في سياق التطورات الأخيرة التي يعيشها المشهد السياسي الفلسطيني، مع الحديث حول اقتراب حصول توافق بين حركتي فتح وحماس بخصوص تشكيل حكومة وحدة وطنية، تحل بديلا عن الحكومة الحالية، التي ضاقت ذرعا بالحصار المفروض عليها وعلى الشعب الفلسطيني، منذ الإعلان عن نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية في 25 يناير من هذه السنة.

وهو ما يطرح أسئلة عديدة حول طبيعة هذا التوافق؟ ما هي أبعاده ودلالاته؟ وهل لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية تأثير على تغيير الأوضاع الفلسطينية؟.

لقد مر على تشكيل حكومة حماس زهاء عشرة أشهر، ذاق خلالها الشعب الفلسطيني المقاوم مرارة اختياراته الحرة الديمقراطية، إذ جاءت نتائج الانتخابات على عكس ما كان متوقعا، فاجأت الجميع وقلبت موازين القوى داخل البيت الفلسطيني، فلا أحد كان ينتظر الانتصار البيّن الذي حققته حركة المقاومة حماس في الانتخابات التشريعية، لتنتقل من لعب دور المعارضة إلى السلطة التي كانت لما يزيد عن اثني عشرة سنة في يد حركة فتح، ومن موقع المقاومة إلى موقع الممكن والمتاح سياسيا، تجلى ذلك من خلال التزام حماس الهدنة عقب نجاحها في الانتخابات التشريعية رغبة منها في إعادة ترتيب البيت الداخلي والتهييئ للمسؤوليات الملقاة على عاتقها اليوم، وهي التي كانت بالأمس محررة من أي التزام سياسي سوى من واجب الدفاع عن الشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي.

كما أبانت نتائج الانتخابات عن ردود أفعال متباينة بين مهنئ ومفاجئ وبين من يقول الأمر ونقيضه في آن واحد، فإذا كان فوز حماس في الانتخابات التشريعية قد خلف صدى طيبا لدى الشعوب العربية المساندة للقضية الفلسطينية بالنظر إلى المكانة التي تحتلها حماس في قلوبهم من خلال تبنيها منذ نشأتها خيار المقاومة وعدم الحياد عنه حتى في أصعب الظروف، فضلا عن التضحيات التي قدمتها بسقوط قادة لها من الصف الأول في المعركة أمثال الشيخ الشهيد أحمد ياسين والشهيد عبد العزيز الرنتيسي، فإنه بالمقابل خلف حالة من الهلع الهستيري لدى القوى الدولية المناصرة لإسرائيل لسببين أولهما: الإحراج الذي خلفه فوز حماس للأنظمة العربية المستبدة من خلال مطالبة شعوبها بإجراء انتخابات ديمقراطية كتلك التي شهدتها فلسطين. وثانيهما: إحراج الولايات المتحدة الأمريكية إن كانت لها رغبة صادقة في إقامة أنظمة ديمقراطية في الشرق الأوسط فلن تكون إلا أنظمة مثل حماس، وهكذا لم يملك الرئيس الأمريكي بوش الذي لم يتوقف عن الضغط على السلطة الفلسطينية لحملها على إجراء إصلاحات داخلية، سوى التنويه بنزاهة وديمقراطية الانتخابات والتأسف في الوقت ذاته لنتائجها المفاجئة، مصرحا بعدم التعامل مع سلطة ترأسها حماس المنظمة الإرهابية في نظره، الموقف ذاته تبنته الدول الأوريبة التي رفضت هي الأخرى الاعتراف بحكومة حماس. ليتفق الطرفان (باستثناء الروس والصين) على الضغط على السلطة الجديدة وتهديدها بحجب المساعدات المالية الدولية عنها، إن لم تستجب لمطالبهم المتمثلة أولا: في الاعتراف ب”إسرائيل” وثانيا: التخلي عن خيار المقاومة، وهو ما وقع فعلا بعد رفض حماس الاستجابة لهذه الشروط، مما فجر الأوضاع داخل الأراضي الفلسطينية وحوّلها إلى حلبة للصراعات الداخلية بين الفصائل من جهة وبين الحكومة والشعب الفلسطيني الذي دفع ثمن إرادته في بناء نظام سياسي ديمقراطي من جهة أخرى.

من حكومة الأغلبية إلى حكومة الوحدة الوطنيةوإذا كانت العقوبة الجماعية التي فرضت على الشعب الفلسطيني، قد وضعت حماس في قفص الاتهام بعجزها عن تحقيق مطالب الشعب ودفع رواتبهم، فإنها لم تستطع حملها على تغيير موقفها تجاه “إسرائيل” بقدر ما جعلتها تتحرر من كل التزام سياسي والتشبث بخط المقاومة إذ تمكنت الحركة في 25 يونيو الماضي من أسر جندي “إسرائيلي” كورقة ضغط للمقايضة عليه، لإطلاق سراح السجناء الفلسطينيين المعتقلين في السجون “الإسرائيلية”، غير أن “إسرائيل” ردت على العملية -الإرهابية برأيها- بارتكاب مجازر جديدة، إذ بلغ عدد الشهداء منذ أسر الجندي “الإسرائيلي” إلى اليوم 541 شهيدا 467 منهم بقطاع غزة من بينهم 105 من الأطفال و61 امرأة، قبل أن تتلقى صفعة على الخد الآخر بأسر حزب الله لجنديين “إسرائيليين” آخرين مما ألهب فتيل الحرب في لبنان.

كما أن الضغوط التي تمارس على حكومة حماس، إلى جانب الأوضاع المأساوية للشعب الفلسطيني لم يثنيا الحركة عن المطالبة منذ توليها السلطة بتشكيل حكومة ائتلاف وطنية، تشارك فيها مختلف الفصائل أو على الأقل حركتا فتح وحماس، الأمر الذي بدأ يتحدث قادة الحركتين عن اقتراب تحققه وتؤكده اللقاءات المتكررة بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الفلسطيني إسماعيل هنية، والمشاورات بين قادتي الحركتين، إذ يصرح كل طرف من جانبه أن المحادثا بين الطرفين قد قطعت أشواطا مهمة مع حصول اتفاقات أولية حول بعض المناصب الوزارية، حتى أن وسائل الإعلام ذهبت إلى أبعد من ذلك عندما تحدثت عن اسم المرشح الجديد لشغل منصب رئيس الوزراء خلفا لإسماعيل هنية الذي أبدى استعداده للتنازل عن الرئاسة كتعبير صادق عن رغبة الحركة، وهي التي اختارها الشعب للسلطة وصوت لصالحها، في تشكيل حكومة وحدة وطنية.

بيد أن “إسرائيل” وهي تدرك أبعاد هذه الخطوة، لم تألُ جهدا في تعطيلها بارتكابها مجازر جديدة كمجزرة بيت حانون التي أدانتها منظمة الأمم المتحدة، والتي خلفت استشهاد ما يزيد عن 19 شهيدا وعشرات من الجرحى، وهي تسعى من خلال تصعيدها إلى محاولة شغل القوى الفلسطينية وثنيها عن الاستمرار في المشاورات، كما تحاول لفت اهتمام الرأي العام الدولي وشغله عن متابعة تطورات المحادثات الفلسطينية.

ماذا سيضيف تشكيل حكومة الوحدة الوطنية؟ويبقى السؤال الأهم هل بإمكان حكومة الوحدة الوطنية في حال تشكيلها تجاوز الأوضاع المتردية للشعب الفلسطيني ورفع الحصار المضروب عليه؟

في حال تشكيل حكومة الوحدة الوطنية فسيكون لها أبعاد تتجاوز حدود الأوضاع الداخلية، لتمتد إلى المستوى الإقليمي فالدولي: فعلى المستوى الداخلي حري بتشكيل الحكومة الوطنية الحفاظ على وحدة وحرمة الدم الفلسطينيين، خاصة بعد الصراعات الداخلية وحالة الفلتان الأمني والاحتجاجات المتكررة التي زادت الوضع الفلسطيني تأزما، كما من شأنه توحيد جهود القوى الفلسطينية للعمل جنبا إلى جنب من أجل تجاوز الصراعات الفصائلية والعمل على التصدي للأزمات الاجتماعية للفلسطينيين، فلا يمكن لأداء حكومة الوحدة في الشأن الاجتماعي إلا أن يكون أفضل من سابقه حتى في حالة حجب الدعم عنها لأنه سيكون محكوما بعاصم أخلاقي يسعى إلى تفادي السقوط في وحل الفساد الإداري والمالي، كما يعتبر فرصة مهمة للحركتين من أجل الوصول إلى اتفاق يمكن حماس من المشاركة في منظمة التحرير الفلسطينية فضلا عن ضمان مواجهة أقوى من السابق للاحتلال “الإسرائيلي”.

أما على المستوى الإقليمي فتشكيل حكومة وحدة وطنية، من شأنه أن يؤدي إلى تغيير مواقف العديد من الدول العربية التي رفضت بشكل صريح أو ضمني التعامل مع حكومة حماس أو تلك التي لم تبدِ موقفا صريحا من نجاحها في الانتخابات، وهو ما سيعود بالنفع على الفلسطينيين من خلال التوصل بإعانات مالية وغذائية هم في أمس الحاجة إليها، ترفع عنهم الضيق الذي يعانونه من قلة المواد الغذائية ومن عدم توصل الموظفين برواتبهم لمدة طويلة.

أما على المستوى الدولي حيث القوى الرافضة لحكومة حماس والمساندة ل”دولة إسرائيل”، فتشكيل حكومة وطنية لا يمكنه إلا أن ينعكس إيجابا على مواقف هذه الدول والدفع باتجاه تغييرها، خصوصا وأن الحكومة ستعرف مشاركة أعضاء من حركة فتح، التي سبق لهم أن تعاملوا معها لمدة غير قصيرة وكانوا رعاة للاتفاقيات التي أبرمها قادة فتح في منظمة التحرير الفلسطينية مع “إسرائيل”، كاتفاق أسلو واتفاق طابا والقاهرة والخليل…، ومفاوضات الوضع الدائم في كامب ديفيد الثانية، وهكذا فلن يجدوا حرجا في التعامل مع الحكومة الجديدة، ولو بمشاركة أعضاء من حركة حماس مما يعني تليين الموقف ورفع الحصار الاقتصادي على الشعب الفلسطيني، وإنهاء العقوبة الجماعية التي فرضت عليه نتيجة اختياراته الحرة، والقطع مع حالة الضغط والاعتراض الدولي على حماس، ولم لا العودة إلى طاولة الحوار من أجل مفاوضات السلام، وهي المفاوضات التي توقفت منذ وصول حماس إلى السلطة مما سيمكن من عودة الهدوء إلى المنطقة باتفاق الطرفين على التزام الهدنة.

ولعل حماس قد أجابت مسبقا على لسان رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل، عن احتمال فشل خطوة تشكيل حكومة الوحد الوطنية، بدعوته المجتمع الدولي إلى التحرك من أجل إيجاد حل للقضية الفلسطينية، إما بالاعتراف بوجود سلطة فلسطينية منبثقة عن إرادة الشعب أفرزتها صناديق الاقتراع، وإما بسقوط السلطة الحالية بعد ستة أشهر ومن تم انطلاق انتفاضة فلسطينية مفتوحة وصفها بأنها الانتفاضة الثالثة ما دام أن أفق القضية الفلسطينية لا يبشر بوجود حل قريب لها وهو تهديد مباشر بالاعتراف بسلطة حماس في حالة فشل مشاورات تشكيل الحكومة الوطنية.