليفة” سليمان!!

هذا نبأ يغني عن أنباء كثيرة، لنرى كيف، وإلى أي مدى وبأي الدين لا يكاد يضاهيه نقصان..

ها هو ذا “جعفر الصادق” رضي الله عنه يقول:

“الفقهاء أمناء الرسل، فإذا رأيتموهم يقرعون أبواب السلاطين فاتهموهم”..

وهذا ميمون بن مهران يقول: “لا تعرف الأمير. ولا تعرف من يعرفه”.

وهذا سعيد بن المسيب يقول: “لا تملؤوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا وقلوبكم منكرة

حتى لا تحبط أعمالكم”..

ولكن، لماذا يتَوقّون القرب من الخلفاء والأمراء والوزراء كل هذا التوقي، ولماذا يهربون منهم كما لو كانوا ذئابا ستخطف منهم إيمانهم، وتقواهم.

إن “أبا حازم سلمة بن دينار” رضي الله عنه يعطينا لذلك تفسيرا.

لقد كان “الزهري” إلى جانب صلاحه وتقواه عالما كبيرا وفقيها ومحدثا.. وكانت له بين الناس مكانة العلماء الهداة .. وكان موضع احترام عبد الملك بن مروان  ولقد بادله الزهري هذه المودة فكان يزوره ويحضر مجالسه .. ولم يشفع صلاحه ولا خلقه لدى “أبي حازم” وكان الزهري يجله إجلالا كبيرا .. فكتب “أبو حازم” إليه يقول في رسالة مطولة، نقتطف منها هذه الفقرات:

“عافانا الله وإياك أبا بكر من الفتن، ورحمك من النار، فقد أصبحت بحال يبتغي لمن يعرفك بها أن يرحمك منها….

لقد أثقلتك نعم الله عليك. بما أصح من بدنك، وأطال من عمرك، وفقهك في دينه..

اعلم أبا بكر أن أدنى ما ارتكبت وأعظم ما احتقبت**، أنك آنست الظالم، وسهلت له طريق الغي، بدنوك منه حين أدنيت .. وإجابتك له حين دعيت ..

لقد جعلوك قطبا تدور رحى باطلهم عليك، وجسرا يعبرون عليه إلى ضلالاتهم وإعلالاتهم*** ..

يدخلون بك الشك على العلماء، ويقتادون بك قلوب العامة إليهم ..

وما تبلغ من نفوسهم مكانة أخص وزرائهم وأقوى أعوانهم، إلا بقدر ما تروج لفسادهم، وتسوق الخاصة والعامة إليهم ..

فما أهون ما عمروا لك، في جنب ما خربوا عليك ..

وما أقل ما أعطوك؟ في كثير ما أخذوا منك!.”

بهذه الكلمات التي تشرح نفسها ولا تحتاج من الإيضاح لمزيد، يفسر “أبو حازم” موقفهم الصارم من صحبة الحكام، بل ومن مجرد معرفتهم ..

ترى، هل يمكن لمن هذا موقفه من زيارة السلاطين والولاة. أن يقبل ولو بجدع الأنف أن يكون سلطانا، أو واليا؟

لا .. ودون ذلك كل ما بين نواجذ الهول من آلام..!

لقد كانوا يجلدون، ويسجنون، وينفون .. مؤثرين ذلك كله على قبول المناصب التي تهالك الحمقى عليها تهالك الذباب.

انظروا .. هذا “ميمون بن مهران” يقول:

“وددت أن إحدى عيني ذهبت وبقيت الأخرى بها، وأني لم أتول ولاية قط..

قيل له: ولا لعمر بن عبد العزيز؟

قال: ولا لعمر بن عبد العزيز!”

إنه نادم على بضعة أيام قضاها واليا يمضي على صراط مستقيم، وإنه يؤثر ذهاب بصره إلا شعاعة تبقى ليبصر بها طريقه بين داره والمسجد، على أن يكون واليا .. حتى لعمر بن عبد العزيز .. الذي هو “عمر بن عبد العزيز” ولا نزيد!!

وهذه صورة أخرى لقديس آخر، بطلها “أبو وائل شقيق بن سلمه” .. يقول “المعلى بن عرفان”:

“كنت مع أبي وائل حين جاء رجل فقال له:

إن ابنك قد عين واليا على السوق، فقال: والله، لو جئتني بنبإ موته لكان أحب إلي..

لقد كنت أكره أن يدخل بيتي من ولي لهم عملا”.

ولقد عين أحد أبنائه “قاضيا” فقال لخادمه يوصيه: “إذا جاءك ابني بشيء فلا تقبله منه”!!

كانوا  رضي الله عنهم أجمعين – يستعذبون العذاب في سبيل ألا يطوقوا بمسؤوليات مناصب يعلمون تمام العلم أنهم لن يستطيعوا أن يرفعوها إلى مستوى ورعهم وتقواهم .. ومن ثم حق لهم أن يتركوها وينبذوها.

بل  ويا عجبا  لم يكن بعضهم يرى في هذه التضحية حتى مجرد فضيلة ومثوبة .. بل كان ينظر للألم الذي ينزله به تعذيب الطغاة تذكرة وذكرى لعذاب النار يوم القيامة!!

ولندع “الزهري” يقص علينا هذا النبأ عن “زين العابدين علي بن الحسين” عليه وعلى أبيه وأهله صلاة الله وسلامه..

لقد كان “عبد الملك بن مروان” قد استدعاه من المدينة إلى الشام ليقيم بجواره، ورفض .. فحمله الحرس بالقوة وأثقلوه بالحديد. وقبل رحيلهم به طلب “الزهري” أن يزوره .. وكانوا يعرفون مكانته عند “عبد الملك ” فأذنوا له .. ولندعه يكمل النبأ العجيب:

” .. دخلت عليه وهو في قبة .. والقيود في رجليه، والغل في يديه فبكيت ..

وقلت له: وددت أني مكانك ولا يصيبك مكروه ..

فقال لي: يا زهري .. أتظن هذه السلاسل تكربني؟ أما أني لو شئت ما كان من ذلك شيء ..

ثم هز يديه فانفرج الغل .. وهز قدميه فتفسخ القيد ..

وعاد يقول: ولكن دعها تذكرنا عذاب الله!!”

هذا القديس الأعزل، يدخل على عبد الملك بن مروان ذات يوم ويمكث معه لحظات، ثم ينصرف، فيتنفس عبد الملك الصعداء ويقول لمن حوله:

“والله لقد امتلأ قلبي منه خيفة”!!

ولقد كان من أولئك الأبرار من يرفض تلك المناصب بالحيلة والدهاء، حتى ينجو من التعذيب الذي يتعرض له الآخرون ..

فهذا “يزيد بن مرثد” أراد الوليد بن عبد الملك أن يوليه عملا .. ورأى أن قد أحيط به فماذا يصنع؟ .. إنه لا يحتمل عذابهم ولا سجونهم. وفي الحيلة متسع للهروب.

وهكذا جاء بجلدة خروف مدبوغة وكساها ظهره جاعلا الجلد على الظهر والصوف خارجه .. وسار في الطرقات بلا قلنسوة ولا نعل. متظاهرا بالجنون. حتى نقلت أنباء علته هذه إلى الوليد فولى غيره .. وبعدها شفي الشيخ من الجنون!!

وقد يكون وجود الأمويين على رأس السلطة يومئذ من الأسباب القوية لرفض الصالحين من عباد الله ولاية المناصب الحاكمة.

بيد أن ذلك لا ينفي أبدا وجود ذلك العزوف بل ذلك الرفض للسلطة أيّا ما تكن قمة الهرم فيها  أموية .. أم عباسية ..

ألم نسمع من قريب قول قائلهم:

” … ولا لعمر بن عبد العزيز” …

ثم لقد كانوا كذلك في غير عصر الأمويين..

فلماذا كان ذلك كذلك؟ وبم نفسر ذلك الرفض المستمر؟؟

ها هي ذي عبارة تفسره بعض الشيء، يقولها “مكحول الشامي”:

“لأن يضرب عنقي، أحب إلي من أن أَليَ القضاء ..

“ولأن ألي القضاء، أحب إلي من بيت المال” ..

فمن روح هذا الرأي الحكيم نرى رجلا لا يهرب من المسؤولية، وإنما يهرب من احتمال الخطأ فيها.

إنه في القضاء عرضة لأن يخطئ في حكم أو تلتبس عليه الأمور.. وذلك عنده أمر أهون منه الموت، حتى وهو يعلم أن من اجتهد وأخطأ فله أجر!!

ولكن إذا لم يكن من الولاية بد، وكان له الخيار. فالقضاء أحب إليه وأيسر عليه من بيت المال.

والأمر في هذه المفاضلة راجع إلى تقديره.. والذي يعنينا هنا ما يفيئه عليها حديثه من تفسير لجزعهم من أن يكونوا ولاة وحكاما

وهنا سؤال يُواجهَون به لا محالة .. فإذا ترك الصالحون الورعون أمور الحكم، ففي يد من ستسقط؟ .. في يد الآخرين الذين ليسوا بصالحين. ولا ورعين طبعا، فهل بهذا الموقف يكون “أهل الله” قد خدموا القضية التي يعيشون من أجلها؟.

وفي تقديري أنهم بادئ ذي بدء لا يرفضون هذا السؤال فحسب، بل ويرفضون الحق في توجيهه.

فكما أن ورعهم وتقواهم لا يؤهلانهم  بالضرورة- لأن يكونوا أطباء أو مهندسين مثلا، فكذلك لا يؤهلانهم لأن يكونوا حكاما.

لقد خصص أولئك الأبرار وتبتلوا لغاية أبعد ما تكون عن الحكم ومشاكله.

ثم إنهم لا يقبلون ولو أنزل بهم كل عذاب أن يتخلوا عن ذرة من ذلك التفوق الروحي الذي أحرزوه.

إنهم يمارسون مسؤولياتهم عن أنفسهم في مستوى عال من الورع .. وبالتالي، فحين يحملون مسؤولية تجاه غيرهم من الناس فلابد أن يحتفظوا بذلك المستوى لأنفسهم على الأقل إذا لم يستطيعوا أن يرفعوا إليه الذين سيلون أمرهم.

وهذا موضع شكهم الكبير  لاسيما في العهود التي عايشوها .. أيام الأمويين والعباسيين، حيث فتحت الدنيا على الناس كل مباهجها وفتنتها وخطاياها.

ولقد رأينا كيف كان بعض أصحاب رسول الله يهربون من مناصب الولاية في عهد “عمر بن الخطاب” إمام الأئمة في ورعه وعدله وتقواه .. أفيُلام الذين يهربون منها بعد أن تحولت الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض؟!

*نضعها بين قوسين حصرا للتزوير وتنبيها للكذب الذي طال تاريخ الأمة فالأصح أن يقال ملك

** تقول العرب احتقب الإثم احتمله واكتسبه

*** الإعلالات والاعتلالات من اعتل إذا تمسك بحجة ومنه إعلالات الفقهاء