السيدا.. ذلك المرض الذي يهدد الإنسانية في وجودها، لم تفلح معه لا المؤتمرات ولا القرارات، وضعيته تزداد تعقيدا سنة بعد سنة، وعدد المصابين به يتضاعف يوما بعد يوم، ولفئة الشباب الذين يتراوح سنهم بين 20 و 24 سنة النصيب الأوفر، يليهم الفتيان من 15 إلى 19 سنة، بمعنى أن مستقبل الإنسانية وحامل لواءها أفواج من المصابين بداء يقلب حياة الإنسان رأسا على عقب، في نفسيته وقدراته وملكاته وطموحاته وآماله ونظرته للمستقبل، فيهجم عليه الإحباط والتذمر والخوف القاتل ويفقد طعم الحياة والرغبة في التفكير أو التخطيط، فكيف نتصور غد البشرية ؟؟

وإذا كانت خطورة هذا الداء تحتاج إلى حملات مفتوحة وتعبئة شاملة، فإن المعنيين في المغرب، وكعادتهم، ينقصهم كثير من الصدق والجدية والحنكة لتدبير هذا الملف والحد من انتشاره، ويتضح ذلك على المستوى الشكل كما على مستوى المضمون.

فعلى مستوى الشكل يلاحظ المتتبعون والمرضى المعاَلَجُون، أن الموسمية القاتلة سمة حملات التوعية، حيث يُنتظر اليوم العالمي للسيدا من كل سنة لكي تنظم الندوات التحذيرية وتطلق الوصلات الإشهارية وتجمع التبرعات الخيرية، ثم يفسح المجال بعد ذلك وعلى مدار السنة لفراغ مخيف إلا من أنين المرضى وتأوهاتهم في صمت رهيب تفرضه عليهم طبيعة المرض ونظرة المجتمع له، كما يفسح المجال للوافدين الجدد على “نادي حاملي الفيروس”، ليتوج المغرب على رأس الدول العربية في ما يخص عدد الأشخاص حاملي السيدا. الأمر الذي يدفعنا إلى مساءلة مضمون هذه الحملات ومدى نجاعته.

فإذا كانت 74% من الإصابات في المغرب  حسب وزارة الصحة  تحدث لأسباب جنسية، وإذا كانت نسبة نجاح الوقاية باستعمال العازل الطبي، وهي الوسيلة الوقائية الوحيدة المعتمدة، غير مضمونة 100%، فلماذا هذا الإصرار على اعتماد نفس الإستراتيجية رغم ثبوت فشلها ؟؟ أليست الممارسات الجنسية غير الشرعية سببا في هذا الداء البغيض؟؟ فلماذا نغطي الشمس بالغربال ونشتكي من أشعتها ؟؟؟

إن هذا السؤال يبدو بليدا لمن تابع حملة القناة الثانية ، على سبيل المثال لا الحصر، ضد هذا المرض، فقد افتتحت حملتها هذا الموسم باللقاء الحواري مع اللوطي “عبد الله طاي” ليتحدث من ضمن ما تحدث عنه عن مغامراته الجنسية المثلية، طبعا كان ذلك باللغة الفرنسية لإيحاء تدريجي بأن الأمر لا يخص أصحاب الثقافة العربية “المتزمتة”، لتعود بعد ذلك بنوع من النفاق الإعلامي، لتناقش في برنامج “مباشرة معكم” ضرورة الخروج من طابو السيدا وعدم الربط المباشر بين المرض وبين الجنس، وتختم طرحها بعرض فلم يحمل عنوان “فلم ثقافي” يدعو الشباب إلى التوقف عن مشاهدة الأفلام الإباحية وتعويض ذلك بالعلاقات غير الشرعية لتفريغ “مكبوتاتهم الجنسية”. إن قناتنا غير المحترمة ترمي بمجتمعنا في بحر لجي من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض. والحقيقة أن حملة القناة الثانية لا تختلف عن مثيلاتها من حيث الجوهر: دعوة للحرية الجنسية من زنا ولواط واستعمال للعازل الطبي، وهي بذلك ليست بدعا من موجة الإباحية العالمية.

إن الحملات التي تنظمها الحكومة و الجمعيات المدنية والتي تستغلها بعض الأقلام الصحفية لصناعة رأي عام في مسألة الجنس/ الزنا بدعوى حقوق الإنسان، تحتاج إلى تغيير في الخطاب، حيث يتوجب عدم استنساخ نفس الوسائل الغربية، إننا في حاجة إلى خطة جادة، وشاملة، تحترم خصوصيتنا، وتوظف مثلنا الاجتماعية لأنها الأقدر على الإقناع، ذلك أن جهود المكافحة والوقاية ينبغي أن تكون متكاملة ومتساندة ليس بينها تناقض أو تضارب. فإذا كانت الممارسة الجنسية (أقصد الزنا) من أهم مسببات هذا المرض فينبغي محاربة كل الطرق الموصلة إليها. فلا معنى لمحاربة سلوك وفي الوقت نفسه تسهيل أسبابه. ينبغي أن تكون الوسائل والغايات منسجمة، عدا ذلك فإن النفاق والتناقض السلوكي سيؤدي إلى تصادم القيم والمبادئ مع الوسائل والأعمال والغايات.

إن السلوك الإنساني ليس فعلا أو أفعالا مفتتة. لكنه منظومة متكاملة من السلوكيات. وسواء كان العمل إصلاحيا أو علاجيا أو وقائيا فينبغي له تَفَهُّمَ تعقيد السلوك الإنساني. فالطاقة الجنسية هي طاقة أساسية ذلك أن إشباعها يعد من ضرورات الجسد، وهذا يشترك فيه الإنسان مع الحيوان، كما أن حرارتها وإلحاحها الدائم يخبئ خلفه سنة المحافظة على النوع، وهذه يشترك فيها أيضا الإنسان مع الحيوان، لكن الإنسان يتميز بمشاعره السامية وتحضر يبني العلاقات الاجتماعية على أساس من المواثيق الغليظة التي يشهد عليها الله ورسوله. وبذا يمتزج القانون الأخلاقي بالقانون البيولوجي بحيث يصبحان وجهين لعملة واحدة، وعاملين متكاملين يدفعان الإنسان نحو توازن الذات، فالفرد الذي يسمح بالتعبير المطلق عن اندفاعاته الجنسية لن يجد في الحياة سلاما، لأن كل فعل إنساني يبنى على تركيب الأبعاد الجسدية والنفسية والاجتماعية، وكل مذهب في معالجة السلوكات الإنسانية يغفل عن ذلك فهو يغفل مبدأ إنسانيا أساسيا، وعلى هذه الصخرة سوف يتحطم، لذلك لا بد من استراتيجية تجاه الطاقات الجنسية لإنشاء الذات المنتظمة التي تصقل الإرادة كي يتم ضبط الغرائز وتنظيمها.

وختاما إن الإسلام العظيم قد وضع منهاجا واضحاً لحماية الإنسان وصحته من أخطار الأمراض الجنسية المدمرة، والذي يتمثل في كلمتين: العفة والإحصان وتتمثل العفة في طهارة القلب من وساوس الشهوات ويتحقق الإحصان بتعميق الإيمان وتقوى الله ومراقبته. فالحمد لله الذي هدانا للإسلام وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله والحمد لله الذي من علينا برسول من أنفسنا ليعلمنا الكتاب والحكمة ويزكي نفوسنا بمنهج خالقنا طهرا وعفافا، قال تعالى: (لَقَدْ مَنّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مّبِينٍ) آل عمران 64.