بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف المخلوقين وإمام المرسلين

سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.

إخواني الكرام، أخواتي الكريمات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،

فباسم الله وعلى بركة الله نفتتح دورة المجلس القطري للدائرة السياسية والتي ستستمر أشغالها لمدى يومين، السبت والأحد السابع عشر والثامن عشر من شهر ذي القعدة سنة 1427هجرية الموافق للتاسع والعاشر من دجنبر عام 2006، بعد أن مضى عام وبضعة أيام من الولاية الثالثة من عمر هذا المجلس، باركه الله، وأحاط أشغاله بكمال التوفيق والسداد.

نرحب بكل الإخوة والأخوات الذين شرفونا بحضورهم في هذه الدورة، الإخوة في مجلس الإرشاد، والأخوات الزائرات، ومسؤولي الأقاليم، والضيوف الكرام، وكذلك الإخوة والأخوات الذين يلتحقون بهذا المجلس لأول مرة. نرحب بالجميع في هذه المناسبة التي نرجو من المولى الحنان المنان أن تكون فاتحة لمرحلة جديدة تنفرج فيها كرب هذه الأمة، وتنجلي عنها المحن والإحن، ويتولى أمورها خيارها لا شرارها، وأن يدفع عنها مكر الأعداء والحاسدين، آمين.

وبهذه المناسبة أيضا وباسمكم جميعا نبارك لأستاذنا المرشد حفظه الله سكناه الجديد. نسأل الله له مقاما سعيدا وعمرا مديدا في طاعة الله ومرضاته، وأن يحقق رجاءه ويبارك فيما غرست يداه آمين.

إخواني الكرام، أخواتي الكريمات:

لقد تميز هذا العام الذي نودعه بأحداث جسام كان الإسلام والمسلمون مرة أخرى محورها الأبرز، والمادة الأولى في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، والقضية الأهم في كثير من اللقاءات السرية والعلنية، والموضوع المفضل في عدد من الندوات الفكرية، المحلية والدولية. ومرة أخرى كان المسلمون هم الضحية السهلة التي يسيل لها لعاب الطامعين ويهرع إليها جموع المستكبرين.

في العراق عنف ودمار، ودماء تنزف بفعل احتلال غاشم زعم أنه جاء لينقذ أهل العراق وينشر فيهم الحرية والديمقراطية، فإذا به يزج بهم في بحر من الفتن اختلط فيها الحابل بالنابل، وكثر الهرج والمرج، واستيقظت النعرات الطائفية والعرقية، وانفسح المجال لذوي الأغراض السافلة، والحسابات الضيقة، في حين لا تزال قوات الاحتلال تتمسك بمواقعها تخادع وتناور، وإن كانت قد تكبدت خسائر لم تتوقعها، ولقيت مقاومة لم تنتظرها على يد المجاهدين الأبطال. نسأل الله أن يلم شعت إخواننا في العراق ويجنبهم الفتن، ويجمعهم على كلمة التوحيد وأن ينصرهم على الغزاة المعتدين وأن يخذل الذين يسعون لإذكاء التنازع بينهم والفرقة والتدابر.

وفي فلسطين، قضية الإسلام والمسلمين الأولى، لا يزال أهلها يتعرضون لكل أنواع الكيد والتنكيل على يد عصابات الإجرام الصهيونية، ويعاقبون ويحاصرون لأنهم اختاروا في انتخابات حرة ونزيهة من يمثلهم ويكون مؤتمنا على قضيتهم وقضية عامة المسلمين المقدسة، يقاوم ولا يساوم، ويفي ولا يخون، ويصبر ويصابر، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا. وسقط القناع واتضح للقاصي والداني الطبيعة العدوانية لكثير من أدعياء الديمقراطية وحقوق الإنسان. نسأل الله أن يحفظ الإخوة في فلسطين، وأن يوحد صفهم، وأن يهزم الأعداء والماكرين.

ويشاء ربك أن تزداد الصورة وضوحا، وأن ينجلي ما يبيته أعداء الإسلام للإسلام، فتتوالى أحداث تكشف التناقض في المواقف، والتهافت في المعايير، والخواء في الشعارات. فقبل أسابيع قال البابا، وبئس ما قال، مقالته السيئة في رسول السلام والإسلام صلوات الله وسلامه عليه، وقبله وبعده في أكثر من مكان، بمناسبة وبغير مناسبة، كلما أراد داعر أو نذل مغمور أن يجذب الأضواء، أو يكسب شهرة سريعة، طعن بالظلم والزور في الإسلام ورموز الإسلام. فإذا اشتكى المسلمون أو احتجوا تداعت عليهم أصوات الباطل نقدا وشتما واتهاما وقذفا بكل النعوت الشائنة، ورفعت في وجوههم راية حرية التعبير. لكن حين يغامر مفكر أو عالم أو خطيب فيتكلم مثلا في الهولكوست فإنه يتهم بمعاداة السامية ويحاكم ويطارد أو يرغم على الاعتذار.

أحرام على بلابله الدو ح حلال على الطير من كل جنس؟

أين العدل والإنصاف يا حماة حقوق الإنسان؟

إننا نصف هنا واقعا، ولكننا لا نستغرب له. إنما يستغرب من لا يفقه سنة الله، ولا يصدق ما قال الله عز وجل، وقد قال جل شأنه: “ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا”، وقال: “ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم”، وقال: “ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحق”. وغير هذه الآيات كثير في كتاب الله يِؤكد كله الطبيعة العدوانية للمستكبرين وأوليائهم الذين لا يترددون في التطويح بكل القيم والمبادئ لتحقيق أغراضهم الدنيئة، وتأمين مصالحهم الخاصة، وإشباع نزواتهم وشهواتهم بكل وسيلة، وإن اقتضى الحال تخريب أوطان وتدمير شعوب.

أيها الإخوة وأيتها الأخوات:

إن المسلمين يعانون في كل مكان، ومن لم يكن موضوع حصار وملاحقة ومطاردة، فهو يتعرض للتمييز العنصري والهمز واللمز، ولاسيما إن كان من أبناء الحركة الإسلامية الذين اكتشفوا رحمة الإسلام وعدل الإسلام فأرادوا أن يعرفوا به ويستظلوا بظلاله. لا يختلف نظام عن نظام، ولا قطر عن قطر إلا في الأساليب، وأما الهدف فهو واحد: سعي خبيث لإطفاء جذوة الإيمان في القلوب، وتآمر لصد الناس عن سبيل الله، والتقرب إلى الله والاستعداد للقاء الله، وكبح الإرادات التواقة إلى الحرية والشورى والعدل والكرامة.

وقد كان نصيب جماعتنا، جماعة العدل والإحسان، هذا العام من العدوان المخزني وافرا. حملات واسعة استهدفت المئات من الأعضاء الأبرياء، ومداهمات همجية للبيوت، تم خلالها إتلاف ممتلكات، وسرقة أجهزة وأثاث، وتشميع بيوت، وهدم أخرى، وأغلقت دور كانت مفتوحة للعموم لإقام الصلوات، وضيق على كثير من الإخوة في أرزاقهم وتجارتهم، وفصل عدد كبير من الأئمة والوعاظ بتهمة الانتماء إلى جماعة العدل والإحسان.

والأدهى أن يأتي السيد الوزير، وهو المسلم الذاكر -يا حسرة- إلى التلفزيون لتكذيب الخبر. يقول والعالم أجمع يسمع، وكأنه أراد أن يستكثر عليه من الشهود يوم القيامة، إنه لا دخل لوزارته في تعيين الأئمة، وإن الذين فصلوا إنما لأسباب مهنية. من يصدق هذه الكذبة البلقاء؟! سيادة الوزير، لو تركت هذا لغيرك! أما تخشى الله! أبعد ما تقدم بك العمر، وأصبحت تطل على الآخرة ترضى لنفسك هذه المواقف الدون التي تزري بالعقل والمروءة، وتضر بالدين، وتعرض للمهالك. فكيف تقول كلاما أنت أول من يعلم أنه غير صحيح؟ ما قولك يوم يقوم الناس لرب العالمين؟ عفا الله عنا وعنك.

أيها الإخوة وأيتها الأخوات:

لئن كانت حصتنا من ظلامات النظام المخزني ثقيلة هذه السنة، فإنه من الإنصاف أن نقول إننا لم نكن وحدنا في المعاناة. فالجميع ذاق من ويلات المخزن واكتوى بلظاه، وإن بدرجات متفاوتة: العمال والطلبة وخريجو الجامعات والأجراء والمقاولون ورجال الأعمال والتجار والحرفيون والمدرسون والموظفون والفلاحون والعاملون برا وبحرا وجوا. فالكل نال نصيبه، الصغار والكبار، والنساء والرجال، وحتى الجماد والأنعام. وصدق الله العظيم إذ يقول: “واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة”.

ومما زاد الطين بلة، ومحنة المغاربة إيلاما وشدة أن تتعدد وجوهها وصورها وأدواتها. قوم يبثون الإحباط في الناس، يريدون منهم أن يكونوا شعبا مهزوما مأزوما يائسا، لا أفق له ولا أمل في النهوض والانعتاق. يريدون، عن قصد أو بغير قصد فالنتيجة واحدة، أن نكون شعبا منسحبا ومنزويا ومستسلما ومنقادا لحكام العض والجبر. لا يصح لنا ولا يجوز حتى الأنين بله الصياح، بله الاحتجاج والمقاومة؛ وكأن المغاربة بشر لا كالبشر، لا يملكون أن يدفعوا عن أنفسهم القهر والظلم ولا يستطيعون.

جبرية ما أنزل الله بها من سلطان، تلك التي تبحث في القرآن والسنة عن نصوص تلوي أعناقها ليا، وتتعسف في تأويلها لتنطق، وما هي بفاعلة، بما تهوى الأنفس المنهزمة أو المؤثرة للفانية على الباقية، أو تراهم ينقبون في بطون الكتب عن فتاوي قيلت في القرون الخوالي ليدعموا بها موقفا خاطئا أو يزكوا بها وضعا فاسدا، وجادلوا بالباطل لدحضوا به الحق وهم يعلمون، ونسوا أو تناسوا أن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.

حذلقة كسيحة وسفسطة تضحك ضحكا كالبكاء تلك التي يتشدق بها قوم يزعمون أنهم الأعرف بحقائق الزمان، وظروف العصر، وموازين القوى، وأنهم الأقدر على تمييز الفهم السليم من السقيم، والتفكير الواقعي من الطوباوي، والمقاربات العلمية من الأساليب العشوائية التي يتمسك بها بعض الناس الذين “يحلمون” -وإياك أعني واسمعي يا جارة- بأن الحكم الفاسد يمكن أن يزول، وأن الاستبداد يمكن أن ينهار في ظل الظرفية الدولية الراهنة.

محنة مضاعفة أضعافا كثيرة هذه التي يلتقي فيها الحكم الجبري وما ترك في الأمة من أعطاب وكوارث تجل عن الوصف، مع ديدان القراء وعلماء القصور ونخبة، بل حثالة يتسمون زورا بالمثقفين والمفكرين والمناضلين والحداثيين والإعلاميين والباحثين… يلتقون جميعا على هذا الشعب المقهور فيمطروه أحاديث منكرة، وعبارات منمقة تسمي الأشياء بغير أسمائها الحقيقية، بهدف تجميل وجه الاستبداد الكالح، وتزيين أدائه الكسيح، وتبرئته من الفضائح، وإقناع الناس بأنه ليس في الإمكان أحسن مما هو كائن، وأنه لا بديل عما هو قائم إلا مأساة مثل مأساة العراق أو تسلط فاحش مثلما هو موجود في أكثر من دولة عربية وإسلامية. يروجون لهذا الهراء، وكأنه ليس هناك إلا خياران، وكأن الله جلت عظمته ليس في خزائنه ما هو خير من هذا وذاك. نعوذ بالله من ظن الجاهلين، ومن يأس القانطين، وتخرصات المبطلين. “وما قدروا الله حق قدره”، “إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون”.

نعوذ بالله أن نشرك بالله شيئا ونعتقد أن أمة أو دولة ما، بلغت ما بلغت من العلو والعتو، تملك أن تفعل في أرض الله ما تشاء وكل ما تريد، وأنه لا سبيل لدفع عدوانها أو مواجهة هيمنتها. ونعوذ بالله أن نشرك مع الله أحدا فنظن أن بوسع الحكام الظلمة أن يتمادوا في جورهم وطغيانهم، كما يحلو لهم، وأنه لا سبيل إليهم، أو أنهم في مناعة من بأس الله إذا جاء.

ويا عجبا كيف ينسى بغض الناس التاريخ القريب منه والبعيد وما فيه من مثلاث. فكم من الدول دالت، وكم من الأنظمة الفاسدة زالت، وكم من العروش انهارت غير مأسوف عليها، وبقيت عبرة لمن أراد أن يؤوب أو يتذكر. لا يخلو زمان من أحرار يبادرون فتتجاوب معهم الشعوب حين تريد الحياة، حياة العزة والكرامة، مثلما قال الشاعر:

إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر

ويا عجبا كيف ينسى كثير من المسلمين الذين يقرؤون القرآن ويتلون آياته قوله عز وجل: “ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليومنوا كذلك نجزي القوم المجرمين”، وقوله عز وجل: “فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين”، وقوله جل وعلا: “ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون”. وغير ذلك من الآيات التي تقرر قانونا ربانيا، وسنة إلهية لا تتخلف ولا تحابى أحدا.

فقوله تعالى: “كذلك نجزي القوم المجرمين” دليل على أن ما جرى للمجرمين السابقين يجري على المجرمين اللاحقين، لأنهم تساووا في صفة الإجرام، فكذلك يتساوون في الحكم والعاقبة. وهذا ما يصطلح عليه بقانون التماثل، بمعنى أن النظير يأخذ حكم نظيره وما يجري على الشيء يجري على مثيله. يقول محمد إقبال رحمه الله في إحدى محاضراته: “إن الأمم والجماعات مأخوذة بأعمالها في هذه الحياة. ولهذا يكثر القرآن من قصص الماضين، ويأمر بالنظر في تجارب الأمم، غابرها وحاضرها”. فالجزاء يلحق فاعل السوء، أيا كان مسلما أو غير مسلم، مصداقا لقوله تعالى: “ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوء يجز به”.

ترى أي وصف يمكن ن توصف به أفعال الذين يحكموننا قهرا ودون رضا عموم الناس؟ أي وصف يمكن أن يطلق على الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد حتى أوشكت أن تتحول إلى المفسقة الأولى في العالم؟ أي وصف يمكن أن ينطبق على من خربوا الذمم، واستأثروا بالثروة والسلطان، وبذروا أموال الشعب في التافهات، أو على مشروعات فاشلة ومبادرات مفلسة؟ أي صفة تليق بمن يلاحق المؤمنين الأبرياء، ويزج بهم في المعتقلات، ويكلفهم الباهظ من الغرامات، ويمنع مجالس الذكر والصلوات على الرحمة المهداة، صلاة ربي وسلامه عليه؟ أي صفة يستحق من يحاصر ولياء الله ويرميهم بالبهتان، ويقصي الصادقين ويقرب المداحين والمتملقين؟ أي صفة تليق بمن يرخص لأوكار الدعارة والخمور ويؤمن لها الحماية والحراسة في حين تشمع بيوت يذكر فيها الله، وتهدم أخرى اتخذها ضعفة المسلمين وكبار السن لإقامة الصلوات الخمس وقراءة القرآن بسبب قلة المساجد في بعض الأحياء أو بعد المسافة إليها؟ فإن لم تكن هذه أعمال سوء ففي أي خانة نضعها إذن؟ وإن لم تكن هذه جرائم، من شر الجرائم، فأي مفهوم بقي للجريمة إذن؟

وليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل

إخواني الكرام، أخواتي الكريمات:

بالرغم من كل الإخفاقات المتواصلة، والتدبير السيئ للشأن العام، وعجز المؤسسات القائمة/ الغائبة من حكومة وبرلمان عن القيام ببعض ولا أقول كل ما هو مطلوب منها لتكتسب شيئا من المصداقية والثقة المفقودة، فإنه لا يزل هناك من يتحدث عن إنجازات العهد الجديد وفي طليعتها قضية الانتقال الديمقراطي باعتباره خيارا لا رجعة فيه وهو ماض إلى نهايته.

وبعد مرور عقد من الزمان على سمي بالتناوب التوافقي يحق لنا أن نتساءل: عن أي انتقال يتحدثون؟ وأين يتجلى وما هي علاماته؟ وأين هي آثاره؟ وكم سيستمر هذا العبور إن أصر البعض على اعتبار حالة الاختناق الراهن انتقالا. فأما نحن فإننا لم نصدق يوما أنه كان أو يمكن أن يكون انتقال في ظل النظام القائم وبشروط المخزن المعلومة، لسبب بسيط وهو كما قيل إذا مات حاكم وبقي نظامه، فإن الذي يأتي بعده يكون ولابد أسيرا له. لا يستطيع الإفلات من ذلك إلا ألو العزم، فكيف بمن ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين. كيف يتصور الإفلات إن كان الملأ المتنفذ يتشبث بمألوفاته وامتيازاته المنكرة؟ كيف يمكن الاقتحام إن كان الإرث ثقيلا ، والتخلص من الآلة الصدئة الموروثة يقتضي إرادة صلبة تؤكد الأيام أنها غير موجودة؟ لا عجب إن رأينا كثرة الحركة ولا بركة، وكثرة التجوال وقلة الفائدة. ولا عجب إن توالت الوعود المخلفة، وتتابعت المبادرات المفلسة، وتواصل إخفاق الشركات والمقاولات، وارتفع معدل البطالة، وانتشرت الموبقات بكل أنواعها من رشوة وبغاء ومخدرات، وغير ذلك مما لا يتسع المجال لذكره أو التفصيل فيه.

من أجل ذلك يمكن القول باطمئنان إن من يصر على الحديث عن وجود انتقال ديمقراطي فعلي، فإن كان مقتنعا بما يقول فإنه يعطي البرهان القاطع على أنه يعاني أمية سياسية محزنة، وإن كان يتكلم عن الانتقال وهو يعلم أنه ليس هناك انتقال ولا هم يحزنون، فإنه أفاك متآمر يشارك في الخداع والتضليل والترويج لكلمة الزور، سيلقى جزاءه، إن لم يكن في الدنيا، فيوم المعاد، “يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا.”

وثمة قضية أخرى لا تقل سخافة عن شعار الانتقال يروج لها المخزن بقوة منذ مدة ولا يزال، وتشارك في التطبيل لها أحزاب وهيآت ومنابر إعلامية وبعض من يزعمون أنهم الأحرص على مصالح البلاد والعباد، وتتعلق بانتخابات 2007. إنه وهم كبير يتم التسويق له للتستر على الإفلاس الرهيب الذي يعيشه البلد في كل المجالات. وهم كبير نفخوا فيه ولا يزالون لصرف الأنظار عن مكامن الداء ومواطن البلاء. وهم كبير يريدون عن يضفوا عليه هالة خاصة، وأنى لهم، لتسويغ تأجيل النظر في القضايا العاجلة والملفات الملحة. وهم كبير وحيلة مفضوحة لصد الناس عن البداية الصحيحة للتغيير الجدي والإصلاح الحقيقي. والبداية الصحيحة، يا من لا يزال لديه الاستعداد للاستفادة من تجارب الماضي والحاضر وللإصغاء لصوت العقل، تكمن في إعادة النظر في نظام الحكم وأسلوب التدبير والدستور وصلاحيات المؤسسات الحكومية والبرلمانية قبل الحديث عن أي انتخابات، فضلا عن الجهود التربوية المطلوبة لإعادة الاعتبار للإنسان المغربي المسلم، وتضميد جراحه، وبث الأمل فيه ليسترجع ثقته في الله عز وجل، ثم في قدراته ومستقبله، ويقوى على التخلص من السلبيات التي أنتجتها قرون القهر والجبر.

هذا الموضوع، موضوع النظر في مداخل الإصلاح الحقيقية، يبدو أنه قد أجل إلى أجل غير مسمى، والسبب/الحيلة هو أن الانتخابات قد أزفت ولم يبق الوقت الكافي للبحث فيه. والطريف أو المقرف أن الحيلة ذاتها يتذرع بها كثير من الأحزاب لتأجيل النظر في الإصلاحات التي يتحدثون عنها سواء منها السياسية أو التنظيمية والحزبية أو غيرها. وهكذا أجلت مؤتمرات وجمدت نقاشات أو صراعات بدعوى ضرورة التماسك للاستعداد للاستحقاقات القابلة.

يتحدثون عن انتخابات 2007 وكأن كل الشروط اللازمة لتنظيمها متوفرة، وكأن الفائزين فيها يومئذ سيكونون أحسن حالا وفي ظروف أفضل لتنفيذ برامجهم والدفع بعجلة التنمية والإصلاح إلى الأمام. والحقيقة أيها الإخوة والأخوات أن سنوات من المشاركة في مؤسسات الواجهة ومن مخالطة الفريق الحاكم، القدامى منهم والجدد لم تكف، على ما يبدو، لاستخلاص الدروس والعبر. “وإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”.

وأختم الكلمة بهذا النداء:

إلى كل الصالحين والصالحات من أبناء هذا البلد العزيز، المهمومين بأوضاعه، الحريصين على أمنه واستقراره؛ إلى كل من يؤمن بالله ورسوله ويوقن أن بعد هذه الحياة القصيرة والموت الذي قد لا تأتي إلا بغتة هناك جنة ونارا وحشرا وحسابا وجزاء من جنس العمل، إلا أن يعفو الله؛ إلى كل من آمن أن الحياة دار بلاء واختبار، وأنها أمانة ومسؤولية وأن لا حيلة مع الله؛

إلى كل الشرفاء الأحرار، والفضلاء الأصلاء الذين يعتزون بانتمائهم لهذا البلد الكريم ولهذه الأمة ويعلمون أنه ما كان آباؤهم ولا أمهاتهم ولا أجدادهم يرضون الذلة والمهانة، أو يقرون بين ظهرانيهم الفسوق والفاحشة، أو يركعون لغير الله؛

إلى كل من لم يتبلد فيه الحس والإحساس ويستشعر بقوة خطورة الأوضاع وحقيقة الأخطار المحدقة بنا من كل جانب، ويغار على سمعة هذا البلد الذي تحول إلى ماخور كبير لكل أنواع الفاحشة، وأرض مستباحة للجشع العولمي والرأسمالية المتوحشة؛

إليكم جميعا أيها السادة وأيتها السيدات في مغربنا الحبيب، نتوجه بهذا النداء الصادق آملين أن يجد صدى في قلوبكم وعقولكم، والاستعداد الكافي لتدبره والنظر فيه، قبل أن تحكموا له أو عليه، أو تتخذوا الموقف الذي ترونه منه.

ندعوكم جميعا إلى كلمة سواء وحلف إخاء، فلا نتظالم، ولا يعتدي بعضنا على بعض، ولا نستهلك جهودنا وطاقاتنا في المعارك الهامشية، ونتشاغل عن المعركة الكبرى، معركة الإصلاح والتغيير.

فتعالوا نأتلف في جبهة واسعة لمواجهة الطغيان والاستبداد ولإيقاف النزيف والخراب المستشري بفعل المفسدين والمبذرين إخوان الشياطين.

تعالوا إلى ميثاق إسلامي أو وطني، لا حاجة للتنازع حول الألفاظ لاسيما وكلنا مسلمون كما تقولون ونقول، ميثاق يحدد المعالم الكبرى للنظام السياسي الذي يمكن أن يحظى بقبول المغاربة وثقتهم، ويرسم الخطوات الأساس لترجمته على أرض الواقع في هدوء، على أمل إنقاذ بلدنا قبل فوات الأوان، بل والتأسيس لتجربة رائدة تكون جديرة بالاقتداء.

تعالوا نتعاون جميعا، ودون إقصاء أي طرف، للتأسيس لنظام يرضاه الشعب يكون منه ولأجله، وله فيه الرأي المسموع والكلمة الفصل. أليست هذه هي الديمقراطية التي يتنادى لها الجميع؟

تعالوا إذن نعمل سويا لتسترجع الأمة مجدها التالد ورسالتها الضائعة، وحقها المسلوب ودورها المغتصب.

إننا نعلم، كما تعلمون، أن في بلدنا من الكفاءات والطاقات ما يكفي ويزيد للاضطلاع بمشروع الإصلاح المنشود، وللتأسيس لنظام حكم راشد يحوز رضا الله ورضا الناس، ويأمن في ظله الجميع، وتحفظ كرامة الجميع، ويتعايش فيه الجميع، بل ويفخر به الجميع بين الأمم والشعوب. إنه طموح مشروع ومقدور، فهلموا ولا تترددوا، وأقبلوا ولا تدبروا.

إنها دعوة صادقة للجميع، دون استثناء، للساسة والمفكرين وكل القوى الحية والفاعلة والمهتمة والمهمومة بأوضاع بلدنا ومصائر أبنائنا وأحفادنا، والمتألمة على سمعتنا التي مرغت في التراب وكرامتنا التي داسها الأنذال والشواذ من كل الآفاق.

دعوة ونداء لنقول جميعا بلسان واحد وبكلمة واحدة: لا للاستبداد، لا للتسلط، لا للطغيان، لا للفساد والإفساد، لا للعبث بمصير شعب، وخيرات بلد، لا لنموذج من الحكم عفى عليه الزمن، أنهك أمة وأغرقها في الأزمات، ومهد السبيل لتسلط الأعداء، فنهبوا الثروات، واضطروها إلى أضيق الطرقات، وشغلوها بالتفاهات ليسعدوا وتشقى، وينعموا وتردى.

هذه دعوتنا لكم، وهذه أيادينا مبسوطة إليكم، فإن تستجيبوا فذلك ما نبغي وعليه نحرص، وإن تلووا أو تعرضوا فحسبنا أننا استفرغنا الوسع لإسماعكم. و”إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله”.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الرباط، السبت 17 ذي القعدة 1427

9 دجنبر 2006.